الخميس ٤ كانون الثاني (يناير) ٢٠٠٧
بقلم أحمد فنديس

العمر "لحمة"

استقبلني وليداً.. لم أعرف غيره أبا ولا أما منذ ولادتي، فقد ولدت لأب غير معروف.. وما إن انتهت فترة رضاعتي حتى اختفت أمي من الوجود لا أعرف لماذا.. كان أبناؤه يحبونني حتى ظننت أنني أخ لهم.. ورغم أنهم كانوا يمشون على أربع – مثلي - في سنوات عمرهم الأولى، إلا أنهم بعد ذلك أصبحوا يمشون على اثنتين وظللت أنا من "ذوات الأربع".

كان كلما ازداد وزني تنتفخ أوداجه سروراً وبشراً، وإذا مرضت يقضي نهاره محزونا ويبيت ليلته مهموما.. وقد انزعج كثيرا عندما مرضت يوما وقال الطبيب إنني أكلت فولاً "مغشوشاً" فأحضر لي ما أزال ألمي وقدم لي عشاءً وفيراً؛ فازداد حبي له.

وذات مساء والناس نيام أقبل نحوى بهدوء.. نظر في وجهي، فأغمضت عيني مدعيا النوم خشية أن يغرس أصابعه في ظهري كما يفعل دائماً... تحسس "ليتي" فشككت في أمره.. ثم طردت ما راودني من شكوك... فأنا أعرف أنه "متزوج ويعول"، وأنه رجل طيب.. بعدها مرر أصابعه بقوة في ظهري فاصطدمت بعظامي فهز رأسه ثم أغدق علي الطعام في الأيام التالية.. وعندما أصبحت "ليّتي" أكبر حجما من إليته رسم علي ظهري خطاً أحمر اللون فظننت أنه سيرسلني لأكون شبلاً في ناد رياضي شهير، فأحببته أكثر وأكثر...

"فَلَمّا بَلَغَ مَعَهُ السّعْيَ قَالَ يَبُنَيّ إِنّيَ أَرَىَ فِي الْمَنَامِ أَنّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَىَ قَالَ يَأَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤمَرُ سَتَجِدُنِيَ إِن شَآءَ اللّهُ مِنَ الصّابِرِينَ"... سمعها تُتلى من المذياع فنظر نحوي وهز رأسه وهو يقول: صدق الله العظيم.. فازداد احترامي له لتدينه.
حملتنا السيارة الي العاصمة فظننت أنه ذاهب بي لأزور معالم المدينة الكبيرة في رحلة سياحية فتمنيت أن أقضي كل عمري مع هذا الرجل "الطيب" الكريم .. وفي الطريق رأيت عشرات السيارات ترفع أعلاما بيضاء ويهتف ركابها "لبيك اللهم لبيك".. تذكرت لحظتها أن أمي تركتني وحدي واختفت في مثل ذلك اليوم.

وفي الطريق ذاته رأيت المئات من أقراني تقلهم عشرات من السيارات كلها في اتجاه واحد... نحو المدينة الكبيرة.. فحمدت الله أنني سأجد العديد من الرفاق خلال رحلتي "السياحية"!

- قلعة الكبش.. قال صاحبي طيب القلب لسائق السيارة.. وبعد التوقف في العديد من إشارات المرور حتى كدت أختنق من عوادم السيارات.. وصلت السيارة إلى مكان به عدة سرادقات... سأل صاحبي عن صاحب له فأرشده صبي ملطخة ثيابه بالدماء.. فتوجست شراً..
أهبطنى صاحبي من السيارة، قادني إلى شخص رشق في حزامه مجموعة من السكاكين مختلفة الأطوال.. أحسست بالخطر عندما وجدت العديد من أقراني وقد أمسك صبيان المعلم بقرونهم .. وفجأة جاء الصبي الذي أرشد صاحبي.. أمسك بقرنيّ بشدة.. غرستُ قوائمي الأربعة في الأرض كما كان يفعل صاحبي عندما يغرس أصابعه في ظهري.. لكن الصبي جرني بقوة وهو يسب أبي وأمي بأقذع الألفظ.. حمدت الله أنهما غير موجودين حتى لا يسمعا هذا "الأدب"..

ولما خارت قواي دفعني الصبي نحو رجل كشر الوجه غليظ القسمات.. نظر نحوي وقد "تأبط نصلا" ثم دفع في يد صاحبي بلفافة من الأوراق النقدية.. بعدما أحصاها وضعها في جيبه.. لم ينظر نحوي مثلما كان يفعل دوماً.. لم يتحسس ظهري.. شعرت بمغص في إمعائي.. ظننت أنه سيحملنى الى الطبيب.. حاولت أن أقول له إنني أحبه.. تسمرت أحرف الكلمات في حلقي.. تمنيت أن يتحسس ليتي.. لكنه فتح باب السيارة وجلس بجوار السائق وانصرف دون أن يري ما سال من دمــوع.


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

الدكتور أحمد فنديس: كاتب مصري-السيرة الذاتية

من نفس المؤلف
فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى