الاثنين ١ تشرين الثاني (نوفمبر) ٢٠٠٤
بقلم نزار بهاء الدين الزين

الغدير

الغديرهو اسم القرية في أقصى الجنوب الغربي من سورية يقطنها فرع من عشيرة الصوان منحت لهم أرضها من قبل حكومة الانتداب الفرنسي ضمن برنامج لتوطين البدو الرحل، و بنيت بيوتها فوق خرائب بلدة رومانية أو بيزنطية أصابها زلزال فدمرها و هجّر من بقي حيا من سكانها ان بقي أحياء! فبيوت البلدة بجدرانها وأسقفها و أبوابها و نوافذها قدت كلها من الحجر الأسود، فالكارثة على ما يبدو كانت مأسوية؛ المحظوظ من المستوطنين الجدد من كان نصيبه فيها غرفة أو اثنتين سليمتين فانه سيرمم بقية المنزل ليعود كما تركه أصحابه، أما الآخرون فقد استخدموا أحجار الخرائب لبناء بيوتهم كيفما اتفق. و كذلك فإن الدرب الرأيسي و الدروب الفرعية ملأتها الأحجار من كل القياسات فجعلت من المستحيل أن تمر فوقها أية مركبة،أما الدرب الوحيد الصالح فهو الذي يربط بين مخفر الدرك و الطريق العام و هو شارع ترابي.

اسماعيل الطاهر هو محامي الغدير – كما يلقبونه - ، أهلته لهذا اللقب شهادته الإبتدائية فهو الوحيد من جيله في القرية كلها الذي يحمل هذه الشهادة. و جرت العادة - عندما تواجه القرية أية مشكلة – أن يجتمع وجهاؤها في دار المختار حمدان المعيوف ثم يكلفون اسماعيل الطاهر بالتوجه الى عاصمة القضاء أو عاصمة الدولة للعمل على حلها، ثم يقوم المختار بفرض ( الفريعة) أي توزيع التكاليف المتوقعة على العائلات كل حسب مقدرتها؛ و كانت آخر مشكلة هي تعليم أطفال القرية، فقد تأخر المقاول عن إتمام بناء المدرسة و بالتالي فان وزارة المعارف لم ترسل معلما لتدريسهم.

و نجح اسماعيل الطاهر باقناع مدير المعارف بارسال معلم على أن يتدبر غرفة فسيحة تصلح للتعليم ريثما يتم انجاز البناء، و بعد أيام قليلة لفظت ( البوسطة) - و هي الحافلة الوحيدة التي تربط الغدير (بالقنيطرة) من الغرب و ( تل الهوى) من الشرق- لفظت مع الركاب شابا مدنيا لمّا يبلغ العشرين، و قد هرع الجميع لمساعدته في حمل أغراضه و ساروا به الى منزل المختار، فقد كان ذلك الشاب هو المعلم الجديد. كان الأستاذ مروان شابا خجولا فلم ينبث ببنت شفة عندما أرسله المختار الى دكان ( أبو شاكر) ليسكن في مستودع خلف دكانه، و تحمل صخب فرسان الليل من الفئران و الجرذان و الصراصير و لكن عندما أمطرت فدلفت المياه الى المستودع من كل شق في السقف و الجدران شكا أمره لرئيس المخفر الذي استدعى المختار و زفه بسلسلة من النعوت لا تتناسب مع مقامه؛ و كان أن تم إسكان الأستاذ في منزل شقيقه شهاب المعيوف.

أول مشكلة تعليمية واجهته كانت تعدد مستويات التلاميذ فقسمهم الى عدة مجموعات فبينما يلهي البعض بواجب كتابي يقدم الى البعض الآخر درسا أو تدريبا جديدا. أما المشكلة الأخرى فكانت وجود نواقص أساسية كالسبورة و الطباشير و وسائل الايضاح، فكتب الى مديرية المعارف عن طريق المخفر فكان الرد :- (( عند انجاز البناء سيتم تزويد المدرسة بكل اللوازم)).

و في المساء كان يجلس في مضافة شهاب المعيوف حيث يتسامر الرجال و النساء بدون أي تمييز وكثيرا ما كان يجد نفسه مع النساء فقط إلا أنه لم يشعر أو لم يشعرنه بأي فارق؛ و كانت من ثم الصدمة الأولى عندما وقف الشيخ عوض الصوان فوق سطح احدى الغرف و أخذ يكيل الشتائم للأستاذ مروان و الحكومة التي أرسلته (( يبعثون لنا بالعجيان (أي الصبيان) لتعليم عيالنا؟! عجيان لا يستحون من مجالسة نسائنا، أين نخوتكم يا رجال الغدير؟!)).

زوجتا شهاب المعيوف ارتعشتا خوفا أو غضبا الا أن كبراهما ( بوره) قالت للأستاذ:

-  (( لا تهتم لهذا الهرج الذي يثيره عجوز خرف)) و لكن عندما تمادى هبت لاسكاته و طرده من سطوح منزلها، فأخذ يلقي عليها الحجارة لاعنا أجداد أجدادها.و في اليوم التالي قرر قائد المخفر أن يلقن الشيخ عوض الصوان درسا في الأخلاق على طريقته، فهرع كبار القرية و في مقدمتهم المختار و من بينهم الأستاذ مروان صاحب الشكوى متوسلين أن يرحم شيخوخته فهو في النهاية عجوز خرف، كان قد ألقي أرضا و ربطت ساقاه استعدادا ( للفلقة)،فاستجاب أبو عدنان رئيس المخفر للوساطة فأطلق سراحه بعد أن أنذره و بصّمه على تعهد مكتوب.

رويدا رويدا توطدت علاقات الاستاذ مروان برئيس المخفر و عناصره الستة، سأله ذات يوم الدركي مطانيس و هو دركي قديم على وشك التقاعد :

- (( طالما أنت من عائلة معروفة و والدك تاجر مرموق فما الذي دفعك الى هنا بين البهائم و في أقاصي المعمورة ؟))

- أرادني والدي أن أكون تاجرا مثله و أنا لا أحب التجارة؛ أجاب الأستاذ مروان، فضحك الدركي مطانيس حتى آخر الشدقين ثم رد عليه و هو لا يزال يضحك :

-  يعني هاوي فقر.
- 
فعلق أبو فاروق و هو من احدى قرى الجركس المجاورة :

-  نحن كتب علينا الشقاء لأننا من الأصل فقراء أما أنت فكتبته بيديك يا استاذ!

تردد قليلا قبل أن يجيبهما ثم خرجت الكلمات من فمه متقطعة حزينة:

الواقع أن والدتي مصابة بمرض عضال أقعدها و أفقدها كل دور في البيت، ووالدي غارق في أعماله التجارية حتى أعلى هامته و أنا أكبر إخوتي و لكن أيا منهم لم يتقبلني كنائب عن أمي أو أبي و تركوا للأقارب فرصة التدخل حتى أن بعضهم استبد بنا، فباتت حياتنا لا تطاق، كنت قد بلغت صف الشهادة الثانوية عندما علمت بمسابقة انتقاء معلمين فتقدمت اليها و نجحت، و هكذا تخلصت من جو خانق لم تعد لدي طاقة على احتماله.

فصمت الدركيان ثم لم يعودا الى طرق الموضوع ثانية.

كان استلام المدرسة الجديدة مهرجانا حقيقيا، كانت القنيطرة في تلك الفترة قد تحولت من قائمقامية الى محافظة و عين القائمقام ذاته محافظا فكان أول نشاط له في منصبه الجديد أن يأتي الى الغدير ليفتتح مدرستها الجديدة،و كان قائد فصيل الدرك قد أخبر قائد المخفر بأن يستعدوا لهذا الحفل؛ فانهمك الدركيون في تنظيف أسلحتهم و أحذيتهم و أحزمتهم و شاراتهم و أرقامهم ثم ساقهم القائد الى الساحة فنشّط خبراتهم بالنظام المنضم والتحية بالبنادق، بينما عمل الأستاذ مروان على رفع العلم السوري فوق مبنى المدرسة التي نسي المقاول أو تناسى أن يصنع له سارية .

وصل موكب المحافظ إلى مخفر الغدير بداية يرافقه قائد فصيل الدرك و عدد من كبار موظفي المحافظة الجديدة، فاستقبلهم الدركيون رسميا و المختار و سكان الغدير شعبيا بين أهازيج الشبان و زغاريد النساء، و قام المحافظ بالقاء خطبة موجزة تضمنت عدة وعود من ضمنها ايصال الكهرباء الى القرية و تعبيد طرقها و أكد أن القرى الحدودية تنظر اليها الحكومة نظرة رعوية خاصة سوف يلمسون نتائجها قريبا، ثم توجه الجميع نحو مبنى المدرسة التي تبعد عن القرية حوالي كيلومترين فقام المحافظ بتسليم مفاتيحها للأستاذ مروان.

و استمر المهرجان الى اليوم الثاني عندما قام التلاميذ بحمل مقاعدهم الدراسية فتوجهوا بها الى مبنى المدرسة و هم يهزجون : (( الجيش السوري غرّب و القايد حسني الزعيم)) كان حسني الزعيم قد أعدم في العام الماضي و من أعدمه انقلبوا عليه بعد أشهر؛ و مع ذلك ظل الهتاف كما كان.

ثم استؤنف المهرجان عندما عاد الأستاذ مروان من القنيطرة بعد أيام، محملا بمقاعد دراسية و سبورات جديدة.

بعد أقل من شهر زار المدرسة طبيب الصحة المدرسية الذي أجرى للطلاب كشفا طبيا سريعا استخلص منه أن %40 من الطلاب على الأقل مصابين بالتراخوما و أكد للأستاذ أنه مرض قد يؤدي في النهاية الى فقدان البصر، ثم سلمه زجاجة كبيرة تحوي دواء أزرق اللون مع قطارة واحدة:

- قطرة واحدة في كل عين مرتين يوميا يا استاذ للجميع بلا استثناء مصابين أو غير مصابين، سأله الأستاذ :

-  و ماذا عن القمل الذي يسرح و يمرح على رؤوسهم و ثيابهم؟

فأعطاه كمية من البودرة :

-  عفر رؤوسهم مرة واحدة كل أسبوع، و علمهم النظافة قبل القراءة و الكتابة و الحساب، فالنظافة هي خط الدفاع الأول ضد القمل و الأمراض.

قال له ذلك ثم مضى.

كان الأستاذ مروان قد لفت نظره عدم التزام التلاميذ بأدنى شروط النظافة فثيابهم المهلهلة دوما متسخة و على الرغم من أنه كان يوميا يفتش أيادهم و أظافرهم الا أنه كان يشعر أن ذلك لم يكن كافيا فقرر اتخاذ عدة خطوات ضرورية بعد استشارة رئيس المخفر و عبد العزيز الصوان- ابن ذلك العجوز الخرف - و الذي أصبح من أعز أصدقائه و أكثرهم قربا منه؛ فشجعاه. كانت الخطوة الأولى فرض ملابس موحدة التي من شأنها تسهيل مراقبة نظافتها، و كانت الخطوة الثانية العمل على تسوير نبع الماء المجاور للمدرسة و الذي اعتاد التلاميذ الشرب منه مباشرة و بمشاركة البهائم، ثم كانت الخطوة الثالثة و هي مطالبة المحافظة ببناء مراحيض اضافية و أما الخطوة الرابعة فكانت تقديم طلب الى مديرية المعارف لتعيين آذن ( عامل نظافة)، كما أوعز الى التلاميذ أن يبلغوا كل مصاب بالتراخوما من أهليهم أن يحضر بعد الدوام ليقطر له.

أثارت هذه القرارات ردود فعل مختلفة بين مؤيد و معارض و رافض، و بقرار جريء أغلق المدرسة و أعلن أنه لن يفتحها ثانية الا بعد أن يستجيب الجميع لقرار الملابس الموحدة؛ و خلال أقل من أسبوع كان تلاميذ الغدير يرفلون بالثياب الكاكية و لمفاجأته الشديدة ورده من المحافظة صندوقان كبيران يحويان أحذية جديدة من كل المقاسات هدية لتلاميذ الغدير،أحس الأستاذ مروان أنها نوع من التشجيع غير المباشر. و انتقل من ثم الى بناء سور حول نبع الماء فاقتطع ساعة واحدة يوميا من حصص كل مجموعة على حدة ليسخر أفرادها بالعمل و لم يستثن كبارا أو صغارا، كل حسب طاقته، ودهشته الشديدة وردته رسالة من الدركي مطانيس و الذي كان يعتبره الأستاذ مروان صديقا، يقول فيها : (( لقد أهنتنا يا أستاذ فساويت بين ولديّ و بين أبناء الرعاة و كلفتهم بنقل الحجارة بأيديهم الرقيقة، فاذا لم توقف هذه المهزلة فسوف أمنعهما من الحضور الى المدرسة و أحملك مسؤولية ما يترتب على ذلك)) فكتب الأستاذ يجيبه :- (( لقد أدهشتني تماما، فهل ترضى أن يكون ثمت تمييز بين زملاء الصف الواحد؟ و لمن أقود هذا العمل؟ أليس لصالح و لديك أسوة بصالح جميع التلاميذ؟ أعذرني يا أخ مطانيس فانني لن أتمكن من اعفاء ولديك من عمل جماعي لمصلحة جماعية و ثق أن اعفاءهما سيثير ضغينة الآخرين.)) و كانت الصدمة الثانية حين امتنع الدركي مطانيس عن ارسال ولديه الى المدرسة.

أخذت فتاة في السادسة عشر تتردد على المدرسة طلبا لقطرة الأستاذ – كما كانوا يسمونها – لفتت نظره بجمالها، أشفق عليها بداية لاصابة عينيها اصابة شديدة ترغم عينيها على افراز الدموع بشكل شبه متواصل.

ما اسمك يا صبية؟ سألها الأستاذ، فاحمرت و ارتعشت و لم تتمكن من الاجابة التي تولتها عنها احدى مرافقاتها:

اسمها عذبة يا استاذ، و أكملت متضاحكة :

عذبة الاسماعيل الطاهر.ثم اقتربت من اذنه هامسة :

-  انها تعشقك يا أستاذ! ثم ولت هاربة.

رحب الاستاذ بها و قطر لها في عينيها الجميلتين، ثم أخذت تتردد عليه بحجة أو بأخرى فتبادر للتطوع بتنظيف غرفته أو أدوات طعامه أو تحضر له أرغفة خبز الذرة و تتصرف و كأنها في بيتها، فكان يفرح بقدومها و يسعد بصحبتها الى أن تمكن حبها من قلبه. و في زيارة لمصالحة و وداع مطانيس الدركي الذي تقرر احالته على التقاعد و الذي يعد العدة لمغادرة الغدير.همس بمشاعره لأبي عدنان قائد المخفر فأجابه لائما :

- أنت بذلك تنكص الى البداوة!

و لم لا يكون العكس، فأرقى بها الى التمدن؟

-  لن يتقبلها المدنيون و لن يتقبلك البدو، يا استاذ (( الذي لا ياخد من ملته يموت بعلته)).
- 
ثم همس بمشاعره لعبد العزيز العوض الصوان فشجعه ووعده بأن يفاتح اسماعيل الطاهر بالموضوع.
و بم أجابك؟ سأله في اليوم التالي.

أجابني :- (( يصير خير))

و لكن اسماعيل الطاهر و ابنه فيصل كانا يبيتان أمرا آخر، فقد أحب فيصل فتاة من قرية( تل الهوى) ووافق والدها شريطة أن تكون ( زيجة مداكشة) أي مبادلة، يزوجه ابنته و يتزوج بالمقابل عذبة شقيقته. كانت تلك صدمته الثالثة في الغدير، فبينما كان يهيء نفسه لخطبة عذبة اذا به يفاجأ بدعوته إلى زفافها.

كان فرحا مزدوجا فعريس عذبة صحب ابنته من ( تل الهوى) ليزفها لفيصل الاسماعيل ثم يزف بدوره الى عذبة التي ستعود معه الى تل الهوى حيث ينتظرها فرح ثان. و أقيمت حلقات الدبكة و ترددت الأهازيج على ايقاع ( السحجة) أي التباري بالتصفيق حتى تدمى الأيادي.

رفض الأستاذ مروان حضور الزفاف و لكن جاسم الهوري الذي عينته مديرية المعارف سقاء للمدرسة ( أي عامل نظافة)، حكى له كيف حاولت عذبة الهروب من عريسها و كيف أعيدت مرغمة و قد نالت من الصفع و الركل ما كان يمكن أن يقعدها و كان أظلمهم معذبيها شقيقها فيصل.

عندما تحدث الاستاذ الى رئيس المخفر عن ( مقلب) اسماعيل الطاهر، ابتسم أبو عدنان ثم قال :

- عذبة أو غيرها من بنات الغدير ليست لك يا أستاذ؛ البنت هنا و في كل حوران تباع و تشترى كالسائمة، و على خلاف الدنيا كلها فان الأهل هنا يفرحون عندما ينجبون أنثى أكثر من فرحهم لدى انجاب ذكر.

و ماسر ذلك؟، سأله الأستاذ متعجبا.

- مهر البنت هنا غال و غال جدا و لهذا السبب ماطلك أبو فيصل ثم رفضك.

- يعني ( بيعة شروة)!

- نعم، هي كذلك، تجارة؛ مهر الفتاة هنا (( أربعون راس و مية قرطاس و حِبَّة على الراس)) هذا يعني أربعون رأسا من الماشية تذهب لوالدها، و مائة ليرة سورية تذهب لجهازها و فوق ذلك كله قبلة استرضاء لولي أمرها... و لو مكثت في الوظيفة يا استاذ عشر سنين لما تجمع لديك ثمن عشرة رؤوس؛ و لهذا السبب تجاهلك أبو فيصل، فهو لا يملك هذا العدد من الماشية ليقدمه مهرا لعروس ابنه فبادل بها ابنته و قدمها لذلك الشايب.

- هذا منتهى الظلم و الغبن. قالها الأستاذ بصوت حزين ثم مضى الى صومعته.

تأثر الأستاذ جدا بما جرى و كان حزنه اشفاقا على تلك الضحية أكثر منه احساسا بحرمانه منها.

يتكون بناء المدرسة من غرفتين واسعتين للتعليم و غرفة صغيرة بينهما للادارة حولها الأستاذ لسكنه، و كما فعل في السابق قسم التلاميذ الذين تكاثروا الآن بقدوم آخرين من القرى و التجمعات الرعوية المجاورة، وزعهم على الصفين مراعيا المستوى العمري
ثم قسم كل صف الى مستويين، كان يلقي الدرس في الصف الشرقي بينما يترك مراقبا في الصف الغربي يسميه التلاميذ ( العريف) ثم يفعل العكس ليشغل هؤلاء بواجب دراسي فيعين لهم ( عريفا من المتميزين منهم) ثم ليعود الى الصف الغربي و هكذا.... و ذات يوم اختار الطالب شحادة العريان ليكون عريفا فهب التلميذ ابراهيم الشهاب المعيوف معترضا :

- نحن لا نقبل أن يكون ( عبد) عريفنا!

-  عبد؟

تساءل الأستاذ مروان ثم أردف غاضبا :

-  ما هذا التخريف يا ابراهيم؟ أول مرة أسمع أن لدينا سادة و عبيد في المدرسة، اجلس يا ابراهيم و الا طردتك من الصف. فما كان من ابراهيم المعيوف الا أن غادر الصف ثم تبعه في الحال عدد من أقاربه. كانت تلك صدمته الرابعة.

دعي الأستاذ مروان لتناول العشاء في دار المختار و كان شهاب شقيقه موجودا و كذلك اسماعيل الطاهر و آخرين، و ما ان انتهوا من تناول العشاء حتى ابتدره شهاب المعيوف معاتبا. فأجابه بكل ما يملك من جدية و ايمان بما يقول :

-  هذا العبد الذي يدعيه ابنك ابراهيم، هو الأول في صفه و الأول في أخلاقه أيضا، ثم من قال أن هناك اليوم عبيدا و أسيادا؟ العبودية انتهت منذ زمن طويل يا اخوان ، حتى ديننا السمح يمنع هذا. ثم التفت نحو اسماعيل الطاهر مكملا حديثه: (( أنتم حتى تستعبدون نساءكم فتبيعوهن كالجواري)).

فأجابه أبو فيصل غاضبا :

أنت تتدخل بخصوصياتنا يا أستاذ، و لكن الأستاذ أكمل غير مبال :

- أيام الجاهلية كانوا يئدون بناتهم و هن صغيرات و لكنكم تقتلوهن و هن في ريعان الصبا
فاستشاط أبو فيصل غضبا و انسحب من المجلس بدون أن يحيي أحد ا؛ و هنا تدخل الامام قائلا بثقة عالية :

- الدين لم يمنع العبودية يا أستاذ انما القانون الوضعي منعها، و المؤمن حقا لا يعترف بالقوانين التي وضعها الانسان.

و من ثم أصر الوجهاء على مواقفهم مؤكدين للأستاذ أنهم لن يرسلوا أبناءهم الى المدرسة طالما ظل شحادة العريان مراقبا و أصر الأستاذ مروان كذلك على موقفه.

و لم يطل الأمر فما لبث التلاميذ المضربين أن بدؤوا يعودون الواحد تلو الآخر فيما عدا ابراهيم المعيوف الذي أعلن أنه ترك الدراسة نهائيا!

ذات فجر من أيام الربيع و قبل أن يتبين الخيط الأبيض من الخيط الأسود أنهضه من نومه فزعا قرع الباب :

من الطارق؟ سأل بانزعاج.

أنا عذبة يا أستاذ!

فتح الباب غير مصدق :

ماذا أتى بك يا عذبة و ضوء الصباح لما يبين بعد؟

- أتيت مع ( الجنايات) من ( تل الهوى)

- و مشيتن كل هذه المسافة؟

-  غادرنا عند انتصاف الليل.

لعل أحدا منهن تنبه الى قدومك عندي فيتسبب لك بمشكلة!

-  كلهن يعرفن قصتي و يتعاطفن معي، هن أتين لجمع الفطر و الخبيزة و القرّة و العقوب و الرشاد، أما أنا فجئت أجمع زهور الهوى !

و أهلك ألا تنوين زيارتهم؟

-  أهلي باعوني يا استاذ!

و تكررت من ثم زيارات عذبة، كانت بنات ( تل الهوى) يفدن الى الغدير جماعات جماعات، يهزجن و ينشدن و يجمعن ما يمكن جمعه من خيرات البرية ثم يعدن الى تل الهوى عصرا، و كانت عذبة تقضي كل ذلك الوقت في غرفة الأستاذ. و ذات يوم و بينما كانت تتسلل خارجة اذا بفارس يقترب منها و يلسعها بكرباجه، الا أن زميلاتها أحطن بها مشكلين درعا بشريا بينما أمسكت أخريات برسن حصانه محاولات انزاله عنه؛ كن كثيرات فآثر الانسحاب و هو يشتمهن جميعا.
كان ذلك الفارس الهمام هو عبد العزيز الصوان أعز أصدقاء الأستاذ في الغدير و يبدو أن جاسم الهوري سقاء المدرسة قد أبلغه بقصة عذبة و علاقتها بالأستاذ.
بعد أيام وردت الى الأستاذ مروان إشارة رسمية عن طريق المخفر يطلب فيها مفتش المعارف قدومه لمقابلته حالما يتلقى الأمر و بدوء ابطاء.

قال له المفتش :

ما الذي فعلته يا أستاذ؟ فأجابه مذعورا :

-  خير؟ ماذا فعلت؟!
- 
انظر كم عريضة وردت الينا ضدك من أهل الغدير!

-  ضدي؟ ماذا فعلت لهم سوى كل خير؟

على أي حال مدير المعارف يود مقابلتك.

- أنت مروان الساعاتي؟ سأله المدير و هو يقلب مجموعة من الأوراق بين يديه.

- نعم، أنا مروان الساعاتي، قالها و هو يرتعش انفعالا.

- ما هذه الضجة التي تسببت بها في الغدير. أنت مرسل الى هناك للتعليم أم للتدخل في أمور الناس؟ أنت معلم أم مصلح اجتماعي؟! و بدون أن يفسح له أي مجال للاجابة، أتم لائما :

-  فرضت عليهم ملا بس موحدة، قلنا هذه خطوة جيدة لصالحهم، عطلت المدرسة ثلاثة أيام دون استئذان منا فغضضنا البصر عنك فلولا ذلك ما نفذوا قرار توحيد الملابس، سخرت تلاميذك لتسوير النبع فقلنا لا بأس فهذا لمصلحة التلاميذ أيضا، تصرفت بالدواء الذي أعطته لك الصحة المدرسية لمعالجة عيون التلاميذ فعالجت به أهل القرية، أي أنك تصرفت بمال عام على هواك، و قلنا لا بأس فهذا عمل إنساني يعزز العلاقة بين البيت و المدرسة، ووقفت في وجه المختار و ووجهاء الغدير في قضية شحادة العريان فقلنا هذا أيضا موقف انساني شهم. و لكن أن تتعدى على أعراض الناس فهذا ما لا نقبله. و التفت نحو المفتش متسائلا :

أليس كذلك يا أستاذ حسن؟ و لدهشة الأستاذ مروان و ذهوله، أجابه الأستاذ حسن :

-ليس هناك أي اعتداء فقد علمت من مصدر موثوق أنها كانت تأتي اليه من مسافة ساعات مشيا على الأقدام؛ ثم التفت الى الأستاذ مروان متسائلا :

- ما قصة نبش القبور؟احدى العرائض تتحدث عن ذلك!

- نبش القبور؟ تساءل الأستاذ منزعجا ثم أتم موضحا :

- لقد أحضر لي بعض التلاميذ بعض الحلي المصنوعة من النحاس و العقيق عثروا عليها في خرائب شمال القرية، فصحبتهم بعد الدوام لأستطلاع الموقع فكان لدهشتي موقعا أثريا عبارة عن مقبرة مجاورة لبناء كبير يشبه المعبد مليئة بالعظام و بمثل تلك الحلي اضافة الى عملات برونزية تبين بعد أن نظفتها أنها عملات رومانية!

- و عالم آثار أيضا؟! علق مدير المعارف ساخرا، و لكن ما لبث أن سأله :

- و ماذا فعلت بتلك الآثار؟

- ذهبت بها الى مديرية الآثار بدمشق فقالوا لي أنها ليست ذات قيمة فلديهم منها الكثير و لكنهم احتفظوا بها!.

بعد فترة صمت التفت المفتش الى مدير المعارف مقترحا :

- أنا أرى أن ننقل الأستاذ من الغدير، ليس عقابا له بل خوفا عليه، إن حسناته فاقت سيئاته و هم لا يستحقون إنسانا كهذا، و من الناحية المهنية فهو معلم جيد.

و ختم مدير المعارف المقابلة قائلا :

- اليك قرار نقلك ، اذهب و نفذ القرار بأسرع ما يمكن، ثم أردف مبتسما :

-  و حاول ألا تودع الحبايب!

ثم انفجر ضاحكا و ما لبث الأستاذ حسن أن شاركه الضحك بينما أحس الأستاذ مروان أنه يذوب خجلا!


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى