الاثنين ٢١ شباط (فبراير) ٢٠٠٥
بقلم عمرو محمد عيسوي

بَيْتُ الحَاجّ عَرَبيِ

مَا أَجمَلَ ذَلِكَ المَكَان! مَا أَطْيَبه! لَكِن قَدّ لَبِسَ رِدَاءاً مِنْ تُرَاب...
إِنّهُ بَيِت لمّ الشّمْل، شَمْل العَائِلةِ كُلها، أَبي و أُميِ و أخوَتي... شَيٍء لا يُصَدِقه عَقْل!! مَا هَذَا المَكَانُ المُوحِش؟ و مَاَ هَذَا السكُون الخَانِق؟ أَخْشَى لو عَطَسْت لَثَارَت عَاصِفةً مِنْ تُرَابِ تَقْضيِ عَلّي... هَلّ هَذَا القَبْر كَانَ نُور شَمْس العَائِلةِ يَوْماً مَا؟

نَعَم !!! إنّ هَذَا القَبْر كُنّا مُجْتَمِعين فِيهِ كُلنا، نَعَم كُلنا، أُمّي و أَبي و أخوَتي... كَاَن عَدَدنا 22، كَانَ عَدَدنا كَبير، كَانَت أُمّي تَخْشىَ الحَسَد، فكَانَت دَائِماً مَاَ تَغْلق بَابَ هَذَا الدّار.

كَاَن هَذَا البَيْتُ تَنّور يَشِعّ حُباً و إِخَاء، كَانَ مِصْباحُ يَهدِينِي حِينَ أَكُونُ مُرْتاَباً، كَانَ بَيْتنَا هَذَا بَيْتُ أَلُوذُ إِلَيه وَقْت خَوْفِي، بَيْتَنا هَذَا كُنْتُ أَرْتَمي فِي أَحْضَان جُدْرَانه حِينَ كُنْتُ أَبكيِ، بَيْتنا؟؟ ... بَيْتنا هَذَا كَاَنَ صَدْراً يَجْمَعُنا كُلّنا فِي أَحْضَانهِ، كُنْت أَشْعُر بِحُزْنهِ فِي أَوقَاتِ حَزَنِنا، فَأجِدَ جُدْرَانَه تَعَتّمَت و مَصَابِيحَهُ خَمَدَت، و كُنْت أَشْعُر بِفَرحهِ أَوْقَات فَرْحِنا فَأَرىَ جُدْرَانه تَتَلوّن بَألْوَانِ البَهْجةِ و السُرُور، و مَصَابِيحهُ تُشِعّ نُورَ الحُبِ عَلَيْنا جَمَيِعاً، كَاَن لَيْس بَيْتاً و إِنّمَا أُماً و أَباً و وطناً.

كَاَنَ عُمْرِي 9 سَنَوَات، و كُنْت أَكْبَر أُخْوَتيِ، لَا أَذْكُر أَنّ هُنَاكَ أَحَداً كَانَ يَبْغَض الآخَر فَهَمنّا كاَن وُاحِد و اهْتِمَامَنا واحِد، و هَدَفَنا واحِد و هُوَ الارْتقِاءَ بهِذَا البَيْتُ ليَكُوُن نَمُوَذَجاً لبَيْتاً أُسَرَياً مِثَالياً فِي الحُبْ و التَرَابُط، مِثالياً فيِ حَلّ المَشَاكِل و الأَزَمَات...

كاَن أَبيِ يَبْلُغ مِنْ العُمْر حِينَها 32عاماً و أُميِ 28.. و كَاَن عَددَنا أَنَا و أُخْوَتي حِيَنها 11 أوْلاداً و بَنَاتاً، تَرَبْيناَ عَلَى الوَفَاء و الإخْلاص و الحَياَء، و كَاَنَت أُميِ تُنْجِب طِفْلاً كُلّ عَام تَقْريباً، وكَاَنَ الله واَهباً لَهَا صِحةً تَكْفيِ لإنْجَاب شَعْب بِأَسْرِه، كَاَن أَبيِ فَلاّح ، و يَمْلِك عَدَد مِنْ الفَدَاَديِن، يَقُوُم بِرعَايتِها و زِرَاعَتِها هُوَ و بِمُسَاعَدة بَعْض الفَلاّحيِن الفُقَراء الذَين يَقُومُون بِالعَمَل فِيهَا، و هَي ِمَصْدَر قُوَتنِا.

كَاَن يَأخُذَنيِ أَبيِ مَعَهُ دَائِماً إِلىَ مَزَارِعَهُ لأَرَى آليةَ العَمَل كَيّ أَتَجَرّع مِنْ خِبْرَتِهم فيِ مَجَال الزِرَاعة و الفِلاَحة.. كَاَن يَأخُذَني أَنَا فَقَط، فَأِخْوَتي كَانَوا لمَ يَزَالوُا صِغَار الأَيْديِ .

كَاَن أَبيِ حَريِص عَلَى أَنْ يُنْجِب رِجَالاً يَحْمِلون هَمّ البَيْت و هَمّ أَرَاضِيه ويَقُومُون بِإدَارَتها، و مَرّت السنون إلى أَنْ أَصْبَحَت ابنْ 30 سَنة، فَزَاد عَدَدَنا و امْتَلأ الدّاَر الوَاسِع، كَانَ بَيْتنا حِيَنها يَنْبِض بِرُوح التَرَابُط و الوِد ، كَانَ بَيْت أُنسٍ مِنْ الدَرَجةِ الأُوُلَى، فَأَنَا أَعْرف بَعْض الأَقَارِب كَانَوا يَحْرِصُون عَلَى زِيَارَتِنا لِيَأنَسُوا بِنَا و بِهَذَا البَيْتُ المَعْمُور بِأَهْلِه، فَأَحّمَد يَنْصِحُ سَمَير، و مَحْمُود يَشْكُو لِحَنَان، و عَادِل يَتَحدّث بِصَوْته العَاليِ مَعَ أَشّرَف و هِشَام فِيِ هَذَا الرُكْن دَائِماً جِوارَ الرَادْيو الكَبَير, أَمّا رَاميِ فَكَان داَئِماً ما يُشَاكِل مَرْوة و فَاطِمَة فَيَأتْوُن يَسْتَصِرخُون، فَتَأتيِ أُمّيِ تَلْكُمَه لَكْمَة لاَ يَسْتَطِيع فَتْحُ فَمَه بَعْدَها، أَمّا هُنَا فِي الغُرْفة الوَاسِعة فَكَانَت مَهَا و سُعَاد و أَمَيرِة، أَعْمَارَهُم عَلَى التَوَالي، و هَذَا الدُولاَب ... يا لَهُ مِنْ دُولاَب! فَقَدْ وَجَدتْ فِيِه جَوَاباً غَرَامِياً يَوْماً مَا، و فَتَحْتَهُ فَوَجَدْت الإِمْضَاء عَلَاء، إِنّهُ شَاَب طَلِيق البَصَر إلىِ حَسْنَاء الجِيَران، و أَتَذكّر يَوْمَهَا أَنّ الوَالِد نَادَاهُ بِالأَمْس بِخُصُوص ذَلِك الجَوَاب و أَعْطاَه دَرْساً خُصُوصياً لمَ ْيَنْسَاهُ أَبَداً، أَظُنّ أَنْ الدَرْس كُلّه كَاَن عَلَى رَأسِه، أَمّا هَذَا البَهْو الوَاَسِع فَكَان دَائِماً مُضَائَاً، فَكَان المَطْبخ، حُجْرَة العَمَلِياتِ الخَاصّة، فَعُمّال هَذَا المَكَان كَانُوا حَرَيم البَيْت، و هَذَا البَاَب الطَوَيل هُوَ بَابَ البَيْت، كَانَ أَبي يُحِبهُ مَفْتُوحاً دَائِماً للزِوُار، لَكِنّ أُمّي كَانَت كَثَيراً مَاَ تَتَشَاكَل مَعَهُ بِسَبَب فَتْحُه لِلبَابِ طُوَال الوَقْت، فَكَانَت دَائِماً إِذَا ماَ رَأَتهُ مَفْتُحواً تَغْلِقهُ، خَوْفاً مِنَ الحَسَدِ، أَظُنّك إِنْ وَقَفَت خَارِج البَيْت و نَظَرْت عَلَيه مِن الخَارِج لَوَجَدتّه يَتَمَايل يَمِيناً و شَمَالاً مِنْ كَثْرةِ الأصْوَات بِدَاخِله، و كَثْرة دَبيِب الأَرْجُلِ فِيه، و لكنّه فِي الوَاقِع يَتَمايَل فَرَحَاً و رِضاً بِأهْله فَهُو لَيْس بَيْتاً مَيْتاً، إِنّما بَيْت مُفّعَم بِالحَيَوية و الإِشْراق...

كَاَن أَبي رَجُلاً صَالِحاً، يَمْتَاز بِشَكْلِه المتُنَاسِق، و جِلْبَابه الْلَبَني و فَوْق كَتِفَيه شَالُ مُزَخْرَف، و فَي يَدِه اليُمْنى سِبْحةً طَويلة، فَقَد كَانَ كَثَيراً مَا يَقَولُ بِصَوْتٍ عَاَل فيِ أَيِ مَكَان "سُبحَانَكَ يا سُبّوح يا قُدّوس" ...

كَانَ قَدْ كَتَبَ لِكُلّ وَلَدَ و بِنْت نَصِيبهُ مِنَ الأرْض، كَيِ لاَ يَضِيعَ حَقّ أَحَد بَعْد مَوْتهِ، أو خَشْيةَ أَنْ يَضَيع حَقْ البَنَاتِ مِنْ الذُكُور، كَانَ كُلّ منّا يَعْرِف أَنْ لَهُ نَصِيب، و لَكَن أينَ لا أَحَد يَعْرِف، فَلا أَحَد يَهْتمّ أيْنَ نَصَيبه، فَالأرْض واحِدة، و كُلّنَا نَعْمَل بِهاَ بِيَد واحِدة، و الخَيْر يَعُمّ عَلىَ الجَمَيع..

لاَحَ اسْمُ عَائِلة الحاج عَرَبي فِي سَمَاءِ بَلْدَتِنا، فكَانت بَلْدَتِنا مُمَيْزة بِاسْم بَلْدِة عَائِلة العَرَبي، أَخَذ الخَيْر يَتَدَفّق عَلَى أَفْخَاذِنا كَمَا لو أنْ الله فَتَح عَلَيْنا بَابً مِنْ أبَوابِ الجنّة، و رَغَم أَنّ اللصُوص و عَدِيمُوا الضَمِير مَاَ أكْثَرَهُم، فَلَقد تَعَرضَت أَرَاضِيناَ إِلىَ السّلْبِ و النّهْبِ كَثَيراً، لكنّ بِرِعَايةِ الله كُنّا مَنْصُوريِن، فالحَقُ مَعَنا، فالكَثَير يَغِيرُ و يَحْقِد عَلىَ مَا مَعَنا مِنْ خَيْراتِ الدُنْيا الزَائِلة، و كَيِفَ لا يَنْصُرُنا الله، فكَانَ رَبْ الأُسْرة رَجُل يَبْدأ يَومِهِ بِلاَ إلهَ إلا الله، و يَخْتِمَهُ بِالحمْدِ لله، و أوْلاَده كُلّهم مُلّتَفّون حَوْله يَقْتَدَون بِه، وهُوَ مَثَلَهُم الأعْلَى، نَعَم فلاَ أَتَذَكّر أنْ هُنَاكَ أَحَداً مِنّا حدّثَتَهُ نَفْسَه أنْ أبِيناَ كَانَ رَجُلاً رَجْعيِ أو مُتَخَلّف و لا يُواكِبُ تَقَدُمّ العَصْر، و لَكِن كُنّا كُلّنا سَائِروُن خَلْفَه فيِ طَريقِ الحَياةِ مُمْسِكُون بِطْرف جِلْبَابَهُ، و قَد لَفَتتَ أنْظَار نَاس البلدةِ أَخْلاقُ أَبيِ الحَمِيدة.

و أَنْشَأتْنا مَدْرَسة أُمّي ، هَذِه الأُم التيِ لمْ أَرَى عَليْها شَاَمَات الزّمَن، فَقَد ظَلّت أُمّ مُعَافِيةً مُخْلِصة مُتَدَيْنة، فَمَا زَال صَوْتِها الأُنَثويِ القَويّ يَتَردّد عَلَى مَسَامِعيِ حِينَ كَانَت تَقِف بِغُرْفةِ العَمَليِات الخَاصّة أَيّ المَطْبَخ، و تَقّرأ كِتَابَ الله، و كَانَت كَثيراً مَاَ تُخْطيء فيِ التِلاوةِ، فَيَضْحَكوا أَخَوَاتي البَنَات فيِ المَطْبخ، فَتَمِسكُ أُمّي بِالمَغْرَفة و عَلَى رَأسِ أُخْتيِ الكَبِيرة حَنَان، فيَعْلوا صَوْتُ الضَحِك و المُزاح فيِ المَطْبَخ، كَمَا لو أَنّهَم قَدْ نَسوا مَاَ وَظِيفَتهِم فيِ هَذَا المَكَان.

تَزَوجَت أُخْتيِ الكَبِيرة حَنَان، و كَانَ حَفْل الزِفَاف يُحِيطُ بِالبَلْدة بِأسْرِها، و مَنْ فيِ البَلْدَة لاَ يَعِرف حَنَان الابْنة الكُبْرَى للحَاج عَرَبي، و كَانَ احْتِفَالاً جَمَع كُلّ أهْل البَلْدةِ صِغَارِها و كِبَارِها و شَبَابِها، ظَلّت البَلْدة عَلَى أَثَر هَذَا الاحتِفَال يَتَحدّثَون عَنْه مُدّةَ أُسْبُوعَين...

تَزَوَجَت مَهَا و أَمِيرَة فِي يَوْمٍ وَاحِد، ثُمّ وَاحِدةً تِلوَ الأُخْرىَ، نَعَم أَخَذ البَيْت يَتَناقَص فَرْداً فَرْداً، و لَكِن لَمْ يَتَزَعْزَع البَيَتُ مِثْقَالَ ذَرّة، فَكَانُوا أَخَواتيِ اللاَتيِ تَزَوجْن دَائِماً مَاَ أَجِدَهُم فيِ البَيْت، فَأَزْوَاجُهنّ يُحِبّون دَائِماً أَنْ يَسْتَمتِعوا بالجُلُوسِ وَسَط عَائِلة الحَاج عَرَبيِ.

قَدْ تَعَيّن أَبيِ بِمَنْصِب شَيْخ البَلَد، بَعْد انتِخَاَباَت لمَ يُنَافِسَهُ عَلَيْها أَحَداً قَطْ، و بَعْدَها أَخَذ أَبِي فيِ الانْشِغَال قَليِلاً عَنْ الأَرْض، و كُنّا نَقُوُم نَحْنُ أَناَ و أخْوَتيِ بِرِعَايَتِها، و الِإشْرَاف عَلَى العُمّالِ الفلاّحِين بِها، و الِإشْرَافِ عَلَى الرّي و الحَصْد و التَوْزِيع و الِإدَارةِ المَالِية ، نَعَم ! كَاَن العَمَلُ كَمَا لوْ أَنّه فيِ وِزَارةِ الزّراَعة و الرّي.

كُنّا نُصَلّي جَمِيعاً أَناَ و أخْوَتيِ فيِ مَسْجِدِنا مَسْجِد الحَاَج عَرَبيِ الفَجْر، و نَهِمّ إلىِ الأَرَاضيِ نُتَابِع السيْر هُنَاك، و نَعُود مِنْ العَمَلِ فيِ حَوَاليِ السّاعَة الثّانِية ظُهْراً، فالعَمَل أَصْبحَ مَا هُوَ إلّا إِشْرَاف، لَكِن كُنّا نَتْرُك أَحَدَنا هُنَاك بِالغُرْفةِ الِإدَارِية لِيَتَقَدم الشّكَاوىِ و الطَلَبات... كَاَن ذَلِك الذَيِ يَجْلِس بِهَذَا المَكَانُ يَتَغّير يَومْياً بَيْنَنَا ...

و فيِ يَوْمِ لا يُنْسىَ، طَلَب ِمنّي أَبيِ أَنّ يَجْتَمِعُ بيِ أَناَ و أُمّيِ بِالأَمْسِ فيِ أَمْر ضَرُوريِ، دَبّ القَلَقُ فيِ قَلْبيِ، و حِين جَاء المَسَاءُ، قَاَل ليِ أَبيِ (بُص يابني، انت كِبِرِت و مَا شَاء الله بَقِيت سِيْد الرجّالة كِلّتّهُم، أي نَعَم أنا رفضت أجوزكم بدري، بسّ مَعْلش بَرْدُه، عَشَان أَوَدِّكّوا شوية في الدِنيا دي، و تِتّعَلّمُوا حَاجَة تِنْفَعكوا من بعدي، و عَشَان أَطَلّعْكوا رِجّالة تِعْرَفُوا تِبْنوا مِنْ بَعْدي الهَرَم اللّي بَبْنيِ فيه مِنْ صُغْري، فَأَناَ يابني شُفْتِلَك عَرُوسة بِنْت حَلاَل، مِنْ أَصْل طَيْب و مِنْ أُسْرَة طَيْبة، سِتّ السِتّات زَيّ أُمّك كِدة يا ولاَ) فَضَحِكَتْ و نَظَرَت إلىّ أُمّيِ فَرَأْيِتَهَا تَنْظُر إلى مُبَتَسِمة، فَقَالَ أَبِي (أَهِي عَامْلة مَكْسُوفَة) فَضَحَكَت أُمّي و عَلاَ صَوْتُها بِالضَحِك قَائِلة (كَفَاكَ يا عَرَبي، مِشّ قُدّام الوَاد) فقال أبي (لآ ، لازِم يِعْرف مَعَزِتِك عَنْدِنا كُلِنا يا أُم كَمَال، ... ) فَأخذْتُ أُفَكّرِ قَليِلاً فيِ التيِ أخْتَارَها أَبّي حتّى قَالَ (المُهِمّ يابني، أَنَا اخْتَرتِلَك البِتْ صَفَاء بِنْت الحَاَج عَبْد الحَمِيد، عَارِفْها أَكَيد) فَأحمّر وَجْهيِ و كَادَ قَلبيِ يَنخَلِع منْ السَعَادةِ، فَهيِ حَقاً امْرأةً جَميِلة، فَقُلْت (لاَ، أَنْهيِ واحدة يابا، بَنَاتُه كتير) و لَكْن َلنْ تَخِيلَ عَلَى أُمّي فَأحّرَجَتْنيِ قَائِلةً (شُوُف الواد اللّي وِشّة احْمرّ مِنْ الكُسُوف!!! دَه لِسّه سَائِلْنيِ عَالِيهاَ الأُسْبُوع اللّي فَات دَاهوُ، صَحّ يا وَاد و أَلا أنَا كَدّابه ) فَعَلا صَوْتيِ بِالضَحِك و قُلْتُ رُبّما..

حَدّدَ أَبيِ مِيعَاد الفَرَح، و كَانَ يُرِيد أَنْ يُزَوِجّ عَادِل و أَشْرَف مَعيِ فيِ نَفْسِ اليَوم، لَكِنّهُ قَالَ ابْني الأَكّبَر يَجِب أَنْ يَتَزَوج فيِ يَوْمٍ وَحْدَهُ... يا لَهَا مِنْ أَيامٍ دُفِنَت مَعَ أَهْلِهَا ....

أَصَرّ أَبيِ أَنْ نَتَزوّج كُلْنُا فيِ الَبْيتِ الكَبيرِ، مَعَهُ، كَيِ لاَ يُفَرّقُنا الزَوَاجُ، و كَيّ تَكُون زَوْجَاتِنا تَحْت رِعَاية و إِشْرَاف أُمّي... و بِالفِعْل مَنْ يَتَزوّج كَانَ يَضُمّ أُسْرةً جَدِيدة إلى العَائِلة ...

أنْجَبْت وَلَد بَعْد عَاَم و نِصْف مِنْ زَوَاجيِ مِنْ زَوْجَتيِ الكَريمة، و أصْرَرْتُ عَلَى أَنْ أُكَمّل تَعْلِيمَهُ إِلىِ النِهاَية، فَأَبيِ لم يَجْعَلَنا نُكَمّل تَعْلِيمَنا حَتّى لاَ يَشْغلنا عَنّ عَمَلِنا، فَكُلّنا أَخَذْنا الشّهَادةَ الثَانَوية و لم نُكْمِل، أمّا أُخْوَتيِ البَنَات فَأَخَذوا الشّهَادَات الِإعْدَادية فَقَط...

أشْتَرى وَالدِي عِشْرين فَدّاناً و ضَمّهُم إِلىِ أَرَاضِينا، فَأصْبح مَجْمُوع الِمسَاحة الكُلّية، خمَسة و أَرْبَعين فَدّاناً، باسْم الحاجّ عَرَبيِ.
و جَاءَ ذَلك اليَوْم ... نَعَم جَاءَ ذَلك اليوم فَكُنْتُ أَحْياناً أَرَاهُ فيِ كَوَابيسِ أَحْلاَميِ و أَقَوم و أَتْفُل عَلَى يَسَاريِ ثَلاثاً قَائِلاً أَعُوذُ بِالله مِن الشّيْطَانِ الرَّجِيم ....

هَذَا اليَوْم ... أَتَذَكّر اليَوْم بِالسّاعةِ و الدَقِيقة، سَاعة مَوْت أبيِ الحَبِيب، مَاتَ مِن أَثَر هُبُوط حَاد فيِ الدَوْرة الدَمَويِة، و قَدْ جَلَس مَعَنا قَبْلَها بِيَوم فيِ حُجْرَتهِ الوَاسِعة، و كُنّا كُلُنا مَعَهُ فيِ الحُجْرةِ و أُميِ جِوَارِه، و كَانَت الزّوجاتُ أَيْضاً بِالحُجْرةِ، عَدَا زَوْجَتيِ فَكَانَت مَشْغُولة بابْنَتي الصَغِيرة فَكَانَت حَرَارَتِها مُرْتَفِعة و لاَ تَتَحَرّك، فَشَرعْت بالنَظَرِ إلي أَبي لأمْلأ عَيْنايِ مِنْه قَبْل أَنْ يُغَادِرَني أَبيِ الحَبيِب، أَنْظُر إِلىَ عَيْنَاه الوَاسِعَتَان، و جَبِينَه العَريِض تَتَوسّطَهُ زَبِيبةُ صَلاَتِه مَحْفُورة عَلاَمة أَمَام رَبّهِ عَزّ و جَلّ إِنّي مِن المُصَلّين، أَسْتَمِعُ إِليه فيِ إِنْصَات شَديِد، و هَوُ يَقول (... مَا يَغُرَّكُم كَلّ مَا بَنَيْناه، صَدّقُونيِ يا أَوْلاَد كَلّ شَيٍء زَائلِ، كَمَا أَنّنا كُلّنا زَائِلون، الجِنيِه فيِ اِيدَك النّهارده، بُكْره مِشّ مَعَاك، مَا بِيْدُوم إلا العَمَل الصَالِح و دُعَائِكُم يا أَوْلاَديِ بَعْد مَوْتيِ، خَللّيِكو كِدَة مَعَ بَعْض "واضِعاً كَفّهُ الأَيْمَن عَلَى كَفّهِ الأَيْسَر بِقُوّة" مِشّ عَايِزكوا أَبداً تَنْفكّوا، بَيْت الحاَج عَرَبي يِفْضَل زَيّ مَاهُوَ مِن بَعْدي) و نَظَر إليِ قَائِلاً (و أنْت ياَ كَمَال، أُوْعىَ تِنْسى أنّك رَبّ هَذِه الأُسْرة بَعْديِ، خَللّي بَالكوا مِنْ أَرْضكوا و أوْعُوا تِفَرّطوا فيِ شِبْر مِنْها، انْتوا عاَرفِين حَقِّنا مِنيِن لِفيِن، و أَنَا مِشَ عَايِز أتْكَلّم عَن الوِرْث، كَيِ لاَ أَشْعُر بالتَفْرِقة بَيْنَكُم، فَأَنا عَارِف إِنّ حَاجتِين بَسّ اللّي حيِجمَعُوا شَمْلَكم، البَيْت الكَبَير و الأَرْض، لَكِن سُنّة رَسُولِ الله أنيِ يَجِب أَن أَكْتُب وَصّيتيِ، و عَشَان كِده أَنا كَتَبْتَها مِن يُومِين... و وضَعْتَها مَعَ أُمّكم، أَمّا أُمّكم فَهيِ فيِ أَعيُنِكُم) فارَتَمت أُمّي عَلَى أَبيِ بَاكِيةً (ياَ حَاج أَنَا مَعَاك أنْت، و مَاتقولش كِده دَه شُوية تَعَب و حايروحوا بِإذْن الله) ثُمّ نَظَرَت إِليْناَ تَقُول (يالاّ يا وَلَه أنتَ و هو، يالاّ مَافِيش حَاجة أَبُوكو تَعْبان شُوية، يالاّ سِيبوه يِرْتَاح) ..

و فيِ صَبَاحِ اليَوْم التََاليِ، صَحَوْت عَلَى صِرَاخِ أُخْوَتيِ، كُنْت عَلَى السَريرِ نَائِماً، فَصَرُخ قَلْبي مَعَهُمّ، أَخَذَ صَارِخاً مَا بِكُم ما بِكُم، مَعَ أَنّي أَعْلم مَاذَا حَدَث لَكني لا أريد تَصْدِيقَهَا، أُريدُ أَن أُكذِّب أُذُني، حَتىّ جَائَت لَيْلى اُخْتيِ و ارْتَمَت فيِ صَدْريِ (الحقْنِي يا كَمَال !!! بَابَا مَات، الحَاج مَات.....) و أَخَذْتُها فيِ صَدْريِ، و نَظَرتُ إِلي جَدرانِ البَيْت، لأنّه هُوَ أوّل مَا خَشَيْتُ عَلَيه، هُوَ هَذَا البَيْت الحَيّ ، فَوَجَدْت عَائِشة و فَاطِمة جَاءُوا يَسْتَصِرخُون بيِ و لَيْلى فيِ صَدْريِ قَائِلين (الحاج يا كَمَال !!! ) ، عَلِمَت البَلْدة بِالأمْر، و كَانَ الخَبَر كَالدَاهِية المُدَويةِ عَلَى رُؤُوسِ أَهْل البَلْدةِ كُلِها.
أمّا أُمّيِ فَكَانَت مُتَمَاسِكة، تَدْمَع عَيْنَها فيِ سُكُون، و ماَ هِيَ إلاّ سَنَتيْن حَتّى وَجَدْت أُمّي طَرِيحة عَلَى سَريرَها، و قَدْ تَوَفّاهَا اللهُ المَوْلى، و هَي مُتَبَسِّمة ، و لم تُعَانيِ مِنْ مَرَض حَتَى يَوْم وَفَاتِها و لم يَظْهْر عَلَيْها أَيّ مَظَاهِر العَجْز.

كَانَ مَوْتُ أَبَي و أُمّي حَادِث مُفْجِع عَلَيِنا كُلّنا ، و مَرّت السنون.
أَلَحّت زَوْجَاتُ بَعْض أُخَوتِي ، عَلَى أَنْ يَبْحثوا عَنْ شُقَقَ بِالمَدِينة، لَكِنّي أَنْكَرْتُ ذَلِك عَلَى أُخوَتيِ، و لَكِنّهُم أَصّروا و اسّتَكبَروا اسْتِكباَرا، و قَاَلوُا (إنّ خُرُوجَنَا مِن البَيْت لَيْس هُو تَفَكُّك، بَل إن التَرَابُط مَعناً لَيس فِعْلاً ).. حَتىّ خَرَج مِنْ البَيْت وَاحِد تِلو الآخَر ... و تَمُر السنون.

حتّى وَجَدْت نَفْسيِ وَحْديِ هُنا أَنَا و زَوْجَتيِ المُخْلِصة، أَسّأل اللهَ أَن يُعَافِيها و يُدِيم ليِ فيِ عُمْرهَا، و أَوْلاديِ الخَمْسة.
كَانَوا أُخوتيِ يَزُورُوني كَثِيراً، فيِ الأسْبوع، و أُخْوتَي البَنَات كاَنوا كَثَيراً مَاَ يَأتُون فَكَانوا كُلّهُم يَسكُنون جِوار الدّار.

و فيِ يَومٍ، وَجَدْت سَاعيِ البَريِد يُسَلّمُني رِسَالة مِن أَحَد أُخْوَتيِ فيِ المَديِنة، يَقُول أَنا أُرِيد أَن أَنْسَحِب مِن العَمَلِ فيِ الأَرْضِ، أُرِيدَ نَصيِبي فيِ الأَرْضِ فَقَد وَجَدْت مَشْروعاً سَأُشَارِك فِيهِ أَنَا وصَدِيق فَأحْتَاجِ نَصيِبي مِن الأَرْضِ، و بَعْد كَثِير مِن الإِقْناعِ عَلى ألاّ يَتْرُك الأَرْضَ، إلاّ أَنّهُ رَفَض .

و أَخَذَ أَخَيِ الثّانيِ هُوَ الآخَر يَطْلُب نَفْس الطَلَب، يُريِد أَخْذ نَصِيبَه مِنْ الأَرْض فَيُريِد أَن يَبْنيِها مَنْطِقَة سَكَنيِة، و الثالِث و الرّابِع ، أَخَذوُا مُعْظَمَهم نَصِيبَهُم عَلَى حَسَب الوِرْث، فَتَبَقّى سِتّة أَنَا مِن ضِمْنُهم، فَقَالوا ليِ نَحْن نَرَى أَنْ العَمَل وَحْدَنا لاَ يَكْفي، فانْقَسَمنا و أَخَذ كُل واحِد مِنّا حَقّهُ.
فأَصّبَحْت دُونَ عَمَل، فَكَانَت الأَرْض هيَ عَمَليِ الوَحَيد، فَجَائَتْني فُرْصة للعَمَل بِالخَارِج فيِ المُقَاوَلات، فَأَخَذْتُ رَأيِ زَوْجَتي، فَوَافَقَت بَعْد تَرَدُد فيِ أَنْ نَتْرُكَ البَيْت، و سَاَفَرْنا، و عَمَلتُ هُنَاكَ مُقَاوِل كَبَير و وَظّفْتُ أَمْوَاليِ فيِ هَذَا العَمَل، حَتّى فَتَح اللهُ عَلّي مِنْ أَبوُابِ خَيْرَاتهِ، و اشتَغَلْت هُنَاك سَبْع سِنيِن، كُنْت أَطمَئِن عَلَى أُخْوَتيِ بِالهَاتِف، و أَحْيِاناً هُمْ يَتّصِلوُن بيِ، و فيِ غُرْبَتي أَنَا و زَوْجَتيِ و أَوْلادِي هُنَاك، شَعَرْتُ بِالغُرْبة المُوحِشة، اشْتَاق قَلْبي كَثَيِرا إلىَ بَيْتِ أَبي ، فَكَثِيراً مَاَ كُنْتُ أَحْلُم به فيِ مَنَاميِ ، البَيْت ، أَبيِ، أُميِ، أُخْوتيِ كَثَيروُا العَدَد ، الأَرْض، العَمَل ، الفَلاّحِين ........ كُنْت أَقَومُ مَسْرُوراً مِنْ نَوْميِ .

و بَعْد سَبْع سِنيِن مِن غُرْبَتي قَرّرت زِيارِة بَلْدَتيِ، فَعُدْت بِأُسَرَتيِ مُسَافِراً إليِ بَلْدَتنِا، فَمَا أَنْ دَبّت قَدَميِ فيِ البَلْدةِ حَتّى وَجَدْت قَلْبيِ يَرْتَجِف، و كَلّمَا اقْتَرَبت مِنَ المَكَانِ الذَيِ فِيه البَيْت كُلَّمَا أَخَذ قَلْبيِ بِالنَبْضِ سَرِيعَاً ، كُنْتُ قَد وَصَلْت هُنَاكَ بِالصَبَاحِ البَاكِر، و مَاَ أَنْ رَأَيْت البَيَتَ مِنْ بَعِيد حَتّى وَجَدْت صَدرِي يَرْتَعِش رَعْشة الطِفْلِ الذَيِ يَشْعُر بِالبَرْد، يُرِيد صَدريِ أَنْ يَجْهَشَ بِالبُكَاءِ، أَخَبَرتْني زَوْجَتَي أَنّها كَانَت تَتَكلّم مَعيِ حِيَنهاَ، لَكنّيِ كُنْتُ حِيَنهاَ أَصَمّ لاَ أَسْمَع، حَتّى فَتَحْت البَيْتَ فَانْفَجَرْتُ بِالبُكَاءِ (أُميِ!!!!! أَبيِ !!!!!) و هَرْوَلْتُ عَلَى حُجْرَةِ أُمّيِ و أَبيِ و أَخَذْتُ أَبكيِ دُمُوعاً تَفِيض كَفَيضانِ النّيلِ قَبْل السَدّ، فَرأوُنيِ أَوْلاَدِي أَبْكيِ، فَأَخَذَتْهُم زَوْجتيِ خَارِج البَيْت، ثُمّ وَقَفْت بِالبَهْو الوَاسِع، و نَظَرْت إلىِ البَيْتِ، مَاَ هَذَا التُرَاب، يا رَبّيِ؟؟؟ هَلّ هَذَا .... هَوْ بَيِت الحَيَاةِ؟؟ أَرَى البَيْتَ يَلْبِسُ لِبَاساً أَسْوَداً ، مَاَ هَذَا المَكَانُ المُوحِش؟ و مَاَ هَذاَ السّكُونُ الخَانِق؟ أَخْشَى لَوْ عَطَسْت لَثَارَت عَاصِفةً مِن تُرابٍ تَقَضي عَلّيِ... هَلْ هَذَا القَبْر كَانَ نَورُ شَمْس العَائِلة يَوْماً ماَ؟ نَعَم كَانَ نَور ....... كَانَ نُور ، فَبَعْد أَنّ تَفَرّقنا و أَخَذ كُلّ مِن أُخَوتيِ يَنْظُر إلىَ نَفْسِه و إِلى نَصِيبه تَمَزّق شَمْل البَيْت ، تَمَزّقناَ، كَانَت البَلْدةُ تَنْظُر إِليْنا بِهَيبةٍ لاَ مَثَيِل لَهاَ، فَأَصّحَاب البَيْت ذُو قُوةٍ و نُفُوذ، لَكِن !! أَضَاعوُا كُلّ شَيء الآن . و إِذَا مَاَ تَكَلّمْت مَعَهُم أُذَكرْهُم بأَمْجَادِ المَاضيِ لقَالوُا (ياَ كَمَال، إنْ التَرَابُط و لمّ الشّمْل يَجِب أَنْ يَكُون مَعْناً مَحْسُوساً لَيْس مُجَرّد تَجَمُّع فِي مَكَانٍ وَاحِد) حَسَناً فَأين هُمُ الآن؟؟ مَن يُعيِد الحَياةَ لِهَذَا البَيْتُ الَميت؟ و هَلْ تَظُنّ أَنّهُ سَيَعُود حَيّاً يَوْماً مِن الأَيّامِ؟ و هَلْ تَظُن أَنّ البَيْتَ مَاتَ مَعَ صَاحِبيهِ؟ أَمّ أَنّهُ رُبَّمَا يَحْيا بِأبنَائِهم!!! و لَوْ !!! فَأينَ هُم؟ ظَلّت عَيِناي تَنِزِفُ نَهْراً مِن الدُمُوعِ حَتىّ جَفّت فَجَلست عَلَى التُرَابِ بِمَلابِسيِ النَظَيِفة، و بَعْد أَنّ تَذَكّرت الأَيَام الخَوَاليِ ، خَرَجْت إلىَ زَوْجَتيِ التيِ انْدَهَشَت مِن مَلابِسيِ التيِ أَصَابَها التُرَاب، و قُلْت هَيّا بِنَا ، فَلنّ يُحي العِظَامَ و هي رَمَيِم غَيْر الله ، فَلَن يَعُود هَذَا البَيْتُ العَرَبيِ يَوْماً مَاَ إلاّ بِالله، و لَنّ يُعِيدَهُ الله إِلا لَو رَأَى عِبَاداً مُخْلِصِين يَسعَوْن لِهَذا، فَسَأفْعَل مَا بِيَديِ، فَسَأدعُوا اللهَ أَن يُحيِي هَذَا البَيْتُ مِن جَدَيد ، لَعَلّهُ يَسّتَجِيب دُعَائيِ ، فَالله خَيْر حَافِظ .


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى