الخميس ١٨ أيار (مايو) ٢٠٠٠
أمينة المفتي الأردنية الشركسية
بقلم فريد الفالوجي

أشهر جاسوسة عربية للموساد - الحلقة الثامنة

أحبت يهوديا فباعت لأجله الدين والوطن

وجاء في ملف استجوابها أنه في يوم 12 أيلول "سبتمبر" 1975، الساعة الواحدة وخمس دقائق مساء، أُخضعت أمينة المفتي للتحقيق، وكان استجوابها برئاسة العقيد أبو الهول، وبإشراف القائد محمد داود عودة " أبو داود" كما يلي:

-  اسمك بالكامل. . ؟

-  أمينة داود محمد المفتي.

-  جنسيتك . . ؟

-  أردنية.

-  تاريخ ومحل ميلادك . . ؟

-  بكالوريوس علم النفس الطبي بجامعة فيينا عام 1963.
-  والدكتوراة . . ؟

-  مزورة . . فأنا لم أكمل دراساتي العليا.

-  أين ومتى تم تجنيدك في الموساد . . ؟

- أنا لم أجند . لكنهم هددوني في فيينا في شهر مايو 1972.

-  كيف . ؟ نريد كل التفاصيل.

-  كنت أسعى للحصول على درجة الدكتوراة في فيينا. ولما فشلت في ذلك تزوجت بطيار نمساوي يهودي اسمه موشيه بيراد، هو في الأصل الشقيق الأكبر لصديقتي النمساوية سارة، وكنا قد ارتبطنا معاً بعلاقة حب.

-  تتزوجين من يهودي وأنت المسلمة . . ؟

-  كانت ظروفي النفسية سيئة وتزوجته بإلحاح منه، ولم أكن أعلم أن ذلك حراماً لأنني غير متدينة.

-  ألم تشكين في نواياه وهو يلح في الزواج منك . . ؟

-  لا . . مطلقاً . . فهو كان يحبني جداً ويسعى لإسعادي .

-  هل يعرف أهلك في الأردن بقصة زواجك من يهودي . . ؟

-  لا . . فقد عارضوني بشدة عندما أخبرتهم برغبتي في الزواج من نمساوي. وكنت قد كذبت عليهم وادعيت بأنه مسلم من جذور تركية. لذلك . . هربت مع موشيه الى إسرائيل خوفاً من أن تطاردني أسرتي.

-  وما هي قصة هروبكما هذه . . ؟

-  جائني موشيه ذات يوم - وكنا نعيش في وستندورف قبلما ننتقل الى فيينا – وبيده إحدى الصحف المحلية، وقال لي توجد بالصفحة التاسعة حكاية غريبة عن طبيب إيطالي، يغتصب مريضاته في حجرة العمليات بعد تخديرهن. ولما قرأت الصفحة لفت انتباهي إعلان بارز الى جوارها مباشرة، كان عن طلب طيارين عسكريين أوروبيين من اليهود للهجرة الى إسرائيل. وكانت المزايا المقدمة متعددة جداً ومثيرة، فتكلمت مع موشيه وناقشت الأمر معه لكنني فوجئت به لا يكترث. فغضبت منه لأنه يعرف مدى خوفي من مطاردات أهلي لي، وحالات التوتر التي لا تكف عن إرهاق أعصابي ليل نهار، وكلما وجدته كذلك ازدتت إلحاحاً في مناقشة الفكرة معه، فقبلها بوقت ليس طويل كان قد حدثني عن رغبته في العمل كطيار مدني بإحدى الشركات الكبرى.

وبعدها بأيام انتقلنا الى شقتنا الجديدة بفيينا، إلا أنني كنت لازلت غاضبة ومكتئبة وخائفة. وكثيراً ما صحوت من نومي هلوعة مضطربة، وأجدني لا أهدأ إلا بعدما أبكي بحرقة، فكان حالي يؤرقه ويضايقه. ولما وافق على مناقشة فكرة الهجرة لإسرائيل، سألني عن قناعتي فأجبته بأن إسرائيل هي المكان الوحيد الذي سأحس فيه بالأمان لأن أهلي لن يتوصلوا الي. فقال إنه يخشى أن يرفضوا طلب الهجرة لأنني مسلمة . . وأردنية، فقلت له وكيف نضمن الموافقة؟

فقال بأن تتهودي . . ولما وافقت اصطحبني الى معبد شيمودت حيث تم تعميدي وأصبحت يهودية.

قد استدل عليه

-  هل كنت تكرهين كونك عربية . ؟

-  كنت أكره مظاهر التخلف في بلادي.

-  هل عدم اكتراث موشيه بالإعلان الذي جاء بالصحيفة يوحي لك بشيء الآن. . ؟

-  ربما كان يدفعني لأن ألح أكثر فأكثر . . أو أنه كان يرغب العمل كطيار مدني .

-  هل موشيه كان يهودياً متديناً . . ؟ وهل كان يحب إسرائيل. . ؟

-  لا . . لم يكن متديناً. فنادراً ما كان يذهب الى المعبد. لكنه كان يحب إسرائيل ويفتخر بتلطف بتفوقها وتقدمها.

-  وسارة . . ؟

-  كانت مجنونة بإسرائيل، وتصطاف بها كل عام.

-  هل استدعتك جهات أمنية في فيينا قبل هجرتكما لإسرائيل . . ؟

-  لا .

-  وهل حدث ذلك في إسرائيل . . ؟
-  نعم . اصطحبني ضابطان الى جهة أمنية لا أعرفها في تل أبيب.

-  ماذا حدث معك هناك . . ؟

-  برروا لي حروبهم مع العرب، وأنهم يدافعون عن وطنهم ولا يبغون عدواناً على أحد، وأنهم يسعون الى السلام.

-  هل اقتنعت . . ؟

-  كنت أقول لهم ذلك . . لكنني لم أكن مقتنعة بما يقولون. "كانت تكذب . . فهي نسيت عروبتها وتحولت الى يهودية قلباً وقالباً . . ".

-  كم مرة استدعيت لمكتب الأمن . . ؟

-  مرة واحدة . . لكن ضابطاً اسمه أبو يعقوب كان يزورنا دائماً ويجلس معي كثيراً ليؤكد تبريراته.

-  ما هو اسمك الرسمي في أوارقك الإسرائيلية . . ؟

-  آني . . آني موشيه بيراد.

-  متى خبرت بسقوط طائرة زوجك موشيه بيراد . . ؟

-  في 11 أبريل 1972.

-  من أخبرك . . ؟

-  أبو يعقوب.

-  هل قال لك أنه مات . . ؟

-  لا . . أخبرني أن السوريين أسقطوا طائرته، ولم يعلنوا بعد عن أسره، بما يعني أنه ربما هرب.

-  هل طلبوا منك التوجه الى سوريا ولبنان للبحث عنه . . ؟

-  ليس صراحة . . لكنهم أوحوا إلي أنه ربما التجأ الى أحد الكهوف الجبلية بسوريا في انتظار النجدة، أو أن إحدى المنظمات الفلسطينية المنشقة عن منظمة التحرير تحتفظ به سراً للمساومة عليه. ولما أنبأوني بأنهم يبحثون عمن يتقصى أخباره، طلبت منهم أن أقوم بنفسي بالمهمة، وعلى ذلك سمحوا لي بمغادرة تل أبيب الى فيينا بجواز سفري الإسرائيلي، والسفر الى بيروت من هناك كأردنية.

-  هل دربت على كيفية تقصي المعلومات للبحث عن زوجك . . ؟

-  لا . . هم فقط طلبوا مني الاحتراس والحذر.

-  وكيف جندت بعد ذلك . . ؟

-  أنا لم أجند . . فقد استدعوني الى فيينا وتقابلت مع ثلاثة إسرائيليين من جهاز المخابرات، أقنعوني بأنهم جاءوا لتسهيل إجراءات إرث زوجي والتعويض الذي تقرر له.

-  صرف تعويض يعني أنه مات بالفعل. فعلام كان سفرك إذن لبيروت . . ؟

-  لم أكن أعرف ذلك بالضبط . لكنهم نصحوني بتقصي أخبار المنظمات الفلسطينية في بيروت فقد أستدل عليه.

-  تستدلين عليه في بيروت أم في دمشق . . ؟

-  من خلال المنظمات الفلسطينية في بيروت.

ضمانات الولاء

-  وكيف تدربت للقيام بتلك المهمة. . ؟

-  لمدة شهر وأربعة أيام في فيينا علموني كيف أكتب الرسائل بالحبر السري، وأظهر الرسائل الواردة الي منهم، وأساليب التشفير والتصوير، وتلقط الأخبار والالتزام بالحس الأمني، وتحميض الأفلام والهرب من المراقبة، والتمييز بين الأسلحة وأساليب إثارة المتحدث ليفشي أسراره. واستقدموا لي من إسرائيل أحد الضباط المتخصصين في تقوية الذاكرة وتخزين المعلومات والأرقام والأسماء والصور "الاعتراف بالتجسس واضح جداً هنا . . ".

-  إذن كان المطلوب منك تقصي أخبار الفلسطينيين وليس تقصي أخبار زوجك . . ؟

-  تقصي أخبار الفلسطينيين بغرض تسقط المعلومات منهم عن موشيه. "وهنا كانت تحاول المراوغة".

-  هل حددوا لك مهام بعينها . . ؟

-  نعم . . طلبوا مني التحري عن مقار إقامة القادة الفلسطينيين، والتغلغل داخل رجال المقاومة لمعرفة أخبارهم.

-  ماذا كانوا يريدون بالضبط . . ؟

-  كانوا يريدون معرفة الطريق التي يسلكها الفدائيون للتسلل الى إسرائيل، وأعدادهم، وتدريبهم، وأسلحتهم، ومواعيد هجماتهم المرتقبة، وكذلك مخازن الأسلحة والإعاشة.

-  قلت إنهم هددوك في فيينا في مايو 1972 . . كيف . . ؟

-  قال لي أحدهم إنني الآن وحيدة لا حول لي، وأن المخابرات الأردنية تسعى ورائي، ولأنني أصبحت يهودية ومواطنة إسرائيلية، فهم سيعملون على حمايتي مهما كلفهم الأمر. فكان المطلوب مني أن أستغل هويتي الأردنية للسفر الى بيروت حيث لن يشك الفلسطينيون بي.

-  فوافقت على التعامل معهم من أجل حمايتك أم لإنهاء موضوع الإرث والتعويض . . ؟

-  من أجل حمايتي . . فقد كنت خائفة من المخابرات الأردنية. "!!"

-  لذلك تسلمت أربعة آلاف دولار فقط من الموساد وتنفقين من جيبك كل تلك المدة . .؟

-  . . . . . (!!).

-  أين تدربت على استعمال اللاسلكي . . ؟

-  في تل أبيب.

-  متى . . ؟

-  في الفترة من 20 سبتمبر الى 3 أكتوبر 1973.

-  من قام على تدريبك . . ؟

-  ضابط مهندس اسمه يوسف بن بورات.

-  هل 13 يوماً تكفي لتدريبك على استعمال اللاسلكي . . ؟

-  كان الجهاز تقنياً متقدماً جداً . . وبسيط في طريقة بثه وإرساله.

-  ما سر صفحات المصحف الناقصة . . ؟

-  كانت توجد مكانها أوراق الشفرة.

-  كيف تعرفت بمارون ومانويل . . ؟

-  عرفتني عليهما خديجة زهران.

-  وكيف جندت الثلاثة لمعاونتك . . ؟

-  تعرفت أولاً بمانويل ثم جائني بمارون بعد ذلك . .

-  هل مارسا الجنس معك . . ؟

-  نعم . . وكان ذلك قبل أن يعملا معي.

-  هل نصحك ضباط الموساد بذلك . . ؟

 لا . . فعلت ذلك لأضمن ولاءهما لي.

-  هل خديجة زهران شريكة لك منذ البداية . . ؟

-  لا . . لم تكن تعرف بمهمتي إلا منذ فترة وجيزة. لكنها ساعدتني قبل ذلك عن غير قصد.

-  كم أنفقت على شركائك الثلاثة من أموال . . ؟

-  لا أدري كم بالضبط. لكن مارون تسلم مني ما يزيد عن الثلاثة آلاف ليرة قبلما ينضم لي.

-  تقصدين قبل أن يكتشف أنه يعمل لصالح الموساد. وماذا قدم لك مارون . . ؟

-  عرفني بـ علي حسن سلامة، وجاءني بأرقام التليفونات السرية للزعماء الفلسطينيين.

-  ومانويل . . ؟
-  كان يشاركه . وكان مارون مسؤولاً عنه.

-  وما دور خديجة معك . . ؟

-  كانت تمدني ببعض المعلومات التي تجلبها من زوجات الضباط الفلسطينيين من المترددات على محلها.

امرأة بلا وطن

-  هل طلب منك رجال الموساد اغتياله . . ؟

-  لا . . مطلقاً. لم يطلبوا مني ذلك . لكنهم أمروني أن أوطد علاقتي به وأقوم بتصويره.

-  وهل فعلت ذلك . . ؟

-  نعم . . فهم كانوا يجهلون ملامحه وكانوا يلحون في ذلك.

-  كم تقاضى منك أبو ناصر . . ؟

-  أبو ناصر . . ؟ إنه لا يعرف أي شيء. كنا أصدقاء فقط.

-  هل مارس معك الجنس . . ؟

-  ثلاث مرات فقط ثم اختفى وعلمت بعد ذلك أنه سافر للعمل في قبرص.

-  من هم الأجانب الخمسة الذين ضاجعتهم . . ؟

-  إنهم رجال من جنسيات مختلفة يعملون للموساد، وكانوا يجيئون إلي ليتسلموا الأفلام والخرائط التي بحوزتي.

-  هل تدلينا عليهم . . ؟

-  أنا لا أعرف أسمائهم الحقيقية، فهم يتعاملون معي بأسماء حركية، ويتصلون بي دون أن أعرف مكانهم.

-  وأين كانت تتم لقاءاتكم الجنسية . . ؟

-  في شقتي ببيروت.
-  هل بينهم عرب . . ؟

-  مغربي قال لي إن اسمه عازار وكان يعيش في تطوان.

-  هل زرعت أجهزة تنصت بمكتب ياسر عرفات . . ؟

-  كانوا يفكرون في ذلك عندما كنت بإسرائيل . . لكنني لم أفعل.

-  ما الدور الذي قمت به لمحاولة اغتيال القائد أبو إياد في أكتوبر 1973؟

-  أبلغت الموساد عن الموقع العسكري الذي كان يتفقده، وقد كنت أحمل يومئذ جهاز اللاسلكي بحقيبتي، وأتابع عن قرب الطائرات الإسرائيلية وهي تضرب الموقع. "أجهشت بالبكاء" سيدي أبو الهول . . كنت لم أزل بعد غبية حمقاء، أجرمت في حق وطني وعروبتي . . وديني. وارتكبت أفظع الجرائم لأنني كنت مهددة . . شريرة لا وطن لي. لقد صدقتهم وآمنت بما كانوا يقولونه دون أن أحترز أو أفكر . . وأتحسس الطريق الصواب، ولم يكن أمامي سوى الانصياع لأوامرهم خوفاً على حياتي. فهم زرعوا الخوف بداخلي من المخابرات الاردنية . . لا . . بل ومن أجهزة المخابرات العربية كلها التي تطاردني لتغتالني، ولم يكن لي مأوى سوى في إسرائيل. هكذا أوهموني وأخافوني . . وكنت مغيبة الوعي لا أدري أين هي الحقيقة، أو لأي طريق أقاد.

سيدي . . لقد كنت أمدهم بالمعلومات ليس حباً في إسرائيل أو كراهية بالعرب، بل لأجل أن أضمن وطناً يأويني ويحميني، بعدما ضيعت نفسي بغبائي . . ووقعت أسيرة مؤامرة أحبكت إسرائيل حولي شباكها بمساعدة سارة وموشيه. "أمينة هنا تحاول كسب عطف المحقق ليس إلا".

. . كان هذا ملخصاً شديداً ومختاراً لملف استجواب أمينة المفتي، الذي احتوى على اعترافات تفصيلية بعملياتها في بيروت، وبأسماء رؤسائها في الموساد، ودور كل منهم في إعدادها وتوجيهها، وكذلك عن دور أعضاء شبكتها المحليين الثلاثة الذين عاونوها في مهمتها التجسسية. حيث انتهى التحقيق المبدئي معها الذي استمر ستة عشرة ساعة متواصلة، قبل انتهاء المهلة المتفق عليها بين أبو إياد ووزير الداخلية اللبناني بواحد وعشرون ساعة.

وفي صفحة منفصلة بمستهل الملف كتب العقيد أبو الهول : "الجاسوسة أمينة المفتي أُخضعت تماماً لسيطرة كاملة وقانعة بوجود زوجها موشيه حياً، وأنه أقدم على خداعها قصداً خمة للموساد".

لسعة

الخوف

حمل العقيد أبو الهول ملف استجواب أمينة المفتي الى قائده أبو داود، الذي خطط بمهارة للإيقاع بها، وبدوره وضع الملف الساخن أمام ياسر عرفات ومساعده الأول أبو إياد لتقرير مصيرها . . امتعض أبو إياد أسفاً وقال:

-  يا لها من امرأة شريرة، لم تكتف بما فعلتهبنا فأرادت قتلى.

وربت على كتف رئيس مخابراته – علي حسن سلامة – وهو يقول:

-  نشكر الله على أنك وفقت في كشفها، فوجود حية كهذه بيننا كان سيكلفنا الكثير.

أما ياسر عرفات – أبو عمار – فقد علق قائلاً:

لن تكف إسرائيل عن زرع الخونة بين صفوفنا، فلا تأمنوا كل متطوع وافد، ولا تغرنكم حماسة الغرباء ، وقبل أن يشرق صباح الثالث عشر من سبتمبر 1975، كانت هناك ثلاث سيارات إسعاف تخترق شوارع بيروت، بداخل كل منها خمسة مسلحين أشداء من رجال المخابرات الفلسطينية – رصد – في مهمة جد خطيرة. تتجه السيارة الأولى الى شارع الخرطوم حيث يقيم مارون الحايك، وتتجه الثانية الى شارع أرواد عند سوق الطويلة حيث مانويل عساف أما الثالثة فكانت تقصد منطقة باب إدريس لاعتقال خديجة زهران. لقد استقل المسلحون الخمسة عشر سيارات الإسعاف بغية إتمام مهامهم بسلام، في وقت كانت فيه بيروت أشبه بساحة حرب شاسعة، تشتعل بنيران الفتنة الطائفية كل بقعة فيها، إذ تحولت بيروت من الحب الى الحرب، وصار وطن الجميع مذبح الجميع. وامتلأ وجه المدينة الجميلة بالندوب والتشوهات والجماعات المسلحة، التي بلغ عددها ما يزيد عن 39 تنظيماً. ففي بيروت الشرقية يتواجد الكتائب، ونمور الأحرار، وحراس الأرز، والطاشناق، والمردة. . الخ

وفي بيروت الغربية هناك المرابطون، ونسور الثورة، وحركة التحرير، وحركة صلاح الدين ، و . . طابور طويل من القبضايات المسلحة. لقد بدا أن التعايش الطائفي لم يكن سوى نزاع مستمر وتراكم خفي للأحقاد، انفجر بشكل مذهل، وجرى التسابق بين الطوائف من أجل السيطرة السياسية للعائلات الروحية. واستمر الخلط بين السياسة والدين في ذهنية الفرد والجماعة، وتحولت لبنان الى مارونية عند الموارنة، وشيعية عند الشيعة، وسنية عند السنة، ودرزية عند الدروز، وحتى آخر طائفة صغيرة في لبنان. أما الفلسطينيون . . فقد ظلوا بعيداً عن رحى الحرب الأهلية، وتشغلهم المقاومة المسلحة ضد العدو الصهيوني، وتنظيم صفوفهم من أجل استمرار الكفاح، والبحث عن خونة استباحوا أسرارهم وباعوها لليهود.

وعندما وصلت السيارة الأولى لمنزل خديجة زهران، كانت هناك مفاجأة مدهشة تنتظر الرجال الخمسة، إذ عثروا عندها على مانويل عساف عارياً في فراشها، لم ينتبه لصوت فتح الباب بخفة ووقوفهم على رأسه، بينما كانت سيدة البيت في الحمام، شغلها انسكاب الماء المنهمر على جسدها في البانيو عن معرفة ما يدور وراء الباب. لقد انهار مانويل لمرأى الرجال الخمسة، وأدرك في الحال ما جاءوا لأجله، أما خديحة فقد صرخت عندما فوجئت بأربعة منهم يسحبونها من حمامها الدافئ، ويسترون الجسد العاري بشال أحدهم. ويأمرونها بارتداء ملابسها على عجل. انتهز مانويل عساف انشغال الأربعة، وعرقل زميلهم الخامس وجرى مسرعاً الى شباك الغرفة، وقبل أن يتمكن من الإمساك به قذف بنفسه من الطابق الخامس.

ووجد بجوار المنزل منكفئاً على بطنه، يرتدي روباً أحمر بلا أزرار . . وجورباً قطنياً (!!) هكذا نأى بنفسه عن المصير الذي كان ينتظره . أما رفيقة مارون الحايك فقد استسلم خائراً وهو يرتجف رعباً وهلعاً، واقتيد مع خديجة زهران الى الجنوب بعيداً عن الحرب الأهلية، حيث الجوع والعطش . . وصراخات الخوف والندم بكهف السعرانة الموحش . . الرهيب.

عالم

غريب . . غريب

انكمشت أمينة المفتي في ذعر عندما علق رفيقاها في الخيانة – مارون وخديجة – بسقف الكهف على مقربة منها، تنهال على جسديهما الكرابيج كالمطر، فيملأ صراخهما جوف الكهف، ويتموج صداه في تداخل يصم الآذان. لقد كان تعذيبهما بشدة أمراً حتمياً لقتل إرادتيهما، وللنأي بهما عن الكذب والمراوغة عند الاستجواب. فالمطلوب منهما هو الإفصاح عما نقلاه الى أمينة من معلومات، والاعتراف على آخرين تعاونوا معهما. سواء أكان ذلك عفوياً، أم بنية القصد والتعامل بأجر. أما أمينة التي تهتك جسدها بفعل التعذيب، فقد رأى القائد أبو داود حرمانها من النوم والطعام، ومنحها قطرات قليلة من الماء تبلل بها حلقومها المتشقق، لتعترف خلال الاستجواب الثاني المفصل، بكل ما نفته من أسرار ومعلومات الى الموساد، ليتمكن الفلسطينيون من تعديل خططهم واستراتيجيتهم على ضوء ما تم نقله للإسرائيليين، وكذا . . تحليل نوايا العدو ومقاصده. فالمتعارف عليه أن أجهزة المخابرات في العالم أجمع، تعيد استجواب الخونة والمنشقين مرات ومرات، دون الاكتفاء بمرة واحدة، إذ إن القصد من ذلك عصر العملاء وتفريغ ما بعقولهم، اعتماداً على الإرهاق البدني والمعنوي. فالاستجواب المتكرر يميط اللثام عن الكثير من الأسرار والخبايا، ويظهر صدق الاعتراف من عدمه بتكرار الإجابات نفسها. فالعقل البشري مهما لقن من معلومات مكذوبة لن يستطيع ترديده مرات ومرات دون خطأ، لكن هناك حالات شاذة جداً لجواسيس استطاعوا التماسك، والإصرار على صدق ما ادعوه حتى النهاية.

أشهرهم على الإطلاق جاسوس الموساد في القاهرة "وولفجانج لوتز" الذي اعتقل عام 1965 هو وزوجته وأخضع لتعذيب مكثف بما فيه حرمانه من الإحساس وبلوغه حد الجنون، لكنه صمد وأصر على القول إنه ألماني، ولم تتكتشف حقيقته إلا بعدما عرضت إسرائيل مبادلته بأسرى مصريين عام 1967.

لقد كان من المهم إعادة استجواب أمينة المفتي، خاصة بعد إخضاع اعترافات مارون الحايك وخديجة زهران للتحليل الدقيق. فهي عميلة من نوع خاص، درست علم النفس وقرأت في فروع الفلسفة، بل وعشقت السوفسطائية ومحاورات سقراط التي كتبها أفلاطون، وتحفظ مقاطع كاملة من محاوره أقريطون، وضبطت لديها كتب لسارتر، وديكارت، وفريدريك نيتشه وآخرين غيرهم . . فكانت قراءاتها التي هي مزيج من الثقافات والاتجاهات، أداة طيعة للدفاع والتماسك وانتقاء الألفاظ. لكن "أبو داود" الذي استعد لها جيداً، لم يكن ليصدق أبداً بعد ذلك، أن عميلة الموساد المدربة، والأكثر ثقافة وقدرة على الإقناع والمحاورة، استحضرت كل ما بجعبتها، وقذفت به أمامه دفعة واحدة، دون أن تدخر وسعاً لإخفاء أي شيء ولو كان تافهاً. ذلك لأنه أجاد بدراسته لشخصيتها، واختياره للأسلوب الأمثل هو ورجاله في التعامل معها، ألا وهو أسلوب الاقتناص الذي يعرف في عالم المخابرات بالمباغتة، ويعتمد على دراسة علم الأسباب اعتماداً كلياً وهذا المنحى في خطط استجواب الخونة الذي اتبعه أبو داود ورجاله في المخابرات الفلسطينية، يدل دلالة قوية على عمق وعي رجال مخابراتنا العربية، وقدرتهم الفائقة على استغلال العلوم النفسية المعقدة في عملهم الشاق، للتعامل مع شتى أنواع الخونة، والعملاء المهرة الذين تدربوا في أكاديمية الموساد. وبينما كانت خديجة زهران تدلي باعترافاتها، تفجرت مفاجأة عجيبة أدهشت ضباط رصد، عندما وقفوا على سر سقوطها في شبكة أمينة التجسسية.

أحبت يهوديا فباعت لأجله الدين والوطن

أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى