الأحد ٤ آب (أغسطس) ٢٠١٩

حسناء المقهى

عبد القادر كلول


في المقهى القريب من الكورنيش، إلتقت نظراتنا.. تبادلنا حواراً صامتا.. هي اعتلت كرسيا مرتفعا قرب "الكونتوار" وأنا في الركن المقابل لنافذة واسعة تطل على زرقة البحر..
أحببت أن أغير الأجواء ذاك الصباح.. كنت أكره ارتياد المقاهي لممارسة شغبي المفضل في القراءة أو الكتابة أو حتى للتخفيف من روتين العمل الجاثم علي طوال أسبوع. مقاهي حارتنا القريبة تكاد تشبه الأسواق.. مرج وهرج ، ضجيج متعالي يكاد لا يصل إليك فيه همسك.. ساحات مثالية لتصفية الحسابات وأحيانا مسرحا لتجارة المبيحات والمحظورات.. وغير ذلك من مآرب شتى تقضى بعيدا عن البيوت وأعين السلطات..

زينة مقاهينا وأكسسواراتها الجذابة الراقية لا تعكس بتاتا رقي مرتاديها من الزبناء!

إخترت ذلك المقهى البعيد والهادىء، وجدته فيه ما يشبه هدوء الحدائق التي دأبت على ارتيادها نهاية كل أسبوع.

ما تزال الحسناء ترتشف من كوبها وتعود لتسرق النظر نحوي.. في عينيها بريق طفولي وعلى شفتيها القرمزيتين ترتسم إبتسامة خفيفة.. تبرز من فتحة فستانها الأحمر القاني فخد مكتنزة جذابة.

يا إلهي كيف أنفلت من شراك كل هذا الجمال؟؟

كتابي المفتوح على الطاولة تقلب صفحاته بدلا عني رياح غربية خفيفة.. وأنا شارد في لجة تلك العيون الزرقاء كموج البحر، أقرأ فيهما رواية لم تكتب بعد.. أعيش تفاصيلها بشبقية تخشى الإنفضاح!

يخرج الناس ويدخلون.. رواد أنيقون ببذلات وربطات عنق، يبتسمون في وجه الحسناء ثم يركنون إلى أماكنهم.. بدا لي أن النزلاء يعرفونها جميعا.. ولكن لا أحد أثارته عينيها. إلا أنا النشاز.. أنا الغريب بينهم الذي لا أفهم على ما يبدو قراءة العيون! لا أجيد سوى فهم القصص القصيرة والروايات.. وجدت نفسي فجأة عالقا بين المقاطع المبهمة لهذه الرواية الحية القابعة أمامي.. اتهجى حروف حب غير واضحة على رموشها و لا زلت لم أصل أبداً إلى فرز معانيها.. ولكنها رواية شدني إليها عنوانها الجذاب وغلافها المثير لشهوة الإسترسال في طلب المزيد من الإثارة..

صحيح أن بعض العناوين تخفي وراءها محتوى ردىء لكننا لا يجب علينا إصدار الأحكام بمجرد قراءة العناوين .. فربما المحتوى يكون على نفس مستوى الغلاف والعنوان!

رشفت الحسناء رشفتها الأخيرة من كوب العصير الفاخر.. إزدادت إيحاءاتها ونظراتها نحوي.. تكاد شفتيها تدعواني إليها.. سهام لحظها تتقاطر على قلبي فتصيبه في مقتل.. فقط قليل من الخجل أنقذني من هزيمة مجلجلة في معركة غير متكافئة!

أومأَت إلى النادل.. دنا من قربها.. حدثَتْه بصوت خفيظ ...

عجباً.. بدا لي كأنه ممتعض.. تمنيت لو كنت مكانه لانشرحت أساريري انتشاءً ولاستقبلت همسها بابتسامة عريضة.. عاتبت الحظ في دواخلي وتابعت المشهد بانتباه..

على حين غرة علا صراخ النادل، ما لفت إليه رواد المقهى..

- ياسيدي أنا لست إلا نادل مقهى!!

- ‏سئمت من تحرشاتك يا حسن!!

- ‏إبحث لك عن مقهى آخر وأرحني منك ، فالكل هنا إكتشف أمرك!!

كظمت المسكينة غيظا لم تخفِه ملامحها، فغادرت مسرعة المقهى ترمقها نظراتي.. و الفضول يمزقني..

حسن!!؟؟

سيدي !!؟؟

لم أفهم شيئاً البتة .. وحين دعوت النادل لأدفع له الحساب، عاتبته بلطف:

ما هكذا تعامل النساء سيدي، كان أجدر بك أن تكون أكثر لطفا..

وبرد ضاعف من صدمتي قال:

تلك الفتاة رجل يا صاح، فلا تنخدع كثيراً بالمظاهر! ثم غادرني وأنا صامت في شبه ذهول!
وحين لفظني المقهى خارجا، أخذت نفسا عميقاً كمن كان على شفا خسارة فعاد، ثم رددت:

الحمد لله ...

عبد القادر كلول

أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى