الخميس ٢٢ كانون الثاني (يناير) ٢٠٠٩
بقلم محمد الحريشي

الولي

لم تعرف الأم المسكينة ما الذي الم بوحيدها ...فمند ثلاثة أيام لم تدق وإياه طعم النوم .. كان يصرخ طوال الليل. دون أن تجد لمداواته سبيلا.

كانت ومع بزوغ فجر كل يوم جديد كانت تحمله متهالكا من السهر والبكاء إلى هنا وهناك باحثة بين نساء الدوار عن علاج لفلذة كبدها.

لم يكن يشكو من مرض ظاهر كل ما به أنه كان يبكي ويصرخ ويصرخ. كانت بين علاج وأخر تحاول استرجاع شريط الأيام الماضية لعلها تعرف علة الفتى...لم تطعمه غير حليب ثديها وبعض الخضار المسلوقة. كما انه لم يخرج سوى مرة أو مرتين محزوما فوق ظهرها إلى بئر الدوار.

في فجر اليوم الموالي حملت رضيعها على ظهرها وجرت اخوها الصغير بيدها، وشقوا طريقهم بغية الوصول إلى ضريح ولي من الأولياء في أعلى الجبل غير آبهين بنوائب الطريق.

كانت الأم تلقي بين الفينة والأخرى نظرة على وليدها تقلب حرارته وتحاول الإنصات إلى أنفاسه الصغيرة ..قبل أن تستأنف المسير...

بلغت وجهتها قبل إشراقة شمس ذلك اليوم، لتجد الكثيرين قد سبقوها إلى هناك..

نساء ورجال... تبدو على بعضهم علامات التعب

فيما استلقى المرضى منهم على الأرض ..

أو توسدوا حائط الضريح في انتظار أن يجدوا مكانا فارغا بالداخل...

توقفت الأم هنيهة قبل أن تجد هي الأخرى ركنا تتوسد إليه لترضع صغيرها العليل.

كانت تجلس بجانبها نساء أخريات تتجادلن أطراف الحديث عن العلل والأمراض والبركات.. حاولوا إقحامها في أحاديثهم فكانت تجيب بتثاقل مهموم...

بعد ساعة أو أكثر وبعد أن سلمت عند الباب ديكا وبعض الدراهم لمستوطني الضريح أدخلت صغيرها إلى الداخل وضعته بجانب القبة الخضراء ...

وجلست بجنبه تتوسل وتدعوا وتبكي.

كانت الصيحات تتصاعد من خلف الأبواب أصوات غير مفهومة ودقات طبول تتواتر مع ترانيم مرموزة.

بدأ الصوت يقترب رويدا رويدا ..فيما كفت الأم عن التمتمة بعدما شعرت بانقباض غريب في عروقها...فتح الباب فيما امتدت عيون الفتى إلى أخته الكبرى (الأم) تخلخل رأسها بشكل غريب وكأن عفريتا قد تملكها.

خرج من الباب رجال ونسوة يتراقصون بهمجية.. بعضهم يضرب الطبول فيما يحرك الآخرون رؤوسهم بعنف تارة لليمين وتارة للشمال.. بدأ المشهد يتسارع بشكل غير معقول دون أن يدرك الفتى ما الذي يحدث حينها ...فيما اتكأت الأم على ركبتيها محاولة النهوض بشكل هستيري.. بدأت تحرك رأسها محاكية هؤلاء الغرباء.

وقفت تتراقص بكل جسدها تحرك رأسها بيدها بعنف... وتقفز بخطوات قصيرة فيما تراجع الرجال إلى الوراء وبقيت هي وبعض النسوة يتراقصون وشعورهم تتدلى.

حاول الفتى التقدم لسحب أخته دون أن يستطيع عبور الزحام.

لحظة بعد لحظة بدأت الأم تتراخى وأخدت أنفاسها تتسارع حتى سقطت على الأرض بجانب رضيعها .... ليختفوا معا تحت الأقدام..


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى