الأحد ١٧ أيلول (سبتمبر) ٢٠٠٦
بقلم أمياي عبد المجيد

حوار مع الدكتور محمد شادى كسكين

- من هو د. محمد شادي كسكين؟

- هو إنسان عربي.. اختزل والداه فيه كل طموحاتهما وسنين عمرهما.. أعالج الشعر فيصرعني مرات ومرات.. ما زلت باحثاً عن الحرف التاسع والعشرين دون أن أجد نهاية لهذا البحث إلا نهاية من سبقوني... تجدني في حزن نفسي فتكون الدنيا في أوج اتساعها وفي بسمة تحلم أن تسكن وجوهاً غادرها الفرح منذ زمن.. أو ربما لم يعرف لها طريقا..!

كاتب وشاعر وطبيب... غمرني ربي سبحانه بنعمائه وأنا العاجز عن الحمد والشكر.. وأنار قلبي بنور معرفته.. لسوريا الأبجدية الانتساب وللعروبة الحقة الانتماء... دنياي شريكة حياتي وفتاة أحلامي... وكنز سعادة عمري أميرنا الصغير "يزن".. عن العمر لا تسل فعمري بروحي لا بعد السنين فلأسخرهن غداً من السبعين.. عمري إلى السبعين يجري مسرعاً والروح ثابتة على العشرين.. وفي حين يتعب الناس أيامهم لتكون أيام حياتهم هي الأفضل.. أشقي كل سنين حياتي ليكون يوم موتي هو الأجمل...


- كيف بدأت الكتابة؟ أو بعبارة أخرى كيف أبرزت موهبتك في هذا المجال؟

- بدأت الكتابة من شغب الطفولة... وكان والدي جزاه الله كل خير هو مشجعي وأستاذي الأول... كنت أهذر بشذرات أسميها شعراً فيصحح لي ويشجعني وأساتذتي وفي حين كان الأطفال يتوقون للعب ومشاهدة المباريات والألعاب كنت أقرأ وأقرأ ولا أعرف في العالم إلا القراءة... وهكذا رويداً رويداً حتى هداني الأدب إلى بوابة مدينته دون أن يمنحني سر مدائنه وكنوز أعماقه بعد...


– أين نشرت أولى مقالاتك وقصائدك؟

- أول مقالة لي نشرت في عام 1989م تقريبا... لكن النشر الأول الذي أعتد به كان قصيدة "الشهيد" ونشرت في مجلة "إلى الأمام" الفلسطينية عام 1994م. ثم بدأت النشر في الصحف السورية ف "المحرر" العربية الصادرة من باريس و "المستقلة" الصادرة من لندن و "جريدة شبابيك" الصادرة من مالطا... وهكذا تعددت الصحف والمجلات وصولا إلى المواقع الإلكترونية.. والكتابة الرقمية...


- تسمي نفسك "شاعر الغرباء" إلى أي حد يتحقق هذا اللقب؟

- إلى حد كبير.. تأسرني كوامن الغربة وتقتلني... هي غربة الروح قبل غربة الجسد... أحن إلى الغربة والغرباء الذين يعيشون عالمهم الخاص بعيدا عن رفث هذا العالم ونفث دخانه التربعون على عرش غربة أمواج البحر وترحالها وندى القطرات أولئك القلة القليلة في هذا العصر المزدحم... فطوبى لهم..

- لكونك تقيم في بلاد المهجر , كيف ترى مساهمة كتاب وأدباء المهجر في إثراء المكتبة العربية؟

- للأسف لم تعد مساهمة أدباء وكتاب المهجر كما كانت في عقود سابقة ونحن حين نتحدث عن ما قدمته أسماء كبيرة كالشاعر القروي وشفيق وفوزي المعلوف وإيليا أبو ماضي وغيرهم من عمالقة الأدب المهجري فإنما نتحدث عن حقبة مزدهرة قائمة بذاتها في الأدب العربي والمكتبة العربية ذاك أن أدب المهجر يمثل تحديثا مستمراً.. ورفداً دائماً للثقافة عموماً والعربية بخاصة وهو لا يختلف عن أدب الإستشراق لدى الثقافة الغربية....اليوم وإن كنا نفتقد الكم فإننا نفتقد أيضا ً الثراء الفكري والإبداعي الذي شهدته المكتبة العربية ذات عصور تحتاجه أي ثقافة حية من أدب مهجرها.!..

- نعلم بأنك تزاول مهنة الطب, كيف استطعت الجمع بين حس أدبي وأخر علمي؟

- الطب والأدب إن شئت يتقاطعان حين يحمل كل منهما الصبغة الإنسانية ودقة الإحساس بالشعور الإنساني.. والطب هنا يفتح للأدب باب مادة أدبية ثرية قد تتقاصر دونها قامات مواد أدبية بحتة...


- ماذا تريد أن توصل للقارئ من خلال ما تكتب؟

- ربما أعرف الكثير مما أريد إيصاله للقارئ العربي من خلال ما أكتب..لكنه بالتأكيد ليس كل ما أريد... ذاك أنك في مرحلة ما من الكتابة تخوض غمار تجربة مخاضية للكلمات.. مرحلة ولادة مؤلمة للحروف وفي مرحلة من هذه التجربة (المخاض والولادة) تذهل عن أن تجمع كل شوارد الفكرة وكل أفاق الحرف.. فتثبت شيئاً وتفتقد أشياء... ولذا فكثير مما أريد إيصاله هي شيء من الإنسان عنه وإليه بعض من بوح آهاته وإبحار ذاكرته... دقات عقارب العمر الذي يمضي سريعاً.. ربما كنت أريد من خلال الكتابة أن أخوض مع قارئي الكريم غمار تجربة المشاعر الإنسانية بشكل جماعي من خلال الحرف..


- هل شاركت في أمسيات أو ندوات؟

- نعم وكان معظمها في مناسبات وطنية وقومية.


- ما هي طموحاتك المستقبلية في مجال الكتابة؟!

- لن أحدثك عن طموح الشهرة و الأضواء فهي وإن وجدت في نفس الكاتب ضرب من السراب الزائف الذي لا يبث أن يتلاشى لكنني حقيقة أحلم أن ألج في الحرف عالماً لم يكتشفه قبلي أحد.. وأن أكتب نصاُ لم يكتب من قبل.. وأن أصل إلى استشهاد بين الورق يقال فيه: صدق إذ قال! هل تظن هذا سهلا؟
أما عن الأعمال الأدبية فانا أقترب الآن من الانتهاء من أول كتاب عربي يرصد ظاهرة المدونات العربية بإذن الله.


- هل يمكننا أن نعتبر المواقع والمنتديات الالكترونية الثقافية بديلة للصحافة الورقية؟

- لا على الإطلاق لكنها تغطي جوانب لم تستطع الصحافة الورقية تغطيتها وإن مازالت تحاول ما يميز العالم الإلكتروني بعد سرعة الانتشار هو ما يسمى "برصد رجع الصدى" أي قياس ردة الفعل الناجمة عن العمل الاتصالي أو الإعلامي وهو هنا الكتابة...

من الأهمية بمكان في عصر الإلكترون أن لا يبقى رد الفعل والتأثير مجهولا... وحتى الاستطلاعات واستبيانات قياس الرأي العام قد تفشل في الحصول على نتيجة مباشرة مثل الذي تشهده المواقع والمنتديات الإلكترونية وحديثاً المدونات الشخصية... كما أن هذه المواقع خلقت نوعاً من العلاقات الشخصية بين الكاتب والقارئ.. ونوعاً من الحوار يثري الموضوع ويسبره... على أوجه مختلفة!


- ما هي مصادر إلهامك في قصائدك الشعرية؟

- هي مصادر وليست مصدراً واحداً للإلهام... لعل أولها الإنسان ذلك العالم المجهول حتى اليوم بأحزانه وأفراحه وتقلب الحياة وغرائب فعلها به.. وبالـتأكيد من أهوى ومن أحب.. سواء من أثروا الرحيل أو ما زالوا يسيرون في نفق الأيام و حكم الأقدار.

- هل تعتقد العولمة وهذا الانفجار الإعلامي يشكل خطر على الشعر أو العكس؟

- ربما اقتطعت الثورة الإعلامية جزءاً من حيز الاهتمام بالأدب عموماً والشعر خاصة لكنها في المقابل قدمت له فضاءاً واسعاً للانتشار.. العلاقة ما بين الشعر والإعلام علاقة يتبادلان فيها المصالح ثم يتنافسان.. الشعر يجنح نحو كونه مادة إعلامية تقدمها الوسائل الإعلامية أياً كانت لكن هذا النشر دون تمييز بين الغث والسمين ومنح مساحات لنص دون نص أخر قاد إلى نوع من الغبن. ونوع من الغش.. حتى في بوح النفس الشعري ووسائل الإعلام نتحدث عن الظلم والغبن والفساد...


- كيف تنظر إلى واقع الثقافة العربية اليوم؟ هل من أزمة في الثقافة العربية؟ وما الأسباب؟

- الثقافة جزء من حالة المجتمع والأمة وتعبير عنهما.. تتأثر بهما ويتأثران بها ولا تنفك عن تأثير تياراتهما.. وهي في هذه الحالة تعكس تطور المجتمع والإنسان ومتانة نسيجه الفكري والاجتماعي والحضاري أو ترجم حال تعثره وتصدعه وانحداره...

والثقافة العربية حزينة لأمرين الأول أنها بالكاد تطمح إلى نوع من الاستقرار والثبات في مجتمعاتنا العربية أمام تقلبات الأوضاع السياسية والاجتماعية والاقتصادية ناهيك عن رداءة الاهتمام بالتنمية الثقافية والمعرفية في الوطن العربي... والأمر الثاني هو ظلم من يحمل "اسم الثقافة" ويزعم انتسابه لها وتمثيله إياها.. وهو ظلم أشد مضاضةً وأبرح ألماً فهؤلاء سجنوا الثقافة وراء قضبان شهرتهم وسحر أسماءهم ووضعوا حجباً قاتمةً تحجب نوافذ التجديد والتطوير في ثقافات بلدانهم وأنا هنا أزعم أسفاً أن بعض المثقفين العرب – وبنسب متفاوتة -ممن أعطتهم الثقافة باع شهرتهم الرحب يساهمون في تحويل الثقافة العربية إلى مستنقع أسن تعلوه الطحالب.. لا يجدد ماؤه ولا يكشف قاعه... ولولا الفضاء الإلكتروني بمفرداته المتعددة لقرأنا على الثقافة العربية فاتحة الارتحال منذ زمن..

أمر أخير هنا أود أن أشير إليه وهو أن الثقافة تحتاج في أحوالها الطبيعية من يعطيها الاهتمام والرعاية فتعطيه إبداعاً وتألقاً وإشراقاً فكيف بها وهي تعيش حالة مرضية أصلا ومن زمن.؟! وأعتقد أن إحصاءات حركة النشر والترجمة والتأليف للكتب والبحوث العربية خير شاهد على ما أقول...

- هل من سبب في رأيك من تراجع المعارك الأدبية التي كانت تساهم في إثراء الثقافة العربية؟

- هناك أسباب عديدة أكتفي بالإشارة إلى أهمها وهي ما يمكن أن نطلق عليه" ظاهرة النفاق الثقافي"-" والمحسوبيات الثقافية" – و"نفاق النقد" وهي ظواهر وسّعَ أفاقها التقارب الإعلامي بين المثقفين فطغت المجاملات على النقد... وأصبحت العلاقات الشخصية في كثير من الأحيان تحدد نوع الإقرار بالجودة أو الرداءة لنص أو لأخر...

المعارك على حال أخري لم تنته لكنها ليست معارك أدبية كتلك التي ننشد بل هي معارك شخصية لا أكثر وليس للأدب فيها من ناقة ولا جمل ثم وهذا ما لاحظته شخصياً أن القراءة الإلكترونية للنصوص الأدبية تسرق "متعة الغوص" في عمق النص وبين ثناياه وتقلل فرص عناق نقاط التوهج فيه مما يضعف القدرة علة تقييم النص خاصة وقد برعت المساحات الإلكترونية اليوم ببرامج الزخرفة وتأثير الوسائط المرافقة للنصوص فإذ بها تسرق الأنظار وتشد الاهتمام أكثر من النص ذاته أحياناً.

- ما المشروع الذي نحتاجه للنهوض بثقافتنا؟

- نحتاج لإعادة نظر في طريقة تفكيرنا كمثقفين بدايةً وإنتهاءا ً لأنني أعتقد أن الأزمة أزمة مثقفين خلقوا أزمة الثقافة الحالية..وعندها فقط نستطيع الحديث عن مشروع نهضوي ثقافي عربي دون أن أغفل أهمية الاهتمام بحركة الترجمة وتجديد الخطاب الثقافي العربي وتسهيل حركة تأليف ونشر واقتناء الكتاب العربي الرقمي والمطبوع ومسايرة التطور العالمي في مجال الكتابة الرقمية..

- في الآونة الأخيرة شكلتم أنت ومجموعة من الكتاب الشباب - منظمة كتاب شباب ضد الفساد- وهي منظمة حقوقية, وتشغل فيها منصب نائب الرئيس, ماذا يمكنك أن تقول لنا عن هذه المنظمة, وأهدافها؟

- منظمة "كتاب شباب ضد الفساد" منظمة من منظمات المجتمع المدني شكلها مجموعة من الكتاب العرب الشباب في معظمهم من عدة دول عربية وهي حديثة عهد على أرض العمل الفعلي وتهدف إلى تطوير وتشجيع عملية محاربة الفساد بشكل عام.. لكنني ومن وجهة نظر شخصية أعتقد أن أهم عمل يضمن تحقيق المنظمة لأهدافها هو الارتقاء بالفكر المضاد للفساد ونشره في المجتمعات لأنني أعتقد أن أي جهد مهما بلغت قوته وعالميته لن يكون قادراً على النجاح في هذا المجال طالما كانت فكرة الفساد مقبولة شعبياً ونفسياً في نفوس الناس وعقولهم.. عندما تنبذ الفكرة وتطرد تموت...علينا أن ننزع الفكرة ثم نحارب الظواهر الناجمة عنها مع بحث الأسباب الأساسية لظهور هذه الظاهرة وعلاجها بدل تهويل الصورة وتوجيه الاتهامات بغير اتجاه... بهذه الطريقة يمكن أن ننجح في عمل المنظمة وإلا فإننا سنواجه الإخفاق قريباً..

- هل تستطيعون من خلال هذه المنظمة إيقاف زحف الفساد في العالم العربي؟ وبأي وسائل تعملون؟

- لا أحد يستطيع الزعم بذلك وإن كنا نعتقد أن المجال الإعلامي والتعاون مع الجهات المهتمة بعلاج الظاهرة واستئصالها ما أمكن هما من الطرق الناجعة حالياً..


- في نهاية هذا الحوار كلمة أخيرة للقارئ..

- أود أن أقول أن الحياة أجمل مما يتوقع البعض مثلما هي أقصر مما يتوقعه البعض أيضا ولكي نملك الحياة علينا أن نفهمها... ولذا دعونا نتصالح مع أنفسنا وذواتنا مع مجتمعاتنا.. مع بيئتنا وعالمنا المحيط بنا ودعونا حين نحيا نحيا كالنخل وكالنحل.. وكالأنهار لا تفتأ الأحجار تقع فيها وهي لا يتوقف تدفقها ودعونا حين نرحل نرحل كمبحرٍ يعطي للبحر موجه ويترك في كتاب الحياة صفحات تحمل بصمته للأبد.. شكرا لكم.


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى