الخميس ٢٨ تموز (يوليو) ٢٠١١
بقلم زياد يوسف صيدم

تطارده الملائكة!

لم يكن ليفكر قبل هذه الليلة في حفل صديقه، بأنه يكتنز في قلبه شيئا مختلفا تجاهها.. كان يفكر بأنه مجرد إعجاب أسوة برجال البلدة بتلك المرأة ممشوقة القوام..مكتنزة الشفتين، تعلوهما عينان واسعتان لوزيتان.. تحيط بهما كحلة سوداء فتزيدهما جمالا وبهاء...

كان يشاهدها أحيانا في بعض المناسبات، أو يلمحها أحيانا أخرى في سوق البلدة.. كانت تختال في مشيتها بقوامها الفارع..واليوم صادف أن لمحها سريعا في فرح احد الأصدقاء بينما كانت ترافق صبية خارج القاعة المخصصة للنساء لقضاء حاجتها.. وقد خلعت جلبابها لتظهر فستانها الذي اختارته بعناية تنم عن جمال في ذوقها وكياسة في رتابتها في اختيار الألوان جعلتها تبدو كملكة الحفل بلا منازع.. هكذا كان متيقنا في قرارة نفسه، قبل أن تتناقل ألسن الرجال همسات تسربت من داخل القاعة، مفادها بان العروس وأمها قد أصابهما دوار جراء الغيرة والحسد.. فقد حاول العريس خطبتها من قبل.. لكن النصيب حال دون إتمام الخطبة.. فحاول الرجال كتم قهقهاتهم دون جدوى..فكان تأكيدا لما تبادر إلى ذهنه قبل قليل.

حين لمحها.. و أحمد يحس بدوار يعصف بكيانه.. فانتحى بنفسه بعيدا عن الحضور.. دون أن يلفت الأنظار والألسن الغارقة بالهمسات والقهقهات المخنوقة على استحياء.. من نوادر الأخبار الواردة تباعا من داخل قاعة النساء.. مكث في ركنه مبهورا بجسدها المكتنز، وتضاريسه الأنثوية الساحرة، التي طالما حاولت إخفائها بصعوبة بين طيات جلبابها الأسود الفضفاض.. لكن سحرها الملائكي قد فضحه ذاك الفستان الذي ساعده الحظ وحده دون سواه من أن يكتشف رشاقة وبديع ذاك القوام... هكذا وقع في قلبه ذاك الإحساس العجيب الغريب، كدوى انفجار مزق سكونه وهدوءه وأشعل ارتباكه..بشعور اعتراه دوما حين كان يشاهدها؟!

أسرع يحث الخطى عائدا إلى بيته قبل نهاية الحفل.. وفى عقله تتماوج الأفكار باضطراب لا يستطيع معها التقاط أي طرف منها ليرتب أفكاره من جديد.. مشاهد وصور وكلمات.. تنطلق في آن واحد حتى انه سمع صنين وصفير في أذنيه يزداد صخبهما شيئا فشيئا حتى افقده البوصلة في تحديد الاتجاهات.. فتاه عن طريق بيته، ولم ينتبه إلا عندما ظهرت شواهد غريبة في طريق لم يعتد عليه من قبل.. فاستيقظ من صخب يدق أعماق عقله، ليعود أدراجه ثانية إلى بيته، فيدخله مسرعا..يتجه فورا إلى أول مغسلة، فيغمس رأسه أسفل صنبور المياه..يدعه ينهمر باردا حتى شعر باتزانه وهدوءه من جديد...

لم تكن أمه قد نامت بعد..أحست بحركاته الغريبة..تركته متكئا على كنبته المفضلة وقد أشعل التلفاز يقلب قنواته بعصبية ظاهرة.. تركته قليلا قبل أن تعود إليه، تحمل كأسين من عصير البرتقال المثلج..فابتسم لها ورحب بها..فمازحته كعادتها..حاول أن يبادلها عبارات اعتاد عليها..لكنه فشل في احتواء ارتباكه وحيرته وما عاناه هذه الليلة المتميزة في حياته.. والتي شقلبت معاييره رأسا على عقب.. هزت برأسها وهى تتفرس عينيه وحركاته التي ابتعدت عن سكونه المعتاد..فبادلته بسؤالها:

- هل تريد الزواج يا صغيري الشاب؟

- الزواج...لا، ليس مسألة زواج يا أمي لكن!

- لكن ماذا يا ولدى؟ فبعد عودتك قبل نهاية حفل صديقك الليلة وأنت مرتبكا.. فعيناك تكسوهما الحيرة والقلق وتبدو حزينا كأن شيئا ما قد اثر عليك..أهي عدوى الزواج؟ وهنا تطلق ضحكتها الهادئة..حسنا فكرت يا ولدى.. فالعروس جاهزة عندي وأهلها يتمنون رضاك وكلمة موافقة منك.. كما أنها تلقى رضي والدك أيضا..

- من تقصدين يا أمي؟ هل أفصحت أكثر؟

- إنها ابنة الشهيد مصطفى مثال الشرف والكرامة.. فقد بلغت سن السابعة عشرة ربيعا..فحين استشهد والدها في الحرب.. كانت ما تزال على حضن أمها التي أنجبتها في سن مبكرة ومن ذاك الحين إلى اليوم لم تتزوج المسكينة..بل ورفضت كل الرجال اللذين يتمنون نظرتها وإشارة منها بالموافقة..آخرهم كان ابن الحاج على أكبر تجار البلدة لقد حاول مرارا وتكرارا الزواج بها دون جدوى...

قطع حديثهما فجأة انقطاع التيار الكهربائي.. وانشغال والدته وسط الظلام في إشعال شمعة قريبة وضعتها في مكان معلوم لمثل هذه الحالات المعتادة...بعدها مباشرة استأذن احمد أمه على أن يستكملا حديثهما في الصباح حيث عطلة الجمعة.. وقد ألمح لها بموافقته المبدئية على فكرتها.. فكانت بمثابة الضوء الأخضر لها بالتحرك حسب العادات المتبعة في مثل هذه الأمور...

اقتنع احمد بان المخرج الوحيد مما هو فيه، أن يوافق على الزواج من تلك الشابة الحسناء.. فهي من أسرة كريمة ومناضلة.. وهكذا يضع حدا لعذابات عقله، وينهى دقات قلبه كلما زاره طيف تلك المرأة الملائكية التي أصابت قلبه بسهم قاتل..فقد حاول أن يقنع نفسه بأنه قد تخطى مرحلة المراهقة و أصبح رجلا.. فهو خريج كلية الحقوق، وموظفا مرموقا في المحكمة، ومرشحا قريبا ليصبح قاضيا.. فلا يعقل أن يقع في متاهات من هذا القبيل.. فكانت فكرة أمه قد جاءت في وقتها المناسب..مما جعله يوافقها على الفور، حيث بدا الحديث كحبل نجاة له وخلاصه من معاناته التي اشتدت هذه الليلة، ولا يعرف تحديدا ما يخبئ له القدر...

في اليوم المتفق عليه للزيارة.. ذهب برفقة والديه وأحد أخواته المتزوجات إلى بيت العروس لشرب فنجان القهوة والذي تقدمه العروس بنفسها حسب العادات المتبعة.. استقبلهم خالها وعمها وزوجاتهما في صالون الضيافة مرحبين.. وعلى شفاههما ابتسامة فرح ورضي.. فالعريس على خلق ومن أسرة كريمة...

لحظات حتى دخلت أمها؟ بقوامها الممشوق مبتسمة، مرحبة بهم.. كاشفة عن وجه ملائكي ترتسم عليه شفتين مكتنزتين.. تعلوهما عينان واسعتان لوزيتان.. تحيط بهما كحلة سوداء فتزيدهما جمالا وبهاء...

إلى اللقاء.


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى