الاثنين ٢١ أيار (مايو) ٢٠٠٧
بقلم جعفر حسن

البداوة؟

البداوة تقف على النقيض من الحضارة، إذ تفترض البداوة عدم الاستقرار، والترحال طلبا للماء والكلأ، وارتباطا بأطراف الصحراء، وهي حالة بدائية للإنسان يقوم فيها باستهلاك الخيرات التي تنتجها الطبيعة عن طريق الرعي أو ما بات يعرف في الأدبيات الاجتماعية بالحالة (الرعوية)، ترتبط تلك الحالة بقلة فاعلية الإنسان في البيئة ومحدودة التأثير نسبيا، فالحالة الرعوية تقوم على استثمار المعرفة المتداولة من اجل استمرار القطعان التي ترعاها القبيلة البدوية، وتنمية مواردها من خلال التكاثر الطبيعي لقطعان الماشية التي تفوق تكاثر الإنسان، وعبر نشاطات الصيد المتعددة، ضمن أفق معرفي قادر على حل المشكلات اليومية للحياة في أفق الصحراء، معززا بنظام قيمي يحاول تجاوز محل الصحراء، ولازالت بعض القبائل البدوية تتجول في إطراف شبه الجيرة، وعلى امتدد حواف الصحراء الكبرى رغم وجود الحدود الدولية التي لا تعترف بها القبائل العربية في البادية.

وتتميز البداوة بنظام ثابت من الأعراف والتقاليد، تلك التي تهتم تماما بتثبيت النظام التراتبي داخل العشيرة الممتدة، وتعتمد على تبجيل الخبرة عبر الحالة العمرية، وهي من تجليات كلمة (الشيخ)، ولكنها ارتبطت فيما بعد بحجم الثروة الموزعة عند أفراد القبيلة، وتعتمد نظاما قضائيا يقوم على حنكة شيوخ العشيرة الذين يعتبرون حراس العادات والتقاليد، ولبعض القبائل الممتدة مجلس قبلي (الشيوخ) يقوم بفض النزاعات ويرأسه شيخ الشيوخ، ولعل ذلك تعبير عن أن النظام وأعرافه قد تغيرت عبر الزمن، فتعدد الشيوخ للقبيلة يرتبط ارتباطا وثيقا بالنظام الإقطاعي، فحيث كانت تقاليد الغزو تعتبر ضمن ممارسة الصيد عند القبائل العربية في العصر الجاهلي، يكاد يستحيل على أفراد القبيلة القيام به في الوقت الراهن كنتيجة طبيعية لوجود الدولة، ولكن يمكن لمس حالات متعددة من قطع الطريق، ونلاحظ انتشار السلاح بين البدو، نتيجة للعلاقات المتميزة بين الدولة وتلك القبائل التي تعتمد عليها السلطة، ولعل اكبر تجليات تلك العلاقة، ظاهرة ما بات يعرف (بالفداوية).

تفترض البداوة التنقل الدائم وبالتالي عدم الارتباط بالسكن الثابت، وكنتيجة للتنقل تكون الأدوات المستخدمة في حل مشكلات الحياة اليومية قليلة وخفيفة الوزن، كما تشيع أنواع من السكن تحددها الأكواخ المقامة بالطين إلى استخدم الخيام المصنوعة من الوبر وغيرها من الأقمشة التي كانت تصنعها نساء القبيلة، على اعتبار الاكتفاء الذاتي للبداوة، ولكننا نشهد اليوم اختراق السلع المنتجة من الشرق لهذه المنتجات، فحتى تلك الخاصية (الاعتماد الكلي على اقتصاد الرعي، وتبادل السلع مع المراكز الحضرية) قد اختفى من المجتمعات العربية التي تعتمد على الاقتصاد الريعي، وبذلك تغيرت أنماط حياة البداوة التي كانت تعتمد على القطعان، فصارت تلك القبائل تستخدم الوسائل الحديثة للنقل كالسيارات، وربما تعتمد على جلب الماء إلى المناطق الصحراوية في صهاريج مجهزة، كما تقوم بشراء الأعلاف من الدولة.

تعتبر التشكيلة الاجتماعية التي تتمظهر فيها حياة البداوة هي القبيلة، وهي تجمع للبشر على أساس أسطوري مغرقة في القدم، من علاقات نسب الدم القائمة على الهيمنة الذكورية على تلك العلاقات، وعادة ما تميل القبائل العربية القديمة التي تكونت قبل الجاهلية الأولى، إلى إرجاع أصلها المشترك إلى حيوانها المقدس (الطوطم) (عنزة، أسد، .. الخ)، ويمكننا رصد أسطورة يعرب، وابنيه (قحطان وعدنان) باعتبارها الأسطورة الأساس التي وضعت لتوحيد القبائل العربية المتصارعة، والتي تنقسم بين قبائل الشمال والجنوب، وقد وضعت تلك الأساطير في فترة التأصيل الأولى في الانتقال من الشفاهي إلى الكتابي بحركة التدوين المشهور، وظلت تلك الأساطير مقبولة وتدرس إلى فترات قريبة، كما يمكننا رصد أساطير مختلفة عن الأصل المشترك للعرب عبر أسطورة تهدم سد مأرب ودور طريفة الكاهنة في التنبؤ بما ستصيره القبائل العربية التي ستتفرق في الأرض.

ويمكننا من خلال رصد تاريخي تمييز القبائل العربية من حيث علاقاتها الاجتماعية عبر تحديد نوع الزواج، فيشيع في العادات القبلية الزواج المتعدد، ولكنه عادة ما يتبع مسارا واحدا من مسارين معروفين، فإما أن يكون الزواج من خارج القبيلة وهو ما يظهر من عادات تحولت نحو الزواج من أجنبيات، وإما أن يكون الزواج من داخل القبيلة، ولعلنا نلمس تلك العادة من خلال تسمية البنت لابن عمها.. الخ من العادات المتبعة، والتي تدعمها قصص التراث مثل عنتر وعبلة، قيس وليلى، وقصة زواج الخنساء ذات دلالة هنا.

تقاطعات البداوة والحضارة.

لم يتم إثبات وجود لحظة واحدة تاريخية كانت فيها القبائل العربية تعيش حالة البداوة بشكل مطلق، بل كانت البداوة دائما على أطراف المدنية (الحضارة)، كما يمكننا عبر سبر التاريخ العربي منذ الألف الثالث قبل الميلاد إدراك الانكسارات في حركة الحضارة (المدينة)، حيث كان التعبير المتحصل عن تلك الحضارة ما يسمى بدولة المدينة، وفي تلك اللحظات التاريخية المتمثلة بالانكسار، ظلت القبائل البدوية تحتفظ بالتقاليد الحضرية ضمن طبقات تاريخية في للغة، مما يؤهل المراكز الحضرية الانطلاق بعد تحركها مباشرة.

ويميل ابن خلدون إلى تصور علاقة دائرية بين البداوة والحضارة، حيث أن الحضارة تمر بدورة حتى الشيخوخة، التي عدد مظاهرها في مقدمته، وتصور عودة النهوض من خلال تشربها بالعصبية القبلية، التي تعطيها مجموعة من الصفات الدافعة والتي حددها في مقدمته أيضا، حيث أن البداوة تبقي مجموعة التقاليد حية في المجتمع القبلي.

متخيل البداوة

كثيرا ما يخلط الناس في كلامهم عن البداوة بينها وبين القبلية، والحقيقة أن القبلية نظام اجتماعي لتجمع البشر، والنظام القبلي لا يساوي البداوة مطلقا، فالقبلية ظاهرة اجتماعية شاملة للتكوين البشري قبل وأثناء الحضارة، حيث إننا نجد في المدن التاريخية العربية وغيرها أيضا، قبائل معروفة تسكن المدن (قريش في مكة، الأوس والخزرج في يثرب ..الخ)، وبالتالي كان النظام القبلي أكثر اتساعا وشمولا من البداوة.

لعلنا في التأمل العميق للحضارة باعتبارها حالة مضادة للبداوة، وهي أيضا بحكم التطور الحضاري حالة مضادة للقبلية، نجد أننا نعيش في المجتمع العربي قيم القبيلة، ولا نعيش قيم المجتمع الحضري الذي يتطلب حضور مؤسسات المجتمع المدني، ولنا أن نتأمل الحالة التي وصلت إليها المجتمعات العربية الحالية، فحيث ما استقر الناس حول الأنهار ونشأت المدن وتعمقت عبر التاريخ، تبدأ العلاقات الأسرية بالتقلص، فمن العائلة الممتدة جدا (القبيلة) إلى العائلة الممتدة، وصولا إلى ما يسمى بالعائلة النووية التي تختفي فيها الامتداد الواسعة للعلاقات الأسرية، وتعتمد على ارتباطها بالمواطنة للدولة، وكل مرحلة من تلك المراحل لها ارتباطها القوي بتطور مؤسسات الدولة التي تقوم مقام حاكمية العادات القبلية.

البداوة والدولة القطرية

ويبدو للمتأمل أن تلك العلاقات التي قامت في فترات تأسيس الدولة القطرية عندنا على خلل كبير في العلاقة بين السلطة والدولة، وبين الأنماط الاجتماعية الحضرية والعادات القبلية، فنجد أن السلطة تختطف الدولة التي تعتبر نظاما مدنيا وتهيمن عليها ضمن علاقات قبلية، فتصبح السلطة اكبر من الدولة وتدير الدولة لصالحها، بينما تعمق العادات القبلية في المجتمع المدني، وتتهتك العلاقات المبنية على أسس المجتمع المدني، فمن المفترض أن تذيب الدولة مكونات القبلية لصالح المواطنة، ولكن السلطة في المجتمعات العربية حريصة على إبقاء تلك العلاقات لتوظيفها لصالحها حين الحاجة، باعتبارها ممارسة للإبقاء مكونات المجتمع على حدود الانفجار، فنجد إلى جانب القبلية التي تتحزب ضد قبائل أخرى أو عوائل ممتدة ضد أخرى، نرى إلى صراعات طائفية واثنية ومناطقية...الخ، وتظل السلطة متحكمة في خيوط اللعبة مبقية إياها دائما على حدود الانفجار، وندرك كم تتدخل تلك العلاقات القبلية والاثنية والطائفية في المحاصصة السياسية في كثير من الدول العربية.

ويبدو أننا لم نلتفت إلى إننا نعيش كثيرا من العادات القبلية ضمن المجتمع المدني الحديث، فثلاثية الشيخ تخترق الأسرة والمناصب الدينية العليا ومراكز القرار في الدولة وكل له أتباعه، وليس الثأر من العادات المدنية ولكنه يمارس في الكثير من الأرياف، إذ من المفترض إن القانون هو الذي يقتص للحق العام في مجتمع الدولة، وليست عادات غسل العرض بالدم إلا عادة قبلية، وكذلك التراتبية الهيراركية في المجتمع ليست إلا تعبيرا عن العادات القبلية (تقبيل الأيدي واللحى والرؤوس.. الخ)، ولربما الفزعة، وغيرها من العادات التي لا زالت تتقلب بين جنبات المجتمع وتمنع بإصرار قيام المجتمع المدني ومؤسساته بأدوارها، وليست المكرمات إلا من العادات القبلية، يعتقد البعض إننا نعيش عادات المجتمع الإسلامي، ولكن ما نراه حقيقة هي القيم القبلية التي ظلت تمارس ضمن أفق المجتمع وهو يقترب من التمثيل النيابي، لكنا نرى تلك المحاصصات القبلية والطائفية حتى في النظم الديمقراطية العربية العريقة (لبنان، والآن العراق)، ولعل أكثر ظواهر التجلي للنظام القبلي هو الوضعية الدونية للمرأة العربية في كافة المجالات.

الممكن المستحيل

في خلاصة القول إننا لا نعيش البداوة كما هي في المتخيل الشعبي الذي تحرص السلطة على تدعيمه وإبقاءه في عقولنا، إذ لا يمكن بأي حالة من الأحوال الإفلات من كلية السلعة وسيادة النمط الرأسمالي على كافة شؤون الحياة وفي كل مكان، ونحن نشهد أن بعض البدو قد ركب دشات لخيامهم، فلم يعد البدو بدوا بالمعنى التاريخي، وإنما أصبحوا عالة على الحياة الاقتصادية و الاجتماعية، والدراسات الاجتماعية تعتبر البداوة حالة إعاقة اجتماعية في المجتمع، لذلك تقوم الدول بخطط توطين البدو، وباتوا حالة من المتخيل الرومانسي الذي تصر السلطات الرسمية على إبقائه حيا وذلك بضخ كل سبل الحياة في أنماطها، بوصفها من السبل الكفيلة بتعطيل قوى المجتمع عن تجاوزها، وما المكرمات التي تعطي للقبائل الرعوية إلا لشراء ولآتها من جهة وإبقائها على قيد الحياة إلى حين رفع اليد عنها، إذ إن قدرتها على العيش مستقلة أصبح مستحيلا ضمن شروط إنتاج وإعادة إنتاج وتوزيع الثروة في المجتمعات العربية.

ونحن نعيش القبلية وهي تخترق حصون المدن الحضارية الكبرى وتعيق تقدمها نحو الحضارة، وربما تظل من قيم البداوة وهي من قيم القبيلة أيضا، أخطرها عملا في مجتمعاتنا وهي قيمة العمل، فالبدوي يحتقر العمل اليدوي ويعتبره جالبا للعار، ولذلك تقبل مجتمعاتنا إن تخترق من قبل العمالة الوافدة، وتعمل بشدة على تعميق تلك القيم عمليات التنشئة الاجتماعية، وتلعب التربية والتعليم دورا رائدا في ذلك، مع عدم ارتباط التحصيل العلمي بالمستوى المعيشي، وإعلاء قيمة الجهل، عبر الإيمان بالحظ والخرافات، وهي تتعمق في مع المتخيل القبلي الذي يعيشه الإنسان العربي وهو على أعتاب القرن الواحد والعشرين.


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى