الاثنين ١ شباط (فبراير) ٢٠١٠
بقلم عمار يحيى

المدينة الصامتة

 
سوف آكلُ قطعةَ الخبزِ هذهِ وأنام..

هكذا حدَّثَ الصبيُّ نفسهُ بينما كان مستلقياً على حشائشِ المزرعة، يتأمّلُ انبلاجَ الضوءِ الخافتِ من كبدِ الليل، ممسكاً بيديهِ قطعةَ الخبزِ الصغيرة. كانت ليلةً طويلةً جداً، أحسَّ بأن الوقتَ فيها ليس شبيهاً بالأوقاتِ التي عرفها سابقاً، المشهدُ الذي يتجسّدُ أمامهُ الآن في السّماء، اعتياديٌ على من يعملُ مثلَ عمله.

المزرعةُ كبيرةٌ جداً، وحراستها أمرٌ متعبٌ وشاق، لكن ذلك في حالةِ كون المدينةِ غيرَ آمنة، أما هنا، فالمكانُ آمنٌ على غيرِ ما عهدناه، حيثُ وكما يروي كبارُ السّن، لم يحدثْ أيُّ نوعٍ من أنواعِ الجريمةِ من سرقةٍ وغيرها، منذُ عقودٍ طويلة، ولذلك لم يكن على الصبيِّ أن يتجوّلَ في المزرعةِ كلِّها خوفاً من الّلصوص، يكفي أن يجلسَ في مكانهِ من دون أن ينام، هذا هو السّببُ أيضاً في اختيارِ صبيٍّ في مثلِ سنّهِ للحراسة.

قد يخطرُ في بالِ احدنا سؤالٌ مهم، وهو بما أن المدينةَ آمنةٌ لهذهِ الدرجة، فلمَ الحراسةُ إذاً؟
الناسُ في هذهِ المدينةِ يحتاجون إلى العمل، ولكن ليس لما هو متعارفٌ عليه، العملُ من اجلِ المال، فهنا العملُ من اجلِ التخلّصِ من المللِ وقضاءِ أوقاتِ الفراغِ بشيءٍ مفيد، لقد أُلغيتُ النقودُ في المدينة، والكلُّ يأخذُ من الكلِّ ما يحتاجهُ من غيرِ مقابل، ولذلك فلا توجدُ عقوبةٌ للسرقة، ولا توجدُ أيُّ عقوبةٍ أُخرى عدا عقوبةٌ واحدةٌ تُفرضُ على من يتركُ عمله، وهيَ قطعُ لسانِ المُذنب. العقوبةُ قاسيةٌ جداً، لذلك، كان الجميعُ يعمل، وحسبَ جدولَ السّاعاتِ المحددِ لكلِّ شخص، والذي يحدّدهُ مجلسُ إدارةِ المدينة.

استيقظَ الصبيُّ من غفوتهِ القصيرة، لحسنِ حظّهِ قبلَ أن يأتيَ المزارعون ويرونهُ نائماً، فهو مخالفٌ للقانون، والعقوبةُ شديدةٌ لمن يخالفُ قوانينَ العملِ كما قلتُ سابقاً، لكنه كان معتاداً على هذه المخالفة، وواثقاً من أنهُ لا أحدَ سيأتي خلالَ هذه الفترةِ القصيرةِ ليُراقب حالَ العملِ المُمل، جلسَ قليلاً وقد بدأتِ الشمسُ بالبزوغ، نظرَ إلى الطيورِ التي كانت تحلِّقُ في السّماء، وكأن أحدها يطاردُ الآخر، وأصغى قليلاً لتغريدِ البلابلِ على الشّجرِ وهي تُهنئُ بعضها البعضَ بقدومِ صباحٍ جديد.

وصلَ المزارعون، وكلٌّ منهم يحملُ آلتهُ الخاصّة، حيّوهُ من بعيد، ثم اشرعوا سريعاً بأعمالهم وكأنّهم خليةٌ من النّحل.
الملَلُ يقتلُ كلَّ شيءٍ جميل هنا، مع أن الطبيعةَ الجميلةَ تطردهُ من رؤوسهم أحياناً، نهضَ الصبيُّ وتوجّهَ إلى بيته، وفي طريقهِ مرَّ قربَ مبنى مجلسِ الإدارة، كان يسمعهُم يتحدّثون بتلكَ الُّلغةِ القديمةِ التي كان آباؤهُ يتحدّثون بها, والتي لم يفهمْ منها شيئاً قط، توجّهَ إلى المبنى ووقفَ عند الباب، حيّاهُم بوضعِ يديهِ المفتوحةِ الأصابعِ على أُذُنَيه، فردّوا عليهِ بالمثل، كان يتمنى أن يستمرّوا بالحديث، ولكنهم انقطعوا حين رأوهُ يدخل، فأشارَ إليهم بأصابعهِ الملتويةِ إلى أنّ المزارعينَ باشروا بعملهم، هزّوا رؤوسَهَم إيجاباً، أخرجَ لهم لسانهُ مستأذناً، فأذِنوا لهُ بتحريكِ حواجبهم من الأعلى إلى الأسفلِ ثلاثَ مرّات، فاستدارَ وأكملَ طريقهُ إلى البيت، وهو يفكِّرُ جدّياً في تعلّمِ تلك الّلغةِ السهلةِ التي يتحدّثون بها من خلالِ أفواههم، ولكن من سيعلِّمهُ إيّاها وأعضاءُ مجلسِ المدينةِ لا يتحدّثون بها إلاّ فيما بينهم؟.

وصلَ إلى بيتهِ الكبير، والذي كان الجميع يمتلكُ مثلهُ تقريباً، مساحةٌ كبيرةٌ أكثر من ألفِ متر، وحديقةٌ كبيرة، ونافورةٌ من المرمرِ وسطَ الحديقة، وغرفٌ كثيرة، وسقوفٌ تُزيّنُها الزخارفُ الرائعةُ المنظر. كلُّ هذا لم يكن يبعثُ في نفوسِ الناسِ البهجة، لأنهم كانوا يشعرونَ بأنهم يفتقدونَ لشيءٍ أساسي، ولم يكن لديهم الوقتُ الكافي ليفكِّروا في هذا الشيءِ الذي يُنغِّصُ غيابهُ عنهم حياتهم.

كان والدهُ الكبيرُ في السّنِّ يُمسكُ فرشاةَ رسمٍ بيدهِ ويرسم، فهذا كان عملهُ المحدّدُ من قِبَلِ المجلس، وذلك تقديراً لعمرهِ الكبير، وعدم قدرتهِ على العملِ كالبقية، عليهِ كلَّ أسبوعٍ أن يرسمَ شيئاً جديداً وجميلاً يؤخذُ لمجلسِ الإدارة، فيعلِّقوا في غُرفِهم ما يرونهُ جميلاً، ويُمزِّقوا البقية.

حيّاهُ الصبيُّ بالإشارة، فردَّ عليهِ والدهُ بالمثل، ثم جلسَ قُبالتهُ ولطَمَ جبهتهُ مرّتينِ مُعبّراً عن مللهِ ووالدهُ ينظرُ إليه، غضبَ الأبُ واحمرّتْ عيناه، رفعَ رِجلهُ مُهدّداً وحرّكَ نعلهُ يميناً فشمالاً، ارتبكَ الصبيُّ فأطبقَ يديهِ وأحنى رأسهُ معتذراً والدموعُ في عينيه، فتحَ الأبُ شفتيهِ من وسطها بأصابعِ يدهِ لتبرُزَ أسنانهُ الصفراء، فرِحَ الفتى وأقحمتهُ جرأتهُ ليستمرَّ بالمناقشة، فأشارَ إلى مبنى مجلسِ الإدارة، وإلى خروجِ شيءٍ من فمه، فهمَ الأبُ قصدهُ سريعاً، رفعَ الأبُ يديهِ نحوَ السماءِ ضارعاً، ثم أطبقَ يدهُ وحرَّكَ كوعهُ بسرعة، لم يفهمْ الفتى حركةَ أبيهِ الغريبة، فأدارَ والدهُ اللوحةَ التي كان يرسمُها والتي كانت عبارةً عن شيخٍ يحملُ على كتفهِ سلةً ويُمسكُ بيدهِ صبيّاً صغيراً ويسيرانِ على الماء، فأدركَ الصبيُّ ما يرمي إليهِ والدهُ فهزَّ كتفيهِ بحركاتٍ سريعةٍ معبراً عن سروره.

فجأةً سقطَ وابلٌ من المطرِ من السماء، رفعا رأسيهما متفاجئين، كانت غيمةٌ صغيرةٌ تغطّي بيتهما فقط، أحنى الأبُ رأسهُ نحوَ لوحتهِ، فوجدَ المطرَ قد مسحَ الشيخَ وابنهُ ولم تبقَ إلاّ السّلةَ وحدها مُعلّقةً في الهواء، وضعَ الأبُ يدهُ على أنفهِ مُعلناً استسلامهُ للقدر، وبكى الفتى حتى مسحت دموعهُ تراسيمَ فمهِ المتبقيّة....


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى