الاثنين ١٨ حزيران (يونيو) ٢٠٠٧
بقلم هـويدا صـالح

أسئلة القصة القصيرة 2/2

القسم الثاني من الدراسة

المحور الثاني صورة المرأة :

والآن نأتي إلي المحور الثاني من هذه المقاربة وهو صورة المرأة في النصوص المطروحة للنقاش . إن صورة المرأة، في السردات العربية تتخذ أشكالا متعددة وصورا متباينة، تتنوع بتنوع فضاءاتها، سواء في علاقتها بالرجل، أو في علاقتها بالمرأة ذاتها. ولعل أول ما يلفت النظر، في سياق الكشف عن صورة المرأة، يتمثل في هيمنة الطابع الذكوري، على معظم الروايات العربية ، سواء كانت لكتاب رجال، أم لكاتبات نساء .
لقد كان لحضور الرجل، كطرف طبيعي في هذه الثنائية الإنسانية، رجل/امرأة، حظ وافر، كما وكيفا، على حساب المرأة؛ غير أن ذلك لا يمنع أن هناك كتابات و سردات تحتفي بالمرأة، وتنير عوالمها و أفضيتها ، وقد يكون كتّاب هذه السرديات رجال وقد يكون كتّابها نساء،ولكي نوضح صورة المرأة في السرود التي بين أيدينا يجب أن نتعقب صورتها التي اختلفت في النصوص باختلاف رؤي كتابها، ومسارات الأفكار لديهم ، من خلال الغوص في المجموعات القصصية موضوع البحث ونري كيفية النظر إلي صورة المرأة كمكون ثقافي وأساسي في السرد العربي .
لا أريد أن أطرح الرجل في المقابل الضدي للمرأة، فيصبحان النقيضين اللذين لا يتفقان أبداً، المركز والهامش اللذان لن يلتقيا. نريد أن نتمثل كما تقول الأسطورة اليونانية: "أن أصل الإنسانية ذرة انفلقت نصفين أحدهما الرجل وثانيهما المرأة، وظل كل نصف يحن إلى النصف الآخر حتى التقيا"(11 ).
نسعي إلي تحرير فكرنا من فكرة الضدية والإقصاء، فلا نريد أن نقصي طرفا من المعادلة لحساب الطرف الآخر .
في هذا المنحى سوف نعمد إلى نزع صفة المقدس عن الثقافة، وإلى تعرية الأيديولوجيات المتحيزة بإخلاص للرجل لحساب تهميش وإلغاء المرأة. تلك الإيديولوجيات التي منحت -بكرم باذخ- المطلقات للرجل، والانعطافات والانحدارات والهشاشات للمرأة.
وعليه فإن هذا المبحث محاولة لاختراق الثابت. محاولة لتفتيت نصية الوهم باسم المقدس، تقويضها. محاولة لفضح استشراسها المتلون داخل الثقافة النصوصية التي جعلت كلاً من الرجل والمرأة يتعبدان بمحرابها، ويكونان عبدين للثقافة.

إن عبدي الثقافة النصية(المعممة)، الرجل والمرأة، صدّقا، وآمنا بصنمية وأخلاقية القوة للرجل، القوة الإلهية القادرة على كل شيء. والتبعية للمرأة، الممتثلة والمنفذة
للقداسة المزيفة للآلهة الصنمية الذكورية .

صورة المرأة عند هدي توفيق :

وبتراتب ـ ليس مقصودا ـ نبدأ بتحليل وكشف صورة المرأة في مجموعة قصص ( عن عاقر وأحول ) كيف تري الكاتبة المرأة ؟، وما نظرتها للعالم ؟
إن الساردة في هذه المجموعة واعية بكونها أنثي، مهمومة بقضايا المرأة بشكل واضح، تسلط الضوء علي ما يعتمل في قلب الذات الأثنوية وتتخذ صورة المرأة في المجموعة نماذج متنوعة :

ـ صورة المرأة الحائرة، التي تعاني قلقا وجوديا، التي تبحث في الذات، تخرج الحزن، لا تفصح بالمسكوت عنه ففي قصة ( باسم الحب ) تظهر لنا الكاتبة حزنا وجوديا محضا، لا نتأكد من جندرية الذات فيه إلا بضمير المخاطب الذي يأتي علي استحياء في جملة وحيدة، فنكتشف أننا أمام أنثي تتأمل الحزن، فقط تتأمله، وتقيم له طقوسا وتمارين دون إبداء أسباب حقيقية له، فهي تستدعي كل ما يشعرها بالشجن، تتأمل الطبيعة والوجود دون منطق واقعي :
" أهرب سريعا كطفل مسكين، كجرذ خائف إلي بيات شتوي، وأكثف الغطاء وأنا أسمع أنفاسا تلهث داخلي، أردد كلمات عابثة لا معني لها، ولا خير فيها، ولا شيء غير أنني أريد أن أقول :

يبدو لنا الحزن
أمامنا ... خلفنا

علي اليمين ........ علي اليسار .....هناك ألمح حبيبي أنظر، ثم أحدق، فألمح بقعة سوداء .. أفزعتني . "
كما تظهر نفس الصورة للذات الأنثوية الحائرة ولكن بتنويعة جديدة علي القلق الوجودي، وتأمل الذات في قصة ( قص ولصق ) :
" تذكرت حبيبها وضحكت من سخرية القدر، وما حتمه عليها، الآن وهي تعايش نفس الموقف، وتبحث عن أفكار جديدة مبتكرة لعمل الوسائل للاشتراك في المعرض السنوي . الآن بجانبها كل أوراق القص واللصق الملونة كسمكة شهية المذاق للاقتناص ........ بكت واضعة رأسها داخل راحة يديها، ثم داخل قدميها، وهكذا تتالت أشكال الاختباء والهروب "
وتواصل الكاتبة استحضار الذات الأنثوية، ولكنها محض ذات تشعر بالقلق والحزن، وتسعي لتحقيق الأحلام في عموميتها الإنسانية، دون تخصيص أو هوية، فقط أحلام يتمانها الرجل / مثلما تتمناها الأنثي تقول في قصة ( سانتي البيضاء الحزينة ) :

"حينما تمتلكين شباب القلب فقط تستطيعين أن تحددي، ترسمي خطوات الحلم، إن كان له خطوات تستطيعين أن تعلني للذين قلوبهم أحجار أنهم لن يكونوا قادرين علي قتل الأحلام، أو اغتصاب أشياءنا الصغيرة، ستقولين لهم :، go to hill، وسأقول أنا أثق في امتلاكك لهذه القدرة، وسنقول أما عن بكائك الغير معلن فلا أتصور أنه سيفضي إلي بكاء أكثر مرارة، بل أري فيه قوة اليأس، تلك القوة التي تتراكم لتصدع وتفتت الانعزالية، الاغتراب، الهامشية، لتخلق عوالم جديدة "

- الصورة الثانية للمرأة عند هدي توفيق هي صورة المرأة المقهورة التي أسهم في تشكليها الرجل بذكوريته وسلطويته ، أسهم في تشكيل وعيها بجسدها، بل تعرضت لقهر جسدي، فهي ليست امرأة شهوانية بطبيعتها، بل الرجل هو الذي شكلها، فصارت محض جسد، المرأة التي يقهرها الفقر والمجتمع وعدم الوعي، التي لا تعي بوجودها كأنثي إلا في ظل الرجل .
فالأحول، يشتهي جسد ابنته، يفض بكارة دهشتها الأولي، يبرر لنفسه أنها ليست ابنته، وأن زوجته خانته يوما مع رجل ما، ولا بد أن هذه البنت التي تكتشف بكارة جسدها، وتتلمس خريطته بعد هي ليست ابنته، يبرر هذا الشعور الجسداني الذي اجتاحه، وجعله يري فيها الأنثى التي تضج بالحياة، والتي تداهمها دورتها الشهرية لأول مرة، يفعل معها الفعل الجنسي دونما اعتراض أو ثورة من البنت، وتظل البنت لا تشعر بشهوة جسدها إلا بين يديه وبطريقته .

ويصل الأمر بالبنت ـ التي لم تعد بنتا بالطبع ـ أن تعلن في نهاية القصة التي تحايل الجميع فيها علي القانون حتي يثبتوا أن هؤلاء الأبناء للأحول من زوجته العاقر، وحتي لا يعاقب بجريمة ارتكاب الفاحشة مع ابنته، تعلن في النهاية أن الأحول يعطيها كل شيء، وأنها لا يمكن أن تري رجلا مثله " هو ده اللي بيكفيني يا باشا " :

" بردانة قوي قوي يا بوي .............
تعانقت لحظات الامتزاج الأبدي وشوق غير مبرر، وارتدت روائح القلق والترقب، وضع يديه علي كتفها، برمها بين ذراعيه، ارتفع الوهج وتاوهت وفتحت عينيها .. رصد الأحول التأوه في العينين اللذين يكتسحهما الوهن لحظة بدء الرغبة اشتعلت فيه كل الرغبات التي لم يكن يدري بوجودها، وكلما امتلأت الفراغات بتعاريج فعل الحب تسقط نرجس في هذا الركام المستعصي، وترتعد بقوة وتشعر أن شيئا قد تملك جسدها، دخل فيه وسكن، ارتجت له أوصالها جميعها، وأن روحها استلت منها "
ـ أما الصورة الثالثة للمرأة عند هدي توفيق فهو صورة المرأة المتمردة، وإن جاء الموقف النسوي من العالم باهتا، غير واضح المعالم، فرغم أن الكاتبة لم تتخذ موقفا معاديا للرجل، ولم تضع الذات في مقابل الآخر، إلا أنها صورتها في صورة مغايرة للصورة النمطية للأنثي، فدوما الأنثي تسعي لنيل تطويب المجتمع بالسعي إلي الارتباط بالرجل، الذي يمثل حماية لها، وحائط أمان تسعي إليه المرأة، بل إن بطلة قصة : ( تحت نفس الشمس ) تقول :
" عرض عليها الزواج أكثر من مرة، فرفضت ونظرت بتعال مبالغ فيه كمن يشق بطن الذبيحة باستئصال الضار منها .

ـ أريد أن أكون حبيبتك . أريد نصيبي الكامل من المتعة ، لا إذن من الأوراق دون قرار غير قراري . أريد أن أمسك زمام الأمور بيدي هاتين "
ـ الصورة الرابعة التي تقدمها الكاتبة هي صورة المرأة الأولي، في تحررها، في حوشيتيها نجدها تبحث عن المرأة الأولي داخلها، المرأة المقهورة تحت وطأة قضبان الحياة والسلطة الذكورية، وحتي المرأة التي تبحث عنها والتي ضاعت بفعل ذكورية الموقف هي امرأة رومانسية في حالة سلام مع الآخر، فقط تبحث عن ذاتها وعنه لتلتصق به، لا لتعاديه تقول في قصة ( منشورات منتصف الليل ) :

" فينوس إلهة الحب .. سانتي أسطورة اليونان والإغريق، أتتذكرينني مازلت .. من أعوام طويلة مرت سوداء، لم أرك .. هكذا أشعر .. وحيد أنا بدونك و غريب، لكن لم يستطيعوا مهما أتوا من قوة أن يفرقونا " .
صورة المرأة عند عادل العجيمي :

بداية نتساءل هل ستختلف صورة المرأة عند كاتب مثل عادل العجيمي عن صورتها عند كاتبة مثل هدي توفيق ؟
يقدم لنا عادل العجيمي صورة المرأة في شكلها النمطي فهي تأتي عنده علي ثلاث صور وأشكال نمطية تقليدية :

1 ـ المرأة كونها الآخر المعادي، المتشكل في صورة الأفعي، الضد الذي يمثل القهر للرجل، الخائنة، التي تحمل ميراثا من الدونية والتحقير، وتتجلي تلك الصورة في قصة ( نظرة أخيرة ) فيها يظهر العداء المطلق للمرأة، فالسارد يري المرأة من خلال الموروث الثقافي ذكوري، فيقدم لنا بطل قصته حين يري صورته في صفحة الحوادث بعد ارتكاب جريمة ما، ويتعجب كيف وصلت هذه الصورة إلي يد محرر الحوادث، يستعرض كل من يمكن أن يخونه ويقدم صورته لمحرر الجريدة، وتأتي علي رأس المتهمين زوجته، ثم البنت التي التقطت له يوما صورة ، ثم زميلته لبني، وهكذا نجد المتهمات في نظره كلهن نساء، نجد أن موقف الكاتب العدائي للمرأة يبين ويظهر منذ القصة الأولي يقول :

" علما لم يكن وفيا للحياة الزوجية بالوراثة فحسب، وإنما لاعتبارات عدة أهمها أنه كان يقدر البلاء قبل وقوعه، فهو يعتبر أن النسوان أساس المصائب التي تثقل كاهلنا نحن الرجال ... ربما تكون الزوجة المحبة للأضواء والشهرة ـ حتي في أضيق الحدود ـ قد أعطتها للمحرر "
القصة الثانية التي تظهر فيها صورة المرأة بتجلياتها القبيحة، وتمظهرات كره الذات الساردة لها هي قصة : ( رجل طيب ) ومنذ بداية العنوان يظهر الطرح فالرجل هو الطيب المسالم، والمرأة هي الممثلة للقبح والشر، الرجل بكل سلطويته وذكوريته، الرجل محور صراع الزوجتين، منتهي أملهما، فهو سي السيد الذي يجلس محاطا برعاية الزوجتين، وهما تتناكفان مع الرائح والغادي، تعذبان خلق الله، فهما الشر مجسدا يقول :

" إذا نظر الواحد في وجه إحداهما دعته نفسه إلي استجماع لعابه والبصق بكل ما أوتي من قوة في وجهها .......... إن كل واحدة منهما تتضاعف علي خلقتها العكرة علامات التجهم والحقد المضمر، وتزول من عينيها تلك النظرة النسائية فتكون المشاجرة حديث الجيران لمدة ليست بالقليلة "
وفي قصة " ضوء خافت " يواصل تقديمه لصورة المرأة بتجليات قبحها وقهرها للذات الساردة، فهنا يقدم لنا المرأة / الأفعي، يصور لنا المرأة رمز الخطيئة التي اقترنت بأذهاننا في الميثيلوجيا الدينية، حينما أغوي الشيطان آدم بالتخفي في جسد الأفعي وبمساعدة حواء، فنري صورة المرأة الكابوسية المرفوضة من السارد تتماهي في صورة الأفعي :

" تراءت له تلك الصورة التي طالما هاجمته حيث الأفعي المتوحشة بجسدها المطاطي الذي يلتف حول الرجل ويعتصره . تتفجر شرايينه، فتمد لسانها وتلعق دماءه في لذة .
كانت يده ترتعش متشبثة بيدها فقالت وهي ترمقه بعينيين ماكرتين :
- مالك ؟ أنت خايف ؟
ابتلع ريقه، فاكتشف أنه جاف، فانتزع كلمات خرجت من حلقه خشنة :
- وأخاف من إيه .

2 ـ الصورة الثانية التي تقدمها المجموعة عن المرأة، هي صورة أيضا صورة نمطية، ولكنها نقيض الصورة السابقة، فالمرأة الأم / الجدة التي تعيش في كنف الرجل . تري الحياة من خلال عيونه، المرأة الطيبة المستكينة، التي ترضي بظل الرجل، وليس لديها موقف من العالم وتظهر هذه الصورة في قصة : ( وحده يلوك المرارة ) فنري الرجل يبكي علي زوجة طيبة ماتت، وينادي علي زوجة بديلة تعيش في كنفه وتحيا حياته دونما أحلام شخصية، فهي مثال للطاعة والسكن المريح :

" إيه ... أيتها الدنيا القبيحة .. لقد ابتلعت الزوجة الطيبة في أغوارك السحيقة ولم تتركي الرجل الطيب يستمتع بقلبها الممتلئ حنانا .......... هاجت علي الرجل ذكريات الماضي وحاصرته حصارا رهيبا فتوحد معها ونادي زوجته أم محمد وأمرها أن تسقي البهائم وتقدم لهم التبن الممزوج بالعلف، وطالبها أن ترسل محمدا إلي عمته فهيمة وتملأ له كيسا من الذرة وتضعه أمامه علي الحمارة لتطحنه وتخبز لأبنائها العيش البتاو "
فكما نري في المقطع السابق فالزوج يقوم بالتفكير نيابة عن المرأة الزوجة حتي في أبسط أمور حياتها، فهي حتي غير قادرة علي فعل الأشياء البسيطة دونما تفكيره هو مركز الوعي والتفكير في العالم، فالمرأة في هذه الصورة مجرد آلة تنفذ أوامر السيد الرجل، وبالتالي السيد الرجل يغدق عليها من حنانه، فهي لا تري العالم إلا من خلال عيونه :

" فينظر إليها ناسيا م كان ينويه من عقاب صارم لإهمالها في حق الأولاد ويعاتبها في لهجة لينة :
- خدي بالك من العيال شوية
فتميل برأسها في دلال يطير بلبه فيرفرف القلب بجناحيه سعادة وطربا ...... ويتواري صوتها خلف حنانه الذي يحتويها ويلقي بها في نشوة لا نهاية لها "
وذات الصورة يقدمها أيضا في قصة ( غبار كثيف ) حيث تعيش المرأة الحلم في ظل الرجل، لا تريد شيئا من الحياة سوي أن تراها عيناه، تقبلها شفتاه، ولم تمر السنون وتبهت صورة الرجل الذي يتوله عشقا فيها تجلس لا تفعل شيئا سوي التحسر علي أيام مضت ، فرجلها من عملة نادرة، رمز للرجولة، تتعبد المرأة في محرابه، ولا تشعر بكونها امرأة إلا من خلاله، فهو الذي يمنحها الإحساس بكينونتها :
" ها هو ذا يستيقظ من نومه بكل رجولة، فهو رجل من عملة نادرة، رجل حقيقي، يمنحها الإحساس بأنها امرأة وهو رجلها الأوحد، فتذوب في نشوة أبدية ( لقد استيقظ ) فتحت عينيها لتملأهما به وهي تنفض عنها كسلا لذيذا ...............لقد انسحب العمر من بين يديها وباغتتها أيامه بالعبث بوجهها الذي كان متوردا تراه سيأتي ليلثمه "
وتنويعة جديدة علي الصورة المثالية للمرأة المطيعة للزوج المحتمية بعالمه، التي لا موقف لها في الحياة ولا شعور بذاتها إلا من خلال الرجل وفي حوار بينه وبين امرأة يعرض فيها الكاتب وبشكل دقيق ودون تورية رؤيته للمرأة المثال في وجهة نظره يقول في قصة ( رشفة ) :

" ينصحها باتخاذ ( ألكستيس ) تلك الزوجة الوفية التي تعتبر مثالا مجسدا للتضحية، فهي تقدم علي الموت فداء لزوجها وحفاظا علي أولادها من غائلة الليالي .... سيغضب منها حينما تخبره أن ألكستيس بلهاء ولا تنتمي لبنات جنسها، فهل هناك امرأة عاقلة تقدم علي الموت هكذا ببساطة ؟ ."

3 ـ الصورة الثالثة التي يقدمها عادل العجيمي هي صورة المرأة النموذج، المرأة المثال، المرأة الحلم الشعرية، وتتخذ المرأة في هذه الصورة شكلا رمزيا صوفيا، ونجدها في قصتين فقط من قصص المجموعة القصة الأولي أعطاها الكاتب عنوانا مباشرا دالا علي الحالة التي تمّ طرحها فجاء العنوان : " أحبها فقط " :

" تغمض عينيها وتذوب في نشوة أنثوية جميلة يخالطها اشتهاء منتزع من رغبتها المضمرة بداخلها في التوحد مع جزئها الذي أعادته إليها الفطرة الراسخة في نفسها ونفسي انسدلت عليها ستائر الطهارة المغموسة في عطر ملائكي فواح فمنحتها قدسية وهيبة .. وانبعث منها نور ممتد من الأرض إلي السماء سيطر علي كل شيء، فحلقت بجناحين أبيضين رقيقين في سمائها الصافية ورحت أطوف حولها من بعيد مكتفيا بتلك الروائح العطرة التي تفوح في كل مكان " .

والقصة الثانية التي صور فيها حال المرأة الحلم هي قصة : " كتابة السطر الأخير " ففيها لا يقنع السارد بالمرأة الواقعية التي تقف بين يديه تذوب شوقا إليه، ولكنه يصر علي أن تظل المرأة المثال، فيقترح عليها أن يموتا سويا، حتي يحتفظا بصورة الحلم وبراءته يقول : " ـ عندي فكرة
فقالت وهي تخرج من نشوتها خروجا متثاقلا :
- أسمعك بكل وجداني
فقال مخرجا الكلمات من مجاهل نفسه : تعالي نبصق علي الحياة
فضحكت وقالت وكيف ؟
قال أن أقتلك ... وتقتلينني .. وتوقف ليستكمل كلامه لكنها ضحكت ولم تمهله فرصة ليكمل كلامه فقالت في دلال :
- أنت قتلتني في هواك
قاطعها ممسكا بمعصمها ضاغطا علي الحروف
- أنا أصدقك القول .

فتغيرت ملامحها بعض الشيء عندما رأت حركاته وانفعالاته غير المعهودة ... وساد بينهما صمت قطعه بأن أخرج سكينا ومشنقة وقال لها :
سنموت سويا ........... اختاري الوسيلة التي تعجبك وسأرضي أنا بالثانية .................." .
صورة المرأة عند محمد الرفاعي :

أما تجربة محمد الرفاعي وصورة المرأة فيها فتأتي المرأة في صورة أحادية لا تتنوع، ولا تختلف كثيرا عن الصورة التي تقدمها التجربة القصصية في قصص الجنوب، فالمرأة عنده هي الحكيمة منبع الحكمة والخبرة، المدبرة للأمور، وغالبا تتصف بها كل الجدات العجائز الحكيمات، وغالبا هي رؤية تتسم بها معظم كتابات القربة، فالمرأة حين تصل لسن معينة تحظي بمكانة الحكمة والمعرفة، تسقط عنها صفة الأنثوية، وتتحول إلي رمز، وتتحرر من سلطة الذكورة القاهرة، بل تصير هي سلطة مركزية توازي سلطة الرجل ولكن تتميز عنه بأنها سلطة المعرفة وليست سلطة القوة، سلطة الحكمة، وليست سلطة السيطرة وتظهر هذه الصورة في قصة : " سوق المراهنات " حيث تظهر الجدة مصدر المعرفة، والابن إن لم يأخذ بمشورتها، فشلت محاولاته في الفعل . يرفض الابن مشورتها الحكيمة حين كان بصدد شراء النخيل، فيفشل ما أقدم عليه بعيدا عن مشورتها : " أحضرت العجوز عدة الشاي، أقامت راكية وأشعلت النار جلس الحفيد جوارها، ظل الابن الأكبر فوق المصطبة ............. هل كانت العجوز المجربة محقة فيما قالته صباح أحد الأيام ؟ كيف يراهن بشرائه النخيل ؟ وهي غير قادرة علي حمل ثمارها، ومع ذلك حدث ما كان يخشاه الكهل ويتجنبه . وفي الصباح ينزل الدرج ويجدها جالسة تلوك لقمة تقيم بها الأود، يلقي عليها التحية والسلام . تشيح بوجهها بعيدا عنه ولا تأكل معه علي طبلية واحدة " .

كما تظهر صورتها التي تضيف إلي معرفتها الحسية وخبرتها بالحياة معرفة أخري لا تقل أهمية، وهي قدرتها علي الحدس، تأملها وانتظارها للحظات الكشف، ففي قصة : " الميل شرقا " والتي اتخذها عنوانا عاما للمجموعة، يخرج ابنها ومن معه للصيد، يفيض النيل ويهيج، تعلو أمواجه، ويفقد الابن ومن معه، ويفقد الجميع الأمل، ماعدا الجدة التي تتبع خطوات قلبها وهمسه، وتنظر ابنها وهي موقنة من رجوعه : " الطفل يسير خلف جدته، يعيد اكتشاف ما اكتشفه، ولكنه صعد أعلي المنحدر، استطاع أن يري من بين الضباب الشاطئ الآخر .. الجدة استكانت إلي رأس الجسر المتوغل في ثلث النهر . قد نهض الرجال في عناد يواصلون البحث وينصبون السنار ويفردون الشباك ويمتطون المخاطر، لكنها أخيرا ألفت عصف الريح وسواد الليل اللامحدود ورأت في وجه النهر المضطرب الغاضب وجها مبتسما .. صاح الطفل فجأة ـ من فوق المنحدر الرابط فوقه ـ بأن ثمة إشارات ضوئية موجهة إليهم بأن يتقدموا " .

صورة المرأة عند صفاء النجار :

وتأتي المجموعة الرابعة التي نتتبع فيها صورة المرأة هي مجموعة : " البنت التي سرقت طول أخيها " لصفاء النجار، وبالغوص داخل عوالم المجموعة تتمظهر صورة المرأة ، وتكشف لنا عن وعي القاصة بكونها ذات أنثوية تري العالم، وتقدمه لنا ، تعرض لهموم الذات الأنثوية في خصوصيتها ، صفاء النجار كما أوضحنا في سؤال كتابتها تسعي لكشف مخبوء الذات الأنثوية المهمومة بوضعية الأنثي في مقابل الرجل / الأب / الحبيب، وفي هذا السياق يجيء كتاب "المرأة واللغة" لعبد الله الغذامي، كمحاولة لتبيان الحركة التي قامت بها المرأة العربية عبر التاريخ لإبراز هويتها، والقيام بدورها في مجال الثقافة العربية؛ وكذلك للكشف عن العوامل –وبخاصة اللغوية منها- التي حدّت من نشاط المرأة في سبيل تحقيقها لتلك الغايات.
يقول الدكتور عبد الله الغذامي في كتابه : " بحث وسؤال عن المنعطفات والتمفصلات الجوهرية في علاقة المرأة مع اللغة وتحولها من (موضوع) لغوي إلى (ذات) فاعلة، تعرف كيف تفصح عن نفسها "الذي حدث هو غياب الأنوثة التام عن التاريخ لأنها غابت عن اللغة، وعن كتابة الثقافة، وتفردت الفحولة باللغة، فجاء الزمن مكتوبا ومسجلا بالقلم المذكر واللفظ الفحل حتى جاء زمن امتلكت فيه المرأة يد الكتابة وكتبت.. [المسألة هي] هل تراها تملك القدرة على تأنيث اللغة أو أنسنتها لتكون للجنسين معا؟"." ( 13 )

وبقراءة مجموعة صفاء النجار التي تهجس بالذات الأنثوية ربما نجد الرد علي تساؤل الدكتور عبد الله الغذامي ، فتتعدد صورة المرأة عند القاصة، وتتخذ خصوصية الأنثي شكلا مغاير لما ورد في المجموعات الثلاث السابقة .

1 ـ الصورة الأولي هي المرأة التي تقع أسيرة لميراث من قهر الجسد، ذلك القهر المتأصل في الذات الجمعية ، الخوف من ارتعاشات الجسد، تحسس شعور الذات الداخلي وهي تنصت لجسدها، تظهر لنا الكاتبة ذاتا رافضة لكل ما يمارس علي جسد الأنثي من طقوس، وأكثر هذه الطقوس رعبا بالنسبة للمرأة تتجسد في الخوف الفطري من ليلة فض البكارة، تلمس بدايات الإحساس بهذا الجسد الأنثوي الذي قد يُمثل عبئا علي الذات، عبء نفسي، توارثته المرأة عبر طبقات متراكمة من القهر الذكوري ، فالأنثي ترسم صورة مغايرة لهذا اليوم، تفارق تماما ما يرسمه الرجل، الذي يضع في ذهنه هدفا محددا ليس منه أحلام البنات، والصور المثالية للتواصل الأولي الحميمي بين البنت التي تتلمس خطواتها الأولي، والرجل الذي يرغب في جسدها الآن فقط تقول في قصة ( نهايات مبكرة ) :

" ينغلق عليهما الباب، ترغب فى معرفته، يرغب فيها وخلف الجدران انتظار. تتبعثر طمأنينتها، ترتبك عقارب الزمن، تضيق الحجرة عليها تخنقها الرطوبة وتتبخر من رأسها صور الجزيرة الصغيرة والسكن فى ظل الشجر وحمى البحر.
تستحثها عيناه،طيب ودود، عرفت من دفء أصابعه وهو يلبسها الشبكة، لكن لا وقت لديه، يضيق صدره بأحلام البنات واستكانة الموج عند الشاطئ،تحاصرهما همسات النسوة ودقات الطبول، تستسلم له، يأخذها.. ينهار السد وخلفه مخزون السنين المكبوتة. تشرق من دفقة الماء المفاجئة فى جوفها وتبقى تشنجات الجسد معلقة دون انبساط، تتسرب المخاوف إليها،تختلط بما يكسر نظرة العين ويطفئ لمعانها. ومع الزعاريد تضم فخديها وتلملم جراحها وأجزاءها المدماة، يطيب خاطرها، تمنى نفسها، ويشجعها حكى الصديقات عن مأساة الليلة الأولى."

2 ـ ثم تأتي الصورة الثانية للمرأة في هذه المجموعة، صورة الأنثي المقهورة اجتماعيا، الواقعة تحت نير الفقر، وهنا بحسب الناقدات النسويات تسعي الكاتبة إلي فضح المسكوت عنه في المجتمع، فضح وضعية المرأة الحقيقية في مجتمع هيراركي ذكوري، والمسكوت عنه يظهر في قصة : " إبرة مكسورة " فالخطاب الرسمي هو مساندة قوانين العمل والدولة للمرأة، وتأمين حق المرأة في العمل مثلها مثل الرجل، والمسكوت عنه، الذي يتواطأ عليه الجميع دون إعلان رسمي أن عمل المرأة بنظر الرجل عمل منقوص، غير مقبول اجتماعيا لأن المرأة تعمل بنصف طاقتها بسبب الحمل والولادة، فها هي الذات الأنثوية في النص تحرم من العمل ليس لشيء إلا لأنها حملت وأنجبت، وتضرر صاحب العمل من رجوعها، فهي صارت تمثل عبئا عليه، تقول في قصة : " إبرة مكسورة "

" فى المرات السابقة واصلت عملها وهى في شهرها التاسع، يضغط عليها بطنها وتضغط هي أكثر على الماكينة تنكسر إبرة، بسرعة تستبدلها بأخرى. ويستمر المكوك فى الدوران. تسألها المشرفة وكأنها لا تعرف الحال:

- مش تستريحي بقى في البيت..
حان موعد ولادتها، وتأخر عنها الطلق، قلقها على مرتب الشهر كاملاً يبقى صغيرها فى مكمنه.
تتعاطف معها زميلاتها:
- هي أولى بكل يوم.
وبمجرد أن تفك سلك " العملية القيصرية " تترك لحمها فى حجر أمها، وتطل برأسها من باب المشغل..لكن لا أحد ينتظر . ففتاة أخرى تتشبث بماكينتها.
تترجى المدير، يوافقك:

- دي آخر مرة تتركي فيها العمل. ده مكن داير."

3 ـ الصورة الثالثة التي تحرص علي تقديمها الكاتبة هي الذات الأنثوية التي يمارس عليها القهر من المرأة ذاتها، فالأم أو الجدة قد تمثلان قهرا جديدا يضاف لقهر المجتمع الذكوري، فأحيانا تكون المرأة أشد قهرا للمرأة، تكون المرأة هي حارسة أيقونات قهر الرجل، المنفذة الحقيقية للفكر الذكوري، وكاهنة معبده ، فكما تقول شوشان فيلمان الناقدة النسوية : هل يكفي أن يكون الإنسان امرأة ليتحدث كامرأة، إذن فكر المجتمع هو من يصنف هذا امرأة وهذا رجل وليس الطبيعة البيولوجية، فنجد الأم تزرع في ابنتها منذ الصغر أنها أقل من أخيها الذكر، وأنه وصي عليها حتي لو كان أصغر منها، وأن الولد الصغير لو بكي لقالت له أمه " عيب لا تبك أنت لست بنتا " " الرجل لا يفعل كذا " وبالطبع المقابل هو الأقل الدوني المهمش وهو البنت، ولذلك لا نعجب حينما نجد الأم و الجدة يشعرن بالخوف والارتباك ويمارسان قهرا علي البنت لأنها بدت في الصورة أطول من أخيها ، إذن المسكوت عنه في قصة ( بنت سرقت طول أخيها ) هو التمييز بين الولد والبنت وتحيز المجتمع بما فيه المجتمع النسوي نفسه للبنت :

" أمها التى لم تنتبه إلى أنها صارت أطول منها وأن ملابسها الصيفية أصبحت قصيرة، حتى كان اليوم الذى التقطت فيه صورة مع أخيها حدقت الأم فى الصورة،وفجأة خبطت على صدرها وصرخت وهى تنظر إليها:

- من أين أتيت بهذا الطول ؟
احتارت، نظرت إلى جدتها..الجدة المشغولة بحبات الكهرمان، تذكرت وقتها أباها "شيخ الغفر" ذا القامة الفارهة.
فأدلت بدلوها وهى تبربش بجفنيها اللذين تساقطت رموشهما:
-  لابد وأنها سرقت طول أخيها وهو نائم ."

كذا تواصل الكاتبة فضح المسكوت عنه في المجتمع واللامقول حين تنبش في منطقة محرم حتي التفكير فيها، ولكن الكاتبة تقدمها ببراعة دون مباشرة، تشير في قصة لها عن العلاقة المحرمة بين الأب وابنته، علاقة من طرف واحد، فالأب مصاب بعقد الطفولة، عقدة أوديبية، يري في ابنته صورة أمه المدنسة والتي أقامت علاقات كثيرة مع رجال آخرين، فيتحرش الأب غير واع بالبنت الصغيرة، وتدرك الأم ذلك وتظل تحرس ابنتها، ولكن حين تغفل عين الأم يبدأ الأب بفعلته، ونري الذات الأنثوية المقهورة غير القادرة حتي علي الاعتراض وأصابع الأب تتحس فخذيها تقول في قصة : ( فواصل معتمة ) :

" يطول الليل ومازالت أمى بجوارى لم يغمض لها جفن وهو بجوارها، ومن بين خيوط اللهب التى تتجمع بعينى ألمحه يربت على كتفها، يطلب منها أن تذهب لتستريح ويتولى هو وضع الكمادات وتدليك ساقى، وحين تهز رأسها بالرفض يصر على أن تستريح فأربت على يدها أن تذهب وتطمئن وإن كان القلق هو ماأطمئن إليه.

تمر الدقائق رتيبة بين كمادة وأخرى فتغفو جمرتا اللهب، وبين دبيب الألم أشعر بالحمى، ليست فى ساقى ولكن فى اليدين اللتين تدلكهما .."

4 ـ الصورة الرابعة التي تقدمها الكاتبة و تنتصر فيها للذات الأنثوية، هي صورة الأنثي المتمردة، التي تقدر علي التعبير عن رغباتها في مقابل صورة الأنثي الخانعة التي تكتفي بانتظار الزوج المسافر والعيش في طاعة وكنف الأب، فنجدها تصور ابنة عمها المتمردة وقد حققت ما تريد وتزوجت ممن تحب دون خوف من قهر ذلك المجتمع الذكوري تقول في قصة : " المرآة " :

" تزوجت فى الوقت الذى حددته، ومن الشاب الذى كانت تستغفلنا وتخرج معه،وتعود من لقائه متوردة الوجه، ضاحكة العينين،يتفجر جسدها بالحياة. يرن جرس الهاتف فتجرى نحوه، أعطيها السماعة بعد أن يقول إنه زميلها فى التدريب ويريد أن يسألها عن شئ، تطول المكالمة ولا متنفس لضيقى أمام ابتسامتها المهذبة وإجاباتها المختصرة على أسئلتى: "

وبعد هذه المقاربة التي توسلت فيها بمقولات النقد النسوي حتي يمكنني قراءة لا وعي النصوص، والغوص داخل اللامقول والمسكوت عنه أقول في كلمة أخيرة أن هدي توفيق في مجموعتها عن عاقر وأحول حاولت وضع هؤلاء المهمشين والمنسحقين في بؤرة الضوء وقامت باستبدال المتن السردي الذكوري الرصين إلي بني سردية متشظية تأخذ شكل الاعترافات مرة وشكل التقارير الصحفية أخري واستعانت باللغة الكنائية والمجازية في شعريتها حتي تقدم لنا شخوصها الهامشيين المقهورين، كما ظهر البعد المعرفي الثقافي في كثير من نصوصها .
أما عادل العجيمي في مجموعته أفق يحتضن الصدي فقد استطاع بمهارة تصوير الذات الساردة المنسحقة المتشظية أمام كل سلطة في المجتمع سواء كانت سلطة سياسية أو حتي سلطة المرأة القاهرة للرجل، كما استعان أيضا بلغة شعرية مكثفة ودالة، وقام بتكسير سلطة اللغة بخطابها الذكوري .

النموذج الثالث كان لمحمد رفاعي في مجموعته الميل شرقا فقد صور نوعا ثالثا من المهمشين وهو مجتمع القرية وتلك الذات التي تسكن المدينة جغرافيا ولكنها في الواقع تسكن القرية ومتعلقة بها نفسيا، فوجدنا القاص ينتصر للقرية ويغيب المدينة حتي حين تظهر المدينة كمتن مكاني يوازي تماما المتن السلطوي الذكوري نجده يظهرها علي استحياء في قصة واحدة فقط، ويجرد المدينة من كل ملامحها، فهي مدينة في اللازمان واللامكان، مدينة مغيبة حتي وهي حاضرة، علي النقيض القرية حاضرة حتي وهي غائبة، وتتميز لغة محمد رفاعي بأنها لغة بوح وحنين وشعرية مكثفة .

أما النموذج الأخير الذي تعرضنا له هو مجموعة صفاء النجار البنت التي سرقت طول أخيها وهو أقرب النماذج للأدب النسوي الذي تكتبه امرأة فالقصص جميعها تهجس بروح الأنثي، وكانت الكاتبة واعية تماما بكونها امرأة، مدركة لذلك التاريخ من القهر النفسي والاجتماعي الضاغط علي روح الأنثي، فنجد لا وعي النصوص يتقن البحث عن حفريات روح الأنثي المنسية في كل نصوص المجموعة، يشيل بظفره علي حد قول الكاتبة في إحدي قصصها القشرة التي تكونت علي جرح عميق وينبش الجرح في جرأة ووعي يحسبان للكاتبة، ينبش الجرح حتي يخلصه من صديده وتقيحه، حتي لا تخجل الذات الأنثي في النصوص أن تقول أنني أنثي، وحرصت الكاتبة علي استخدام لغة فنية عالية وتقنيات محبوكة وبني سردية قادرة علي حمل الرؤية والنظرة النسوية للخطاب الثقافي .

وبذا تكون القصة القصيرة قدمت أسئلة قد تبدو مفارقة إلي حد بعيد عن الأسئلة التقليدية للقصة ، فصورة المرأة وسؤال الكتابة منطقتان مهمتان في الكشف عن لا وعي النصوص، والبحث في فضاءاتها .

مصادر ومراجع

1 ـ نهاد صليحة : محاضرات في النقد النسوي ـ أكاديمية الفنون .

2 ـ المصدر سابق .

3 ـ بيتر بروك وآخرون : التفسير والتفكيك والأيدلوجية ـ ترجمة نهاد صليحة ـ الهيئة المصرية العامة للكتاب ـ 2005 .

4 ـ هدي توفيق : عن عاقر وأحول ـ مركز الحضارة العربية ـ 2007

5 ـ عادل العجيمي : أفق يحتضن المدي ـ إبداعات ـ الهيئة العامة لقصور الثقافة ـ 2006 .

6 ـ محمد رفاعي : الميل شرقا ـ إبداعات ـ الهيئة العامة لقصور الثقافة ـ 1999 .

7 ـ صفاء النجار : بنت سرقت طول أخيها ـ دار ميريت ـ 2004 .

8 ـ رولان بارت : مدخل إلى التحليل البنيوي للقصص ـ ترجمة د. منذر العياشي، مركز الإنماء الحضاري، الطبعة الأولى 1993م.

9 ـ سيد الوكيل : أفضية الذات : الهيئة العامة لقصور الثقافة ، آفاق نقدية ـ
القاهرة ـ 2006 .

10 ـ كلاريسا بنكولا : نساء يركضن مع الذئاب ـ ترجمة مصطفي محمود محمد ـ مكتبة الأسرة ـ القاهرة ـ 2005 .

11 ـ عبد الله البردوني : الأدب الشعبي، ص49

12 ـ عبد الله الغذامي : المرأة واللغة ـ ص 11

القسم الثاني من الدراسة

أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى