الاثنين ١٣ آذار (مارس) ٢٠٠٦
بقلم حسام الرحال

الطود الشامخ

كنت جالساً أهيم في ذاتي، أبحر في أمواج خيالي، أمتطي صهوة أحلامي، أفرش أجنحتي؛ لأحلق في فسيح الأفق، أطير فوق الزمان،فوق المكان، أرنو بلواحظي خلف جدران العالم، أرمق البعيد ، أتوق إلى عالم جميل.

في هذا السكون البديع، في هذه البحار التي تحتضن مراكب كلماتي، ويخالط ماؤها نبضات قلبي، مر بخاطري طيف من أهوى،داعب مخيلتي. طيف غدوت أمازحه، أسامره، أشاطره الهوى، أبث إليه شكواي وهمومي، أنثر بين يديه مكنون روحي، طيف أسدل على الهموم حُجبًا، طيف أمطر فؤادي بغيث حنانه، وسقى تربة قلبي بغدق إحسانه فتفتقت في القلب براعم حبه، طيف أفاخر الدنيا به، طيفٌ أعتز بكوني إليه أنتسب، طيف أعلو معه الى ما فوق الغمام. إنه طيف الأب ذاك الطود الشامخ الذي تتحطم على سفوح همته الصعاب، وتتهاوى عند لمساته الهموم، تخفق فوق قممه خفاقة رايات الحب والعز .

ذاك العرندس الذي تهابه الصعاب، ولا يهابها، ذاك الذي يمحق الأحزان، ويبدد سحب الآهات ويزكي روحي عطراً وعنبراً.

نعم.. إنه الأب: ذاك الذي يطعم الخلود زاد بقائه. الأب اسم كلما دُعينا لسماعه استعددنا لإعجاز وعجب من لؤلؤ عطاياه، وحنوه فيخفق القلب لذكره، وتتجمل العيون بلقياه.

هذا السابح في عبق الريحان لو مسح يده على الحصى تفتق وردا. له رعشة نغم ،ولفحة طيب، يعالج الحصى بورده وطيبه، حتى يجعلها تذخر حبا وحنانا .

هذا المنتشي من جمال العطاء والمرتشف من جداول الحنان العذب. لاهف القلب في لمِ الحب عن طفحات الأقداح، والندى عن عذارى الجفون. له لولبة عجيبة على الأحرف المبعثرة يهمس إليها بزخرف الأناقة، بعبير الذوق المترف المدرب على نحت الجمال، ثم يربت عليها بحمى الشوق فتُلمُ على أصابعه لؤلؤه البراق يلفها بدفئه ونور عينيه، ودقات قلبه تتسارع على رنات أزميله العاجي، وماهي إلا هنيهات من نزف دم وكبح عصب حتى تتطاير إليك تماثيل الرخام والمرمر تحتضنك عبارات الحب والحنان، عبارات أحرفها رقة ونقاطها عطر، وترقيمها زهر .

الأب: هذا الياقوت المرفه الحواس الذي يجعل من أبنائه وروداً يغزل حولها نسيج الرأفة إنه: ذاك الممسك بعصا السحرة يتلمس بها على الجروح النازفة، فإذا بها تشفى وتبرأ. يمررها على جبال الأحزان؛ ليجعلها سهولا ومروجاً.

الأب: ذاك الاستوائي له على الكلمات والقلوب نداوة فكأني بكلماته شموع هيكلية العبق تذوب على الأنامل النرجسية.

يتهالك على الزهر يمتص بلا اكتفاء، نهمٌ لا ترويه وردة ولا يكمل سكرته عطر، ولا تذبل على خصور زنابقه مجسة حس، بل هو على الروض تيّاه إذا أعياه تنسم طار الى روض آخر يلملم حسنها ثم يعود وكأن البراعم لم تُهتك لها حرمات. تلك صِناعات الفراشات المذهبة تحطّ طيّاشة على الورود تستل دماءها، وتظل على الورود في خفة الجناح. إنه كالنحلة تتطاير على الأزهار؛ لتمتص رحيقها، وتحيله عسلاً زلالاً. فهو كذاك يتنقل بين أشواك الحياة، ولكنه يحيلها كلمات مُعسلة يداعب بها أسماع بنيه، فيملأ القلب بهجة ويغمره سعادة. إن في ما يلفظه لسانه الشجي خمراً عاتقاً إذا طُيّف على الندامى بها، فإنهم في فُتار. فكلماته المزركشة بالعبق تكسب الحياة بهجة وتطريها بالجمال.

نعم إنه الأب الذي أفنى حياته مصارعا الرزايا طلق الراحة طلاقاً لا رجعة فيه من أجلنا، حرّم على نفسه لذائذ العيش ليهنأ بها فِلذة كبده.

إنه ذاك الأشم الذي تداعب نسائم الإجلال جبهته الغراء فتنحني الهامات أمام عظمة شأنه.
عندما تحاول أن تكتب في بحر عطاياه، تتصاغر المعاني وتتبعثر الكلمات وتتعثر الحروف، فحاشاها أن تدرك لمنزلته وصفاً أو نثراً، عندما تحتضن اليراع؛ لتسطر في شمائله تراه يرتعش، فكأن مداده جف فيعجز عن البيان في وصف ذاك الإنسان.

ولكن إذا ما جردت اليراع من مداده، وسكبت فيه مداد القلب والروح فستراه يرسم الحروف بأزهى ألوان الوجود، بأجمل عبارات ما ألفت مثلها السطور، بأعذب ألحان رددتها شفاه الزهور، أندى أهازيج الحب المنثور، بأبرع ريشة يخط بحروف من نور .. أبي..

فإليك يا عنوان الجود والعطاء ... يا من في فسيح أحضانه ترعرعت أحلامي، وعند خفق فؤاده سطعت أفكاري، وعند قدميه خضعت أشلائي، فإليك يا جمال الوجود أبث روحي... حبي... حياتي... أنغام عنادل الخمائل السندسية ألفلفها باقة عطر أضمنها قبلاتي؛ لأحملها على أجنحة النسيم؛ لتداعب طيفك الموقر. اسمك قد نُحت على صفحة قلبي. فيض حنانك في كل حين يغمرني. نظراتك الرقيقة درر تتناثر في جنبات القلوب، فتملأ الحياة بهجة وضياء وألق يحيل ظلام الحياة ربيعاً متفتح زهره مخضوضر حسنه. نسمات الأصيل تداعب أفنان شجيراته التي تعانقها شمس البقاء، وبوهج أشعتها الذهبية رسمت على صفحات الجداول معلقة تفيض إحساساً، وتنضح عشقا وجمالاً أحرفها: ينابيع عذوبة ثرة ترسم بكل إجلال وإكبار.

أبي لترددها أزاهير السهول والجبال وتتغنى بها نبضات القلوب، وتتهاتفها نظرات العيون وتتقاسم شذى مسكها القلوب الهائمة وتتلفظ بها الشفاه النرجسية، فيتراقص الكون طرباً على أنغام شدوها وتتناقلها النجوم؛ لترسم على وجه القمر صورتك؛ لتنير الشمس وتلهب قلب القمر.

الإهداء: إلى كل أبٍ يقتات غصات الزمن، ويتجرع علقم الحياة؛ لينعم فلذات كبده وزهرات عمره بطعم السعادة، ولتغمض جفونهم حالمة بأماني المجهول الآتي من بعيد.

إلى من كُلي فيه جزء، وجزء منه فيّ كلٌ... إلى أبي


مشاركة منتدى

  • بسم الله الرحمن الرحيم
    الأخوة الكرام كلي فخر بموقعكم الميمون.. شكرا لكم على اهتمامكم وبالرغم من كوني كاتب المقال ولكن لم أتمالك يراعي من الكتابة بالشكر لكم ودمتم بخير.

    م.حسام عبد الغفور الرحال

    سوريا- حماه -طيبة الإمام

    طالب دكتوراه في هندسة الحاسبات-جامعة القاهرة

  • سلمت يمينك اخي
    كلماتك من ذهب
    ابداع وخبال واسع
    اعجبني كل حرف
    وكل تعبير كتبته
    انت يا خي موهوب جدا
    فلا زصف لي الك
    لك من الحب

أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

مهندس في هندسة الحاسبات جامعة القاهرة

من نفس المؤلف
فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى