الاثنين ١٤ أيلول (سبتمبر) ٢٠٠٩
بقلم علي عفيفي علي غازي

اليمامة الوحيدة

خرجت إلى هذه الدنيا وحيدة، فقبل أن تنعم بدفء الحياة، مع أسرتها الصغيرة؛ في حضن أمها الحنونة؛ في عشها الصغير؛ إذ هاجم البيت غراب أسود كبير، وأخذ يصيح بصوت شديد، وينقر الأم بمنقاره الحديد، فكان نصيب الأب ضربة قوية؛ هوت به إلى البرية، ومن ثم أسرعت الأم تلوذ بالفرار؛ فانقض ذلك الوحش الجرار؛ على شقيقها الأعزل من أي أسلحة دمار؛ أو حتى أسلحة دفاع؛ ولا جناح ليطير موليًا الأدبار، فخطفه وطار إلى بعيد وبعيد، وانتظرت هي الأم لتعود؛ ولكنها لم ولن تعود، وكأنها تلقت ضربة قوية؛ أصابتها بالمنية.

وهكذا وجدت هذه اليمامة، نفسها في الدنيا وحيدة، وكان ذلك أول عهدها بالحياة، حادثة مؤلمة؛ جعلتها تشعر بالدنيا غابة، يأكل القوى فيها الضعيف، وعندما أظلها المساء، وانتشر الظلام في الأرجاء، والبرد في جميع الأنحاء، شعرت بالخوف والرجاء، الخوف من الدنيا المليئة بالأشرار؛ والرجاء أن يتنفس الصبح بالضياء، لتبحث عن مكان أكثر أمان؛ إذ هاجم عشها ثعبان، جعلها تسقط على الأرض من الفزع، وهى تشعر بداخلها بالهلع، الذي يداخله شدة الجوع، وتحاملت الصدمة، وأثار السقطة، حتى نبت ريشها وترعرع، ريشها الأحمر الداكن، الذي ينم عن جمال كامن، فأسرعت تلوذ بالطيران، لتترك ذلك المكان، الذي يحمل الذكرى المؤلمة، لتلك الليلة المظلمة.

أخذت تطـير وتطـير بين الأشجار والزهور، وتعرفت على أحد الذكور، فقصت عليه قصتها، فتعجب من روايتها؛ لأن الشبه بينهما كبير، فتعانقا وقررا الهجرة، إلى بلد ليس فيه وحوش، بعيدًا عن الغراب، وبعد رحلة طويلة، جلسا على جزع شجرة يستريحان، من شدة المعاناة؛ فالجو شديد الحرارة، والمسافة قاصية، وبينما يتبادلان الأحلام، عن بيت صغير يجمعهما في سلام، سمع دوى انفجارات، فقال لها إنها الاختراعات، التي اكتشفها ابن آدم ليقتل أخاه، فتساءلت متعجبة أيقتل الواحد أخاه، قال لها نعم عند بني البشر.

وبينما يتبادلان الحديث؛ إذ هوت قذيفة على جزع الشجرة؛ وطار كل واحد في اتجاه؛ ليبحث عن النجاة، إلا أنها كانت تشعر أنها لن تراه، وانتظرت لساعات وساعات؛ ودموعها تنهمر؛ وقلبها يعتصر، وبحثت عنه بين المخلفات، فوجدت القذيفة حولته إلى أشلاء؛ وقطع صغيره، متناثرة في الأرجاء؛ وفي جميع الأنحاء، فاعتصرت آلامها؛ واحتبست دموعها، وطارت إلى بعيد، إلي مكان تجد فيه الأمان، بعيدًا عن بني الإنسان.

أخذت تطير وتطير؛ وبداخلها حزن دفين، وهى تصرخ صرخات مكتومة، وتتأوه آهات مكبوتة، ومن شدة الآلام سقطت فجأة في مكان، عبارة عن صحراء جرداء، لا زرع فيها ولا ماء، والحرارة شديدة، ولا شجرة تستظل بظلها، والعطش يعصف بها، في ذلك المكان المهجور، من كل مخلوق، وفى لحظة واحدة استعادت ذاكرتها العش الصغير، وأمها وأبيها يخرجان مبكران، ليبحثان عن الطعام، لتظلها فجأة سحابة سوداء، تعكر صفو حياتها لتصبح وحيدة، ثم تذكرت رحلة الآمال، مع فتى الأحلام، لتوقظها القذيفة، وتفارق الحياة.


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى