الاثنين ٢٤ حزيران (يونيو) ٢٠١٣
بقلم ملكة أحمد الشريف

المتمَّردة

السماء هي السماء، والشمس كعادتها تعانق الأرض بنورها، ودفئها، وتطل من برجها العاجي..

أما الأرض ما زال ثراها يحتفظ ببعض من رذاذ الأمطار ووندى الصباح، وفي حديقة بيتنا
شجرة «الدالية» تعيش على رطوبة الثرى، وكان أبي يوبخنا بشدة إن سقيناها بالماء لأنها تعيش على تلك الرطوبة.

كانت أختي الكبرى كعادتها في تدوين كلمات الصباح على دفترها الذي تحتفط به منذ زمن تعدى العشرون عاما، تخط أي شئ يخطر في بالها ....وكنا نحسدها على ذلك، فالقلم ينساب بسهولة على صفحة دفترها البيضاء يخط كلماتها ...

تنظر الى السماء ...لا زالت صافية تحتفظ بزرقتها، والعصافير توشوش النسمات الرقيقة يسعادتها، كل ما حولها سعيد وعلى حاله إلا هي.

عيناها تحدقان في اللاشيء، وتتسع حدقتاهما السوداوان وكأنهما رأتا شيئا ما، ويصيبها الذهول من جديد، فعالمها المغترب ضيق في ثنايا الوطن، كل شيء حولها فاقد لمعناه، ولم يعد- كما تقول- هناك شيء على حاله سوى الأرض والسماء ...!!

قالت ذات مرة أنها ستحاول التمرد على واقعها ...ستترك ذكرياتها الجريحة ولن تلتفت إليها ستنهض من سباتها ...وتخرج من صومعتها التي سجنت فيها ...ستتمرد على نفسها، ستنهض الآن…!!
الآن… ستنهض… وتفيق من غفوتها الطويلة، وأنها ستعود لتحلم، وقالت بصوت يشبه الصراخ: سأتمرد على نفسي..سأتمرد !!

أصابنا صراخها الذي يشبه العويل بالخوف، والرهبة والبكاء والقهر معا، فخوفنا عليها كان بعدد الأيام التي قضتها وهي تندب حظها العاثر في زواجها الفاشل..!!

وقهرنا كان بفعل دموعها التي كانت تبلل وسادتها وهي تبكي فراق أطفالها الذين حرمت من رؤيتهم إلا في نهاية كل شهر.

اختلطت علينا أمورها بعد هذا السجن الطويل ما بين جدران صومعتها، وأوراق دفتر ذكرياتها الصفراء، فعوامل التعرية التي أصابت أوراقه داهمت أيضا جسدها النحيل...

لم تكن هذه هي المرة الأولى التي تحاول أن تصحو من غفوتها العميقة كما قالت أمي … وكثيرا ما سمعت أمي تقول «حسبي الله ونعم الوكيل ، حرموها من ضناها الله يحرمهم مثل ما حرموها».

كل مرة كانت تهيج مشاعرها بالشوق لأبنائها كانت تنتحب في غرفتها، تحاول جاهدة ألا تظهر حتى مشاعر الحب تجاههم.

فجدتي كانت تلومها قائلة «هي كل يوم بدها تلاقي لها زوج، ايش بده يصير لو صبرت شوية، هيّ أم محمد جارتنا كان يسبّغها زوجه امن الضرب وصبرت عليه ، وهي أولادها كبروا وما عاد يستجري يعمل لها شي».

وما زلت أذكر يوم عادت إلى بيتنا محطمة الفؤاد، وآثار كدمات على جسدها النحيل كرهت حينها كل الرجال، وقلت يومها لأمي رغم حداثة سني «أني لن أتزوج أبدا حين أكبر»

ولكنني أحسست هذه المرة أن شيئا ما يلوح في الأفق، فأنا ورغم تباين العمر بيننا إلا أني أحس بقربي منها، وكثيرا ما نقلت لها الأحاديث الصفراء التي تلوكها الألسنة عنها، وعن فشلها في العيش بسلام مع زوجها اللعين..!!

كنت أحبها كثيرا ولم أكن أعلم أن نقلي تلك الأحاديث كانت سببا في تورم عينيها حتى اليوم التالي.

أحس أن شيئا ما يتأهب داخلها لا أدري إن كان محاولة جادة للتمرد، أم أنها قد تكون ثورة قهر!!

إلا أني أتشوق لحصول تغيير قد يطرأ على حياة أختي، يسعدها ويغير خارطة أحزانها التي أثقلت دفتر مذكراتها.. وأنا بدوري سأفي بوعدي لها بإحضار دفتر مذكرات وردي اللون عل حياتها تتشرب لونه وتصبح أقل دموعا وأكثر إشراقا.


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى