الأربعاء ٢٢ تشرين الأول (أكتوبر) ٢٠٠٨
بقلم أكرم سلمان حسن

حمحما

الوقت صباحاً.. توجه "ثائر" إلى سوق المدينة القديم.. السوق الرئيسي في البلدة منذ مئات السنين.. قرب المسرح الروماني الشهير باسم (القلعة) الذي يعود تاريخ بنائه إلى عهد الرومان.

في صغره.. وأثناء عبوره قرب القلعة ومن ثم مروره تحت الأقواس الحجرية في الجزء المغطى من السوق، كان يجنح به الخيال، فيقتطع من ذاكرته السينمائية مشهداً ما لجنود روما القديمة، بدروعهم البرونزية وسيوفهم العريضة وملابسهم المزركشة بالأحمر والأصفر، ويسقط ذاك الجزء من الفيلم على حاضر السوق، ويكاد يسمع صوت أقدامهم القوية، تقرع أرض الممر المبلطة بأحجار سوداء، ويلمح دورية من الجند بصفوفهم المتراصة الفائقة التنظيم يسيرون أمامه. وقد يشاهد الثائر العظيم "سبارتكوس" مع باقي المصارعين العبيد، مشتبكين في قتال دام حتى الموت، لإرضاء شهوة القيصر إلى الدم، قبل أن يخرجوا من المسرح ليشتبكوا مع سرية من العسكر الروماني.. محاولين شق دربهم من العبودية نحو شمس الحرية. وقد يشاهد قوافل الحرس الامبرطوري تنقل كنوزاً سوريةً.. لتودعها خزائن الامبرطور السوري "كاركلا" في روما.

الآن.. وقد غدا كهلاً.. ضعفت لديه هذه الملكة، ولم يعد خياله يسرج أحصنته ويجول على قلاع محصنة ومخادع إمبراطورية ومعارك تاريخية وجوارٍ وعبيد وكنوز .. لم يعد يرى في تلك الدروب وساكني البيوت القديمة فيها.. الذين منعوا من هدمها وإعادة بنائها، بعد تصنيفها (منطقة أثرية)، إلا الكثير من الفقر والإهمال.

لكنه اليوم على موعد مع صدفة أدخلت البهجة إلى قلبه.. حينما شاهد عن بعد.. رجلاً يتجه باتجاهه.. شعر بموجة عارمة من الفرح عندما لمحه.. لم يحتج الأمر منه ذكاء أو قوة بصر ولا بصيرة كي يعرف من هو.. ومن في مدينته لا يعرف الدرويش "حمّحمّا" ؟! بجلابيته المخططة التي تصل إلى ما تحت ركبتيه بقليل، وتكشف باقي الساقين وصولاً إلى المشاية البلاستيكية الملونة في قدميه، يسير مكتفاً يديه على صدره، ممسكاً بإحكام الساعد الأيمن بالأيسر وبالعكس.

هو هو.. تماماً كما عندما شاهده للمرة الأولى منذ أربعين عاما خلت.. ما زال نحيل الوجه والأطراف.. وشعر رأسه القصير.. بلحيته نصف المحلوقة، تبرز منها شعيرات قاسية أشبه بعيدان مكنسة خشنة.. شيءٌ ما لم يتغير به.. اللهم إلا ابيضاض في الشعر، وكرش صغير يظهر من تحت الجلابية، ليبدو أشبه ببطن امرأة حبلى.. كونه لا يتناسب مع ضآلة جسده وساقيه النحيلتين.

رؤية "حمحما" أعادته إلى الوراء أربعين عاماً، عندما كان يحمل الطعام في المطبقية المكونة من ثلاث طبقات، إلى المرحوم والده في متجره، الذي يتوسط الساحة الرئيسة الدائرية المخصصة لباعة الأقمشة في السوق القديم.. وحينما كان يمر حمحما.. يبدأ تجار السوق بممازحته، ويبدأ هو في الهمهمة والبرطمة، وقلما كان ثائر يفهم شيئاً مما يقوله حمحما.. ويسود السوق حالة من النشاط والحيوية، وبخاصة في الصيف حين يصادف مرور "حمحما" وقت ما بعد الظهيرة، حيث يفرغ السوق إلا من قلة قليلة من العابرين أو المتسوقين المضطرين لسلعة ما.

كان التجار يجلسون في دكاكينهم يهش بعضهم، بقطعة من الكرتون، لطرد الذباب من جهة وجلب نسمة من الهواء تخفف من شدة القيظ من جهة أخرى، لذا كانوا يرون في حضور "حمحما" نوع من رحمة الله، فينشغلون به ويحرضونه على بعضهم البعض، وتنهي حفلة الممازحة الصيفية تلك، بكيل من الشتائم والسباب يرشها حمحما رشاَ.. ولكن أيضاً.. بحصوله على بعض الطعام وقروش قليلة، فيمضي في طريقة ويبتعد صوته تدريجياً، كلما ابتعد عن السوق حتى يختفي.

كان ثائر ينطلق إلى السوق بكل رغبة وبكامل النشاط والحيوية.. ممنياً النفس بقطعة النقود التي سينالها من والده، وأيضاً برؤية "حمحما".. وتكتمل سعادته، عندما يحضر الأخير وتنجح محاولات التجار في الوقيعة بينه وبين أحدهم.. فيبدأ حمحما بشتمه والتف عليه. فكان السوق يصبح أشبه بسيرك، وثائر يكتفي بمراقبة ما يحدث بمتعة.. فهذه من الفرص القليلة التي تسمح له باقتحام عالم الكبار الغامض عادة، نتيجة لتحفظهم وحذرهم أمام الصغار، أما بوجود حمحما.. فكانوا ينسون أنفسهم تماماً، وتسقط المحاذير وكأن أحداً منهم لا يراه.. يحس أنه علاء الدين وقد لبس طاقية الإخفاء.. لكن هذه المتعة سرعان ما كانت تغيب، بعد غياب حمحما.. إذ يبدأ التجار بالكحكحة والنحنحة إلى أن يتخلصوا من آثار الضحك المجلجل ويهمدوا.. ويعودوا إلى لبس ثوب الوقار ثانية.. لتبدأ أحاديث الكبار الجدية والمملة في شؤون السياسة والدين. عندها يركض عائداً إلى الحارة.. قابضاً على قطعة النقود في راحة كفه، كأنها طير يخشى فراره.

كان "ثائر" من النوع الذي يكره القيود، متمرداً ثائراً، يكره الانضباط والضوابط والمنضبطين والضباط!!! وفي السابعة عشرة من عمره، حل مكان والدة في متجر الأقمشة في الفترة من الظهر وحتى المغرب. حاضراً في حفلة حمحما اليومية.

بعد نيله الليسانس.. ولأنه يكره العبودية بشتى أشكالها ومسمياتها ومكوناتها!!، لم يطق فكرة أن يكون موظفاً لدى الدولة، عداك عن أن الأمل بقبول توظيفه، كما أمل إبليس في الجنة!! بسبب من أفكاره وجرأته في التعبير عنها، حينما كان يخوض مع أقرانه في أحاديث تتعلق بالشأن العام، لذا اختار مهنة حرة وافتتح بمساعدة والده مكتباً يمارس فيه مهنته.

مارس مهنته طيلة خمسة وعشرين عاماً، وفق القيم التي تربى عليها على يد والده، والمبادئ التي تعرف عليها كبيراً، فاحترمها واعتنقها. وكان في حياته المهنية تلك كالقابض على الجمر!! .

رؤية حمحما أعادت إليه شريط حياته بومضة عين.. (الفلاش باك) كما يسميها صناع الفن السابع. شعر بالامتنان لحمحما.. أراد أن يعبر له عن شكره وأن يقابله بالمثل، فيدخل السعادة إلى قلبه كما فعل هو.. ولو دون أن يقصد أو يدري.. وأي شيء يسعد"حمحما" أكثر من حفنة من النقود المعدنية التي ترن في جيبه. لذا عبر ثائر الطريق مبتسماً وحين وصل إليه استوقفه وسأله عن أحواله وصحته.. برطم حمحما كما هي العادة.. وارتسمت على وجهه ابتسامة شكر وترقب، وهو يراقب يد ثائر تمتد إلى جيبه.

ابتسم ثائر وأخرج من جيبه ما ظنه نقوداً معدنية، فإذا بها كومة من المفاتيح لا أكثر!!، مد يده إلى الجيب الآخر، فراغ كامل هناك، يشبه الفراغ الذي شعر به في رأسه حين أيقن أنه لا يحمل نقوداً، احمر وجهه وصعد الدم إلى رأسه.. أحس أنه سيغمى عليه، سيظن حمحما أنه يسخر منه، وقد يسبه ويتف عليه، ويلم عليه تجار السوق.

يبدو أنه من فرط سعادته لرؤية حمحما والذكريات التي حملها له، نسي أنه ومنذ أسبوع مفلساً.. يحضر حاجات المنزل اليومية من عند جاره البقال.. بالدين!!

حينها شعر بالكره لأغنيته المفضلة.. التي يبدأ بها صباحاته.. وبالعتب على "سيد درويش".

(صبح الصباح فتاح ياعليم.. والجيب مافيهش ولا مليم.. بس المزاج رايق وسليم.. باب الأمل بابك يارحيم..)

رفع رأسه إلى السماء.. هناك.. كانت سحابة صيفية تعبر.. ويبدو أن مخيلته عادت لنشاطها وإبداعها، فقد تخيل أنه يرى في السحابة العابرة ملامح وجهين أحبهما كثيراً.. أبيه.. و(سيد درويش).. لكنهما هذه المرة كانا.. مقطبي الجبين.. حزينين.. في عينيهما نظرة اعتذار ودمعتان.. أحس بالدمعتين تسقطان على خديه.. مد يده يمسحهما!! وانتبه حينها إلى أن حمحما ابتسم وهز برأسه.. متفهماً!!.. وربما مشفقاً!! كاد قلب ثائر يكف عن الخفقان حينما رأى يد حمحما تمتد إلى جيبه.. لأنه ظن ولوهلة.. أن حمحما سيخرج يده حاملة النقود المعدنية!! لكن حمحما كان أكثر وعياً.. ورأفةً مما اعتقد.. إذ عاد إلى تكتيف يديه.. ومضى في طريقة مبرطماً.. لكن.. دون سباب.. ودون( تف).. وعاد ثائر إلى إكمال مشواره!!


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى