الخميس ١٢ آذار (مارس) ٢٠٠٩
بقلم يحيى فضل سليم

حــدود ضيقــة

منزوياً جلست فى آخر مقعد من المكروباص.. جلستا بجانبى.. لم أتحقق من ملامحهما.. تتحدثان بصوت عادى لم يشغلنى.. ولم يقر فى أذنى من حديثيهما شىء.. يعلو لغو الركاب ونقاشهم مع السائق على الأجرة.
لم يأخذنى شىء من طقوسى اليومية.

أثارنى فجأة انخفاض صوتهما.. حديثيهما.. صار نجوى هامسة مشوبة باللمازات والغمازات.. تلتفتا ناحيتى.. تكتما ضحكات تبدو سخيفة.. ألتفت.. تهرب العيون ثم تعود فى خبث ترنو إلى.. تلسعنى خلسة شفاه باهتة الألوان - مازالت - تتحرك فى عقد حوارات أظنها عنى..

سورة الواقعة..أذكار الصباح..ذاكرتي لم تع شيئا.

قلق مبهم يحتوينى.. يعربد فى ً.. يعرق وجهى.. تلتصق ملابس بجسمى.. انظر من نافذة السيارة لا ألوى على شىء.. فى رأسى أشلاء فكر وعلى ساحة نفسى تتناحر خلجات باهته.. اناملى تعبث برقبتى.. ذقنى.. أنفى.. جسمى يتململ فى غابة من الشوك..عقلى يهيم فى فضاء باهت.. وجهى تشكل بظلال الغضب.

الفتاة التى بجانبى ما زالت ترمقنى من طرف عينيها رمقات سريعة.. الأخرى أكثر جرأة.. تميل إلى الأمام.. تدير رأسها متلفتة متفحصة.. تقبض يدها على فمها.. تطلقه يزفر همسات مريبة.

مرت يدى على شعرى.. عينى تتدحرج فوق ملابسى.. يدى الأخرى تممت على أزرار القميص.. حزام البنطلون.. هذا الصباح توضأت.. مشطت شعرى وصليت.

لمت نفسى, ربما لا أكون محور الهمسات التى تدور بينهما.. ربما تدور همساتهما على أسرار غرامية.. أو على أية مواضيع أخرى خاصة بهما.

بدأت الثقة تطارد فلول الشك من عقلى.. ثمة بشاشة علت وجهى.. وعبت رئتاى هواء.. أنعش روحى.. اعتدلت فى الكرسى.. عاودنى هدوئى.. أسدلت جفونى.. أرسلتها.. انسابت منى حرارة ترتيل هامس.. حلق بى إلى آفاق رحبة آمنة.. لم أهنأ فيها طويلا.. فقد أعادنى السائق الباحث فى دأب عن الحفر.. النتوءات.. بهزة عنيفة.. وأكملت أحداهما تضيق حدود أمنى.. وهى تهمس بكلمات لقطها سمعى: لقد عاد ثانية يكلم نفسه.


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

كاتب مصري

من نفس المؤلف
فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى