الثلاثاء ١٤ شباط (فبراير) ٢٠٠٦
بقلم وليد سعيد البياتي

الاسلام وانهيار الفكر القومي

النزعة القبلية وانحطاط القيم

منذ البدء طرح الفكر الاسلامي رؤيا شمولية لعلاقة الشريعة بالانسان متجاوزا الفكر الضيق للشكل القبلي في ترسيم تلك العلاقة، وهو في هذه الحالة يمثل انفتاحا لامتناهيا على الوجود فيصبح من المجحف حصره في قوالب ضيقة، ففي الوقت الذي تبنى فيه المجتمع القبلي مفاهيما وقيما تنحصر في حدود الافراد، والجماعات التي تتحرك في رقعة جغرافية محددة، جاء الاسلام ليقدم مفاهيما تتجاوب مع تطلعات الانسان نحو المستقبل، وتفسر علاقاته مع الوجود اللامتناهي وهو يطرح هذا التفسير الكلي في ضوء قانون السنن الالهية المستوعبة لحركة التاريخ، بأعتبار ان هذه السنن تجسد ارادة الله، وهي في الوقت نفسه تقدم الانسان كصانع للتاريخ من خلال القيم الاخلاقية والدينية التي دعت اليها الشريعة. ومن هنا يتجاوز الانسان مفهوم التبعية للمكان، ولجماعة بشرية محددة، باعتبار كونية المشروع الحضاري الذي دعت اليه الشريعة السماوية، وهكذا نجد ذلك التناقض الحاد بين النزعة القبلية التي دعت اليها مدرسة الخلافة، والتي سعت الى تكريس مكاسب زعامات وهمية اكتسبت قوتها من قيم منحطة سادت في العصرالجاهلي ثم رفضت التخلي عنها، وبين النظرة المستقبلية للفكر الاسلامي والذي دعا الى كونية الامة الاسلامية من خلال شمولية الشريعة التي رتبت علاقات الانسان بالوجود.

يطرح الاسلام فكرة الانسان الخليفة باعتباره مجسدا لارادة الله على الارض، وحيث ان الارادة الالهية تتصف بالشمولية، فان حركة الانسان عبر التاريخ تستوعب الزمان والمكان مما يكشف تهافت فكرة حصر الموقف في دائرة الجماعة، او الرقعة الجغرافية المحددة، وإذا كان الاتجاه القبلي الذي أولد الفكر القومي قد تمكن في مرحلة من مراحل الصراع ان يفرض مفاهيم الولاء للقبيلة وللعرق، او الخضوع لارادة اصحاب السلطة والمال متجاهلا حركة المجتمع نحو التطور، فان الفكر الاسلامي جاء على النقيض عبر طرح مفاهيم اوسع، وتبني قيما أعلى لتسمو بالانسان باعتباره خليفة، ومحققا لارادة الله، ولتحقيق كل ذلك جعل الخالق معايير تتجاوز في مفاهيمها الاعتبارات القبلية الضيقة فقال سبحانه: (ياايها الناس إنا خلقناكم من ذكر و أنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا ان اكرمكم عند الله اتقاكم إن الله عليم خبير) الحجرات/13، فهنا يصبح المعيار هو التقوى وليس الولاء القبلي أو الغنى والسطوة. والقران يقدم الاسلام كأمة تنضوي تحت لوائها كل الاعراق لتنصهر كلها في بوتقة العقيدة الاسلامية: (كنتم خير امة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله..) آل عمران/110، ما يقدم وصفا اسلاميا لمفهوم الامة خارج حدود الجزئية.

الفكر القومي وانهيار الحضارات

لقد سعى الفكر القومي الى تحجيم الاسلام من خلال علاقة نظرية القومية العربية بالفكرالاسلامي باعتبارها علاقة متلازمة لايمكن فصلها والا ينهار البناء ككل، وهنا يقصد به الفكر الاسلامي، وقد شوهت هذه الاتجاهات الاسلام فكرا وعقيدة، وأضرت بعملية التطور التي سعت اليها الشريعة الاسلامية برؤيتها الكونية، وادت الى تحديد وتحجيم الفكر الاسلامي بربطه بالأتجاه القومي والذي سيؤدي بالتالي الى عزلة المجتمع الاسلامي في رقعة جغرافية ضيقة، وحصر هذه العقيدة الشمولية بجماعة بشرية محددة وبالتالي سيؤول الحال الى ما آل اليه حال بني اسرائيل الذين اخضعوا كل شي لاتجاههم الفكري القومي، وصاغوا تفسيرهم للشريعة بما يتناسب والفكر اليهودي القومي وبذلك افرغوا الشريعة من مفهومها العام، وهذا ما يسعى اليه اصحاب الفكر القومي العربي من اضعاف الفكر الاسلامي عبر الصياغات القومية الضيقة، وطرح مفاهيم لا تتفق ومعايير الشريعة الاسلامية الشمولية، فالفكر القومي يفسر الامة اعتمادا على العرق، بينما ينفتح الفكر الاسلامي على الكل ليقدم تفسيرا اعمق واكثر شمولية لمفهوم الامة من خلال حركة التاريخ باعتبارها (خير أمة اخرجت للناس) تسعى في حركتها نحو الكونية، ولا تتقيد بالعرقية الضيقة، والاسلام يقدم الامة باعتبارها مشروعا مستقبليا يتجاوز محدودية الموقف القبلي.

في مرحلة الصراع الاستعماري حاول الفكر الغربي، ومن تمثل به من اصحاب الحداثة، ثم العلمانية واخيرا العولمة، تجريد الامة الاسلامية من هويتها الفكرية، وبالتالي احباط المشروع الحضاري الذي سيتكامل بظهور الامام الحجة (المهدي المنتظر) عجل الله فرجة الشريف، عن طريق ايجاد قطيعة بين الامة الاسلامية والعقيدة، عبر طروحات الاسلام القومي، مكرسين فكرة قومية الاسلام، وبالتالي افراغه من الشكل الشمولي وبخاصة بعد ثبات الفكر الاسلامي امام متغيرات الحياة، واستيعابه التام لكل النظريات والطروحات والتي نقضها من خلال صموده امام افكار نظرية التحدي والاستجابة، وقد حاول النظام الدولي اجهاض المشروع الحضاري للامة الاسلامية عبر محاولة اشغالها بالصراعات القومية وبخاصة بعد نجاح الثورة الاسلامية في ايران، التي قدمت أنموذجا حيا لما يمكن ان تحققة العقيدة الاسلامية في انفتاحها وتحررها من القيود، وان كان ماحققته الجمهورية الاسلامية هو اقل من مستوى الطموح الا انه كان كافيا لاثارة الرعب في نفوس اصحاب النظرية المادية، واتباع المدرسة القومية.

تكشف لنا حركة التاريخ ما آلت اليه المؤسسات التي بنيت وفق الاتجاه القومي، فالدويلة اليهودية التي فسرت العقيدة من خلال المفاهيم القومية حتى افرغتها من محتواها الحقيقي لاتمتلك مقومات الدولة الحقيقية، كما انها لاتمتلك عناصر الاستمرار ولهذا تعتمد القوة العسكرية في استمرار وجودها الذي اصبح مرهونا بقبول العالم الغربي لها بعد ظهور طروحات تدعو الى الخلاص منها للحفاظ على الامن الدولي، وفي الاتجاه نفسه تحركت الدولة النازية بتبنيها لمفاهيم القومية الالمانية فلاقت هزيمتها في الحرب الثانية، وفشلت في طرح الانموذج المثالي الذي سعت اليه عبر العنصر الالماني النازي، وفي العراق كما في بقية الدول العربية تخلى اتباع النهج القومي عن العقيدة الاسلامية لصالح قوميتهم الضيقة، وحتى في حالات تبنيهم لافكار اسلامية تحقيقا لاغراضهم فقد اظهر التاريخ فشلهم الذريع لانهم واجهوا مشكلة اساسية اما الابقاء على الفكر الاسلامي والذي يرفض الاتجاه القومي الضيق، او التخلي عن طموحاتهم القومية لصالح الاسلام، فاختاروا الاتجاه القومي وناصبوا الفكر الاسلامي الاصيل (مذهب اهل البيت عليهم السلام) العداء، مما اسفر عن صراع عنيف حاولت السلطات المتبنية للاتجاه القومي من خلاله تحطيم الفكر الاسلامي المتمثل في المرجعية وقياداتها.

لقد فشل الاتجاه القومي في تاسيس دولة تمتلك مقومات الاستمرار، بل انه لم يقدم مشروعا حضاريا يضع الانسان على المسار الصحيح، على العكس من ذلك كان المشروع الحضاري الاسلامي المتسم بالشمولية ينفتح على المستقبل وهو لا يعتمد اطلاقا على ردود الافعال بل يتبنى منهجا خلاقا يمتلك مقومات حضارية تستمد اصالتها من اصالة العقيدة الالهية، ويقف خارج مفاهيم الصراع الضيق بين الانتاج والاستهلاك بعد ان جعل للامة قيمة عليا باعتبارها تمتلك مقومات الاستمرارية في تطلعها المشروع نحو المستقبل.


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى