الخميس ١٦ نيسان (أبريل) ٢٠١٥
بقلم ماجد عاطف

حالة حوار

(1)

نزل من سيارة الأجرة الصفراء وأنزل اللوحتين المغلّفتين. مشى بحرص نحو البوابة الخارجية وأسند اللوحتين على الجدار ونقر الجرس. للمعرض كاميرات مراقبة موزعة على الزوايا العلوية وتنحني إلى الأسفل. عدا عن الحراسة، هناك نظام أمن في الداخل أو أكثر: واحد ضد السرقة وآخر ضد الحرائق.

- مَن على البوابة؟

أتاه الصوت أنثوياً رفيعاً، من صفيحة صغيرة على الجدار.
- أنا تحسين. اتصلتم بي وطلبتم أن أجلب لوحتين.
- لحظة.

أزّت البوابة ثم تحركت منفتحة. حمل لوحتيه المغلّفتين وانطلق نحو المدخل الثاني الذي فتح من تلقاء نفسه. فكّر: لا مبرر لإحاطة معرض فني بهذه الاحتياطات الكثيرة، مثلما أنّه ليس منطقياً إتاحته للجمهور فقط، في أوقات محدودة. لو توقّف الأمر عليه، لحرص على أن تنتهي اللوحات إلى مكان عام متاح للجميع وليس مقتصراً على الذي يشتري.

وصعد الدرجات نحو الطابق الثاني. كانت تنتظره في الردهة لتدخله. لا يعرفها، لكنها هي التي تعاملت معه في المرة السابقة وتسلّمت منه اللوحات، وربما هي التي اتصلت لتطلب أخرى. نحيفة سمراء ترتدي ملابس بُنية ملتصقة ولا يبدو أنها تجاوزت الخامسة والعشرين. مدّ يده على عادته القروية ليسلّم عليها فتأخرت لبرهة قبل أن تمد يدها، فشعر بالارتباك. يدها خفيفة جداً كأنها غير موجودة. لاحظ القبّة الواسعة على صدرها الصغير فأزاح نظره عن المساحة المكشوفة.

- أنت تحسين، صحيح؟

- نعم.

- تهانيّ على جهدك الرائع!

كان فمها واسعاً وهو ينطق بكلمة "الرائع". أشعرته الكلمة بحماستها وأشعرته أيضاً باندفاعها. لم يكن يثق بالأحكام المندفعة.
- حضرتك فنّانة؟

- لا. لكن الفن تخصصي الجامعي.

وجهها يحاول أن يبدو مقنعاً مع خط رفيع لشفتين مطبقتين متكبّرتين تستندان على أمر واقع. أراد أن يسألها عن الجامعة التي درست فيها، لكنه تراجع. أيضاً، دفع خاطراً نهض من اعتقاداته الشخصية يقلل من قيمة دارسي الفن.
ثم أحس أنها غريبة كلياً عن المنطقة والمدينة، ولسبب ما تستلم مسؤولية ما في المعرض المحلي. على أي حال، طرد أفكاره، هو هنا ليسلّم لوحتين.

وقطعت الصمت مبتعدة عن الردهة نحو مكتب صغير:

- انتظرني قليلاً.

عندما عادت، كانت تحمل دولارات من فئة المائة، ودفتر وصولات.
تسلّم ووقّع وهو يشعر بالسعادة لأنه أنجز –بفنه، وبعد خصم نسبة المعرض- الألف دولار الأولى. اللوحة الثانية بيعت بثمن أقل، بَيْدَ أنه لم يأبه، هو الذي كان يشارك في معارض شعبية ويهدي لوحاته، مجاناً، لجمعيات ونوادٍ.
وقشّرت الغلافين لتتأمل اللوحتين تحت ضوء النافذة. ثم هتفت:
- ممتاز!

لقد أحضرهما لأنهم طلبوا منه اثنتين وليس لأنه فخور بهما. لا يحسّ بقيمة ما يرسمه إلا وهو يعمل فيه، وكم أتلف من لوحات أشعرته، بعد الانتهاء منها، بالبغض الشديد لها. بينما كان أصدقاؤه الفنانون يستمتعون بالرسم كان هو يتعذّب، ليبدأ في المرة التالية رحلة الازدواج: الاستغراق والكراهية. واقترحت عليه:
- هل تريد رؤية لوحاتك؟

كانت تشير إلى باب في نهاية الرواق يؤدي إلى المعرض. على الأغلب هي من نسّقت اللوحات وصمّمت المؤثرات؛ لكنه لا يريد تأمّل أعماله بصحبة أحد، فيهزّ رأسه رافضاً.
لم يبق هناك ما يُقال وكانت هي شبه مستاءة، فسألها متودداً:
- لم أعرف اسمك..

- نسرين.

ابتسامتها المستجيبة الواسعة في وجهها الصغير عذبة جداً، كتفتّح الوردة التي أخذت منها الاسم.

(2)

واتّصلت بعد أسبوع لتخبره أن لوحاته بيعت باستثناء واحدة، إنما الأسعار مختلفة.
- السعر ليس مشكلة.
كان مهتماً بأمر آخر شغله طوال الأسبوع.
- ممكن سؤال؟
- تفضل.
- مَن المشترون؟

ذلك أن زائراً عادياً لن يدفع ألف دولار لقاء لوحة لرسّام شاب ليس معروفاً، مهما كانت اللوحة ممتازة.
طلبت أن ينتظر على الهاتف، ثم عادت وبدأت تسرد أسماء جهات –كلّها- ليست محلية، كالمراكز الثقافية المرتبطة بالسفارات. شرحت له أن الأجانب يتعاملون مع اللوحات كاستثمارات، وأن قيمة اللوحة الواحدة -خلال عام أو عامين- تتضاعف، خصوصا إذا كانت الموهبة واعدة، كحالته.

الذي أزعجه، إضافة إلى التقريظ، هو أن ترتبط قيمة اللوحة بالجهة المتعاملة معها وليس باللوحة. ماذا لو كانت معروضة في نادٍ لقرية بالكاد تصلها المياه والكهرباء؟ هل كانت ستكتسب القيمة نفسها؟؟
- على أي حال، سأتسلّم اللوحة المتبقية بعد غد، عندما أحضر إلى المدينة.
- هل أنت مشغول هذا الأسبوع؟

لا. ليس هناك ما يشغله. متفرّغٌ تماماً لهذا الدمار الذي قد يفيد الآخرين لكن يتعبه هو.
- خيراً؟
- هناك ورشة إذا أحببت أن تشارك..
فكرته عن الورشات لا تزيد على أنها نشاط مدّعى لمن لا يمتلك مؤهلات القيام به، فوق أنها من دون طائل لأن أشياءَ كثيرةً لا يمكن تعليمها. غير أنه سئم من أفكاره الكئيبة ووحدته المدقعة كأنه شجرة تصيح –مجنونةً- في البرية.
كانت تسكنه فكرة أخرى شبه مبهمة.. قال:
- أشارك.
- ممتاز!

إنها من عالم آخر يضج بالحياة، وبعض الحركة لن يضيره. عاف قريته الجامدة كلوحة بهّتها الطقس، وعاف الطرقات الضيقة بلونها القاتم الذي لا يتغير، وعاف وجوها لا ترى فيه إلا محض بقعة لونية غريبة.

وكان غريباً في الورشة أيضاً. عوضاً عن التركيز على الأفكار والاقتراحات، يتأمل وجوه الحاضرين وتعابيرهم: منهم الصغير بنصف عمره يحسب نفسه عبقري الكون، لأنه لم يتجاوز السادسة عشرة. ومنهم المدمنة على الورشات تحضر كل ورشة متاحة من قبيل التسلية ولا علاقة لها بالرسم، جالبة معها الشطائر. هناك فنانان آثرا، مثله، الصمت. الآخرون جامعيون حضروا لتعزيز سيرهم الذاتية ببند إضافي أو مهارة تساعدهم في الجامعة والمهنة المقبلة.
وهي، نسرين، متنقلة بينهم كالنحلة توزّع كراسات أو تعرض الشرائح.
لم يكن مطلوباً منه إلا الإصغاء والإدلاء بتعليقات قصيرة، فتعامل كما لو أنّه في مقهى: يتفرّج؛ وكل ساعتين، في الاستراحة، يشعل سيجارة ممتصاً مرارة القهوة.

رأته في الساحة المعشوشبة يدخن، فأتته كأنه تعطيه نصيبه من الاهتمام الموزّع على الجميع:
- كيف ترى الورشة؟
- بصراحة لا خبرة عندي، لكني أتآنس بك أنت..
لم تلحظ -أو تجاهلت- الجملة التي زجَّ بها.
- اصبر، سيأتي ما هو أفضل.
كأنها تسرّب له، وحده، معلومة مهمة. ولما رأته لم يندهش أضافت:
- سيكون هناك لقاء مع فنانين أجانب!
استعمل كلمتها متظاهراً بالدهشة:
- ممتاز!

يعرف من تجربته أن أسوأ الناس الذين يمكن له أن يتعرّف إليهم أو يصادقهم هم الفنانون. هو مهتم، على نحوٍ عابث، بها هي.

لقد تحقق من كونها غريبة عن المنطقة آتية من قرية ما في الداخل، الذي يجهل عنه التفاصيل ويحتفظ حوله بصورة متخيلة. لسبب ما كانت تتصرف كأنها أرقى من الذين حولها، فتتكلم بحسم قاطع أو بحدة تصبح ملامحها معها قاسية، خاصة إذا كان الموضوع معرفياً (كأن جامعتها مصدر معرفتها، لا تدانيها جامعة أخرى).
مِن ناحية ثانية، أو تكاملاً مع الأولى، كانت سهلة الهزّ يمكن لفكرة أصيلة صغيرة، صادرة عن مَن لا علاقة لها بالفن وتحضر للتسلية، أن تربكها. عندئذٍ تتخلى عن اللهجة الساحلية المدينية لتتسرب كلمات قروية مقلقلة وتصبح حميمة كالبرتقال.

سلوكها لا يشير البتة إلى أنها مِن قرية: تتحرك وتتكلم بسرعة، ولا تهاب الذكور أو طرح الأفكار الحسّية، وملابسها عملية من قطعتين متسعتين ليس فيهما فستان أو تنورة إنما بألوان قوية وهادئة.

وبدت له أخّاذة كأنها تخرج تواً من رواية مترجمة. لم تكن فنانة (ولو أنها تعرف الكثير عن الفن)، فاستغرب من الكيفية التي وصلت فيها لتعمل مع الفنانين في معرض محلي، خاصة مع "التحسس" الشديد من الغرباء وكثرة الخريجين الذين ينتظرون فرصة للعمل. وردّ الأمر لمعرفتها باللغات وعلى الأغلب لعلاقات قوية، قريب لها في المعرض أو ما شابه..
صار مطلعاً على الأنشطة، وليس العرض أو إقامة الورشات إلا الجزء اليسير منها. واتسعت مخيلته بكثير من الفضول الآمل والرغبة في الاكتشاف. من ناحية كان مستقبله مرتبطاً بتكريس نفسه كفنان، ومن ناحية ثانية كان راغباً باستبدال بيئته لتقتصر على الفن، وينتج أكثر.

أبقته منتظراً في القاعة بعدما ذهب الجميع. جلس يعبث بجهاز كمبيوتر نقّال إلى أن أتت وجلست إلى جانبه، واضعة كوبي القهوة على الطاولة، من ثم رِجلاً على رِجل، أسفل الطاولة، حيث كانت تمسح، بقدمها المتخلصة من الحذاء، ساقها الأخرى المكشوفة.
- لا تخبرهم بما سأقوله لك، لأنهم ليسوا جميعاً معنيين.
- لا تقلقي.

شعر بامتياز الاستثناء، الشخصي أيضاً.
- سيأتي فنانان شابان، فنان وفنانة (من بلجيكا) يرغبان بالتعرف على فنان شاب.

لقد تخلت عن هيئتها الرسمية وغدت أكثر حميمية تتكلم بتأنٍ وتنتظر بكثير من الحرص ردة فعله، فكان متحفّزاً. كانت تحتسي القهوة، وكان هناك شيء يريبه ولا يعلم ما هو فأخذ يشرب، بدوره، قهوته. هل المقصود تعارف عادي كأن يجلس معهما ويتبادلون الكلام؟

قالت تخلّصه من حيرته:
- هناك برنامج لتبادل الزيارات.
- لم أفهم.
- سيزورانك في بيتك، إن لم تكن تمانع.
وواصلت احتساء قهوتها.
ليس في وسع عربي رد ضيف، هذا مفروغ منه، لكن على أي أساس؟
- هل شاهدا أعمالي؟
- هما مهتمان بالتعرف إلى ظروف الفنانين الفلسطينيين، كيف يعيشون ومم يعانون. هما متضامنان مع القضية وناشطا سلام.

يعني أن الجواب لا. حديثها هي عن القضية -أو السلام- كان مزعجاً له بصورة ما. يتأملها فيجدها مستغرقة في احتساء القهوة، مترقّبة، كأنها عرضت عليه حل أحجية.

ربما هو منزعج لأنها تحدثت عن الفن في حين قصدت أمراً عاماً، سياسة. لو أن الأمر عائد لمزاجه الشخصي فإنه لا يريد أن يعرّفه أحد بأحد، يتعرف وحده. ولكنه ارتاع عندما خطر له أن الأمر قد يضر بعرض اللوحات في المستقبل. هو مجرد تعارف لن يضير أحدا. قرر أخيراً.
- لا مانع عندي.
وهتفت ناهضةً عن الكرسي القريب، متخلّصة من الكوب على الطاولة، فيما لم تضع حذاءها في قدميها بعد:
- ممتاز!

(3)

مشغله كان غرفة قديمة من الطراز العتيق سميك الجدران المصنوع من الطين والقش، إلى جانب الحظيرة الممتلئة بالغنم. قبل سنوات فرّغ الغرفة من الحطب المخزَّن وقَصَرها بنفسه وطلاها، ثم مدَّ سلكا من الكهرباء وحوّلها إلى أستوديو للرسم هو أيضاً مكان مبيته وبيت المعيشة وكل شيء. أما المرحاض فكان يستعمل "بيت الخارج" القديم، الذي لم تعد العائلة تستعمله. لم ينفصل تماماً عن أهله لكنه كان يشعر بالراحة، وحرص على المحافظة على وضعه، قدر المستطاع، عبر عدم استقبال أي أصدقاء أو زوار.

وقع في ورطة: فلو شاهد مشغله أي شخص غريب لتأثّرت نظرته إلى اللوحات تقليلاً من قيمتها، كما حصل أكثر من مرة. إنّهم يتصوّرون حياة محددة للفنانين مليئة بالامتيازات لا المعاناة، ويأبون كذلك وضع مسافة بين الفنان وعمله.
واستقر قراره على أن يستقبل القادمين في بيت الأهل، فكان عليه ليس فقط استئذانهم إنما الإعداد أيضاً لأشياء مختلفة كالضيافة ومَن سيتواجد في البيت أثناء الزيارة.

في اليوم الموعود كان جاهزاً، ينتظر على مدخل الشارع الوحيد في القرية. ورغم استعداده الجيد فاجأته اللوحة التي كانت على مقدمة السيّارة الزرقاء: صفراء تنتهي باختصار لـِ (إسرائيل).

ثارت في صدره هواجس لم يكن قد تحسّب لها. ولما كانت نسرين هي التي تقود السيارة، وبالتأكيد ليس مشهداً مألوفاً للقرية، تجمدوا في أماكنهم مستطلعين الآتين بملامح وملابس، مختلفتين.
جارات الحارة احتشدن على الشبابيك أولاً، ثم تجرأن وتقاطرن إلى البيت بحجج مختلفة.
وأفلح الأمر معه لأنه وجد نفسه يستفرد بالفنان البلجيكي، روبسبير، ويجرّه إلى مشغله، حيث كان انعدام اللغة المشتركة أروع ما في الأمر، فلم يحتج لأكثر من زقّه –كما يفعلون مع البط- بقطع المسخّن والمشروبات والحلويات، فيما كان المسكين خائفاً مصدوماً مما يراه فيبتلع بسرعة.

أما النساء في البيت فتدبرن أمرهن بمختلف اللغات المستعملة: من ترجمة نسرين المحترفة، إلى عربية البلجيكية المكسرة، ماريان، إلى مبادرات انجليزية رديئة جداً للنسوة اللواتي وصلن الصف التاسع بكثير من العناء (بمن فيهن أخواته)، إلى اللغة العالمية من ترحاب وتظاهر وعبط وقُبل!

وأدهشه أن نسرين، وهي تغادر ملوّحة بيدها، كانت مبتهجة جداً كأن الزيارة كانت ناجحة عكست واقع القضية. المهم أنه نجا من الزيارة التي كان يعوّل، كثيراً، على عدم تكرارها.
هو قد يزور لكنه، بالتأكيد، لا يريد أن يُزار.

(4)

كل ما يعنيه، بصراحة ذاتية صارت أوضح، هو نسرين.
الوجوه النسائية في لوحاته كانت موجودة دائما، لكنها بدأت تكتسب ملامح محددة. كانت رموزاً من الخطوط التجريدية والألوان الضعيفة، وأصبحت "شخصية" مبتهجة بالألوان والإنارة تميل إلى نمط محدد: الطفولة الراشدة، أو قل البراءة عندما تكتسي بالخبرة.

ومع أن ملامحها كانت حاضرة في باله، إلا أنّه كان يجرّدها بطريقته لتصير حلاً واضحاً جداً لمعضلة خفية. إنّه لا يعترف بالحب بل بالاهتمام، ولا يرى حبيبة إنما شخصية/ تجربة تنمو مع الوقت، والأكيد أن اهتمامه كان عميقاً لأنه لم يعد يقوى على الخروج من حالة حوار تشبه أحلام اليقظة وتستمر إلى ما لا نهاية، مرتبطة بها وكينوناتها المختلقة.

كان وحيداً في مشغله لا يخرج في الأسبوع بأكمله إلا ليراها ولا يعود إلا ليتمثّلها؛ ومع الوقت اكتشف أنه صار قادراً على استحضارها متى أراد، بل ومكالمتها بصوت مسموع جداً، داخل عقله.
في واقعها كانت لا تكترث إلا بشيء واحد يدور حوله عالمها: العمل وبلغاته المختلفة.
لقد أصبح مسموحاً له أن يأتي إلى المعرض متى يشاء، وصار صديقا للجميع: المدير المسافر معظم الوقت، والسكرتيرة الدلوعة، والحارس النهاري، ونسرين.
صار يساعد في أي شيء، وليس من الضرورة أن يكون ملماً فيه. المهم عنده أن يكون قريباً منها. وكم تمنى لو كانت لغاته تتجاوز العربية ليتمكن من فهم كل ما تقوله لأن قطعة كبيرة من حياتها، بالعبرية، كانت في أسلاك الهاتف التي تختصر المسافات. حتى هاجسه المتأصّل قديما منذ أيام السياسة ابتلعه وهو يحدق في وجهها الصغير.

وكمكافأة عن كل ما فعله للمعرض طوال شهرين، قررت أن تصطحبه معهم في رحلة إلى البحر. لم يكن قد شاهده في حياته إلا مرة واحدة، في رحلة مدرسية تعود لعشرين عاماً. كان هناك أمر يراوده، يجعل الرحلة شبه مستحيلة:
- لن يمنحوني تصريحاً..

- لماذا؟
- كنت معتقلاً..
- على ماذا؟
لمّا شاهدها مهتمة تتصوّب ملامحها الدقيقة باتجاه نقطة، تجاوز التفاصيل وقال باختصار:
- الانتفاضة.

أبناء الداخل، في الغالب، يخافون من العمل السياسي، خاصة إذا كان يتضمن عنفاً. سنوات التضييق الطويلة نجحت في تغيير نظرتهم بحيث تبنوا مفاهيم ليست لهم. صاروا يرتكزون على مفاهيم الخصم في محاولة للبقاء. في الأثناء يتأثّرون بدل أن يحافظوا على مسافة آمنة.
- إذا كان هذا هو الأمر فبسيطة.

وشرحت له: ستستخرج تصريحاً له باسم المعرض وهي واثقة من الحصول عليه، فكل ما عليه فعله هو أن يجهّز نفسه. يعلم أن بعض المؤسسات تستطيع الحصول على تصاريح، فلم يستغرب، خاصة وأن المعرض يستقبل أعمال فنانين من الداخل أو يقيم أنشطة مقابلة هناك. بيد أنه واثق من استحالة الحصول على تصريح، ولا حتى كمرافق لأسباب طبية، لأنّه جرّب أكثر من مرة عندما كانت أمّه مريضة.
لكن لا ضير في المحاولة.
ومنزعج من هذا الذي يتّكل على الوضع السياسي السائد ومن الجهات التي نشأت في ظلّه. كأنّها تتربح منه أو تستغله لتفرض نفسها. على أي حال لا يبالي بالسياسة وألعابها التي لا تنتهي فهو لا يؤمن بشيء إلا الرسم، وإذا كانت غايتهم الحصول على نسبة لقاء البيع أو أن يحتكروا العرض، فليكن.

بعد ثلاثة أيام كانت نسرين تهزّ التصريح في وجهه، مبتهجة.

عندما أراد أخذه أخبرته أنها ستحتفظ به ليوم الرحلة. لم يفهم تحفّظها فهو في كل الأحوال لن يستطيع استخدامه إلا في وقت محدد. ربما هي قلقة من أن يدير ظهره للرحلة وأن يستخدمه لدخول الأرض المحرّمة ويأتي بأعمال عنيفة ترتد على المعرض أو عليها. لم يكن تفكيرها بعيداً كثيراً عن الحقيقة لأنه، لو استطاع، لاستعمل التصريح في التجوّل داخلاً على هواه: يزور صخور عكا الشاطئية أو قرى الجليل. على الأقل يتجوّل بين البشر في الحارات المتبقية والشوارع والمقاهي، حيث يمكنه معرفة الناس الفعليين.
وهتفت منتعشةً:
- ماريان ستكون معنا!

"ماريان" صارت تدخل حديثها بكثرة: أخبرته أنها رسمت لوحة لأخته من الذاكرة، فطلب مشاهدتها وأستغرب –عندما فعل- من الشبه الكبير، كأنها استعملت صورة فوتوغرافية.. في مرة ثانية طلبت شراء لوحة له، فقدمها هدية رافضاً مقابلاً لها. في ثالثة صادفها في المعرض فتركته نسرين معها قرابة ساعة وتدبر أمره بانجليزية عرجاء.
كان يشعر أنها تدفعه عنها عن قصد وتمنحه فرصة للتعرف بماريان، فكان يمقت الفكرة لولا أنها تدفع نسرين إلى كشف تفاصيل صغيرة عن نفسها، بتحفظ أقل. كان مولعاً بمشاطرتها تفاصيلها حتى ولو اضطره الأمر لجعل ماريان الممر.
ماريان، مع كل حرارتها وعفويتها واندفاعها غير المتحرّج، لم تكن تعني له شيئاً. إنها أشبه بمشهد بسيط مع خلفية محددة، بينما نسرين تتشكّل كالغيوم في سماء لم تستقر.

(5)

كان غارقاً في مشاعره الضخمة تجاه البحر الذي يشاهده عن تماس للمرة الثانية. على عكسهم، وهم ستة أشخاص (البقية انتظروا وقوفاً بعد الحاجز)، لم يكن يعرف السباحة، فاكتفى بالتوغّل في الشاطئ إلى مستوى الخاصرة، ليستقبل الموجات الطفيفة براحتيه.

وتعلو ضوضاؤهم الصاخبة في لهوٍ مائيٍ ينسجم مع البقعة المنعزلة التي اختاروها. لقد تركته ماريان التي التصقت به في الميكروباص طوال الطريق لتنضم إلى رفاقها الذين يشابهونها ويتقنون اللغة. ونسرين منسجمة معهم تسابقهم سباحة إلى نقطة غير مرئية في البحر، ثم لا تلبث أن تبزغ عائدة من بين الموج ككائن بحري.
كان يستمتع بمشاهدتها على طبيعتها، عارية بلباس البحر، لتتكشف له رشاقة مخبأة. وعندما تستريح تلف جسدها بمنشفة ضخمة ثم تستقر على الشاطئ إلى جانبه، كأنه أصبح -رسمياً- جزءاً من بيئتها، ولكنها تظل مشدودة لهم ترقبهم باهتمام، متفاعلة عن بُعد. ومع أنها قد لا تكلّمه، إلا أنها، حين تلتفت له، تفعل ذلك بطريقة تشعره أنه أضحى أقرب إليها مما كان.
لم يعد بحاجة إلى ماريان، فكّر سعيداً.
- أرأيت؟
لم يكن يشاهد.
- ماذا؟
- غاصت لدقيقتين ولم تصعد بعد.
تتحدّث عن ماريان. لم يكن مهتماً بمسابقة الغوص على الشاطئ، هو الذي لا يعرف أصلاً كيف يسبح، فلم يعلق وإن ابتسم من باب المجاملة.
- أظنها معجبة بك.
- لا، هذه هي طريقة حياتهم.
- لا، لا، هي معجبة بك حقاً!

شعر أنه كان مخطئاً في تقديره السابق، فلا يزال يحتاج إلى الكثير. قال ليستفزّها:
- لا تخبريها، لكني أنا أيضاً معجب بها.
وضحكت بإشراقة تلقائية على الوجه استغربها. تأكّد له أنها غير مهتمة به، أو ليست مهتمة به، بعد، بالطريقة التي يأملها. دفع خيبته إلى صدره وتمتم محركاً الرمل بأصابعه:
- هي لطيفة، كلهم لطفاء.
وافقته:
- صحيح.
كان يدفن شيئاً مبهماً ثم ما يلبث أن ينبشه. ثمة وجع في أنفاسه يتزايد مع التنفّس. حدّق في المياه ولم يرَ منها إلا لون العمق الداكن. في تخبطه الخفي، ودون قصد، لمس ذراع نسرين فسارع للاعتذار منها. ردت بقلة اكتراث:
- لا مشكلة.
وكان في عينيها الرماديتين شيء متردد، ثم بدا أنها حسمته:
- تحسين، أريد أن أخبرك بأمر..
- تفضلي.
- ماريان ليست بلجيكية..
ودون أن تترك له مجالاً للسؤال أضافت ببطء:
- وهؤلاء كلهم، الذين أعجبوك، ليسوا أجانب..

لم يفهم حاجتها للكذب إلا عندما أوضحت بنبرة جديدة، أقرب ما تكون للانتقام وبشيء من السخرية أيضاً:
- كلهم يهود! لكنهم لا يتحدثون العبرية بحضورك!
ثم تركته لنفسه وقد ألقت عليه حيرة، كالخيمة، مطبقة. في الحقيقة أشياء أخرى أخذت تظهر مدبّرة بدءاً من المعرض مروراً في التصريح والرحلة بأكملها. أشياء أكثر، إذا ما أعاد النظر إليها، يمكنها أن تبدو على حقيقتها المُرّة.

ولا يصدّق ما تكشّف له، فيستدير ملتاعاً إلى وجه نسرين ليتفحّصه عن قرب، علّ كوابيسه تتبدد، فيجد أن كل ألفة قد اختفت ولا طفولة هناك أو عفوية.
هل كل ذلك كان من أجل أن ...؟
أهي ...؟
ومع أنّه لا يعرف السباحة، جرى إلى البحر، إلى أعمق نقطة يمكن الوصول إليها، لتغمره.
فيما بعد استخرجوه جثّة هامدة.


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى