الخميس ٢٥ تشرين الأول (أكتوبر) ٢٠٠٧
بقلم محمد المهدي السقال

المطلقة

متعثراً في الإمساك بالهواء اللاهث من رئتيه، ألقَََََََى في وجهها بيمين الطلاق البائن ثم انهار فوق كرسيه المسند إلى الجدار.
مرتعش الأنامل يعاود محاولة زند عود ثقاب يعاند قلقه، ما تبقى في العلبة الثانية هذا اليوم، قد لا يكفيه لليلة ساخنة.

نفث عميقا وهو يسترق نظرة جانبية لانزوائها المفاجئ على غير عادتها حين يفرغ ما في جعبته من جام الغضب على احتقارها له، تثور’’ مليكة ’’ غاضبة من كل كلمة يتفوه بها مملوحة برائحة الخمر، فلا تراه إلا مستكينا يستنجد بحشر جسده بين العيال، أكثر من مرة، وجد في الصباح علامات تَمَكُّنِها من مواقع شتى في جسده، لا يسألها عن اليد التي عبثت لا يدري كيف بعنقه، يلعن الشيطان ثم يلوم نفسه على ما كان فيه من حالة السكر.
يحمل حزنه الدفين ليلقي به في بحر التناسي، حتى الرفاق الذين واسوه في البداية بعد فقدانه لعمله، تفرقوا شيعا بين دروب همومهم الشخصية، شعر بدفء غريب حين استمرت حياته في الشهرين الأولين، عادية بل أحسن، اتفقوا على تخصيص نصيب من رواتبهم لسد ثغرات الطرد التعسفي المشؤوم، في انتظار صدور الحكم، فابتهجت ’’ مليكة ’’ لتأمين مصروف حاجات البيت، سمعتها تدعو لهم إكبارا لمواقفهم، ثم سمعتها تدعو عليهم بالويل والثبور، حين توقف عون المساندة.

أصر على البحث لها عن أعذار تبرر عدوانيتها ضده، قبل أن يقرر عدم رؤية وجهها إلى يوم الدين، لكن قدميه تقودانه خطأ إلى البيت كلما أغرق في الشرب، من كان يتصور أن ’’ القاعسراسي ’’ بتاريخه النضالي في الحزب كما في النقابة، يمكن أن يأتي عليه يوم يخلط فيه كحول الحريق بماء الصنبور.

ارتحل للسكن مع الوالدة في دارها الموروثة أبا عن جد، تحتمل حماقته و تستر عورته إلى الغد، يصبح عليها بتقبيل اليدين ثم يعدها مخلا كعادته بعدم العود، سعت جاهدة للتوسط لدى زوجته، حاولت إقناعها بتفهم الظروف التي يجتازها بعد محنة الوجود فجأة بالشارع، لكنها ظلت تعود خائبة تجر حسرتها مرتين، تدعو على نفسها لكونها سعت في زواجه منها وإنجاب خمسة أفواه مشرعة للريح.
- قد كان عليه مداهنة الوقت، وليس تمثيل دور البطل النقابي : ألالاَّ يطلقني وخلاص.
كسا الدخان المنبعث من أنفه قبل فمه دائرة المصباح، استحضر تعجبه باستمرار كيف يسارع الدخان إلى معانقة التهاب الضوء كما تنجذب إليه الفراشات وهي سائرة إلى حتفها.

عاد للنظر إلى وضعيتها مرتكنة زاوية شبه مظلمة، أحس بنشوة الانتصار عليها لأول مرة، تسمع بعض تنهيداتها ممزوجة بحشرجات متقطعة، كاد يرِِقّ لحالها بعد سماع كلمة الطلاق، لولا أن سقطت جملة واحدة، كل صور المهانة التي تجرع علقمها بين يديها وهي تعيره بأسياده من الرجال الذين يقدرون الحياة الزوجية، وصفهم لها بالكلاب فزادت شماتتها به تعلو صراخاتها نبرة هازئة.

قبل خروجه ذلك الصباح، توعدها شرّا تلقاه بعودته، سخرت منه، غير أنها بقيت متوجسة بينها وبين نفسها مما يمكن أن يقدم عليه، في البداية فكرت في اجترائه على الانتحار، لكنها حين استذكرت وعيدها بالطلاق أكثر من مرة، تسرب إليها تخوف حاد، إلا إهانة الطلاق، وتملكها بالفعل فزع شديد.
قبل اكتمال دورة المزلاج، أسرعت إلى ركن تتخفى عن ناظريه، دلف في اتجاه المرحاض المهترئ الباب، رغم محاولة التستر بفتح صنبور الماء مرتطما بقاع السطل الحديدي، تجد غرغرة في البطن طريقها مع الريح إلى أذن مليكة كفحيح الثعبان، اتجه نحوها بكل ثبات تنذلق من فيه تلك الكلمة حادة كالسيف على عنق محكوم بالإعدام، ثم انهار فوق الكرسي المسند إلى الجدار.


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى