الجمعة ١٢ كانون الأول (ديسمبر) ٢٠٠٨
بقلم يحيى فضل سليم

دوامــات

الليل فى ذهنى مبنى قديم .. حاكته الأسرار .. أقف متوجسا فى شرفتنا المطلة عليه من بعيد ..أراقب موطن الخوف .. كان مشرحة كما سمعت .. حولت إلى مدرسة .. لم ترضى العفاريت بذلك، احتلتها .. هدمت سطح المبنى والنوافذ .. وعندما تنام الشمش ينتشرون فى الشارع .. يطفئون عمد النور .. يختفون تحت العمارة المائلة .

استرق النظر .. متحفزا إلى الوثب .. الصراخ .. لا أرى إلا الليل الرابض .. تطول وقفتى .. يمر الوقت ثقيلاً .. يتخدر جسمى .. أجر قدمى إلى السرير .. مبنى المدرسة يضاء فجأة .. أنوار غريبة .. أشباح على سطح المبنى .. على السور تجرى .. تقفز .. تنطلق صرخات .. ضحكات مسعورة .. نحيب مجنون .. أشياء تتحطم .. أنوار تطفىء .. تضيىء .. المبنى يختفى .. يظهر بأشكال الرعب المختلفة .. صمت مرير .. يقطعه جرس المدرسة بدقتين .. يعقبه صراح مريع .. يطمس على صراخى .. أصحو مذعوراً .. يد أمى تربت على ظهرى .. تبسمل وفى يدها الأخرى كوب الماء.

فى الصباح أحكى لأصحابى ما رأيته فى منامى .. أغزو معهم شارع المدرسة .. مخلفون وراءنا غبار الخوف .. واصفون من يتخلف بالجبن .. وفى نهر الشارع نقف متحفزين .. ظهورنا فى ظهور بعض .. نترصد فساءات العفاريت .

هكذا كنا نسميها ونحن صغار .. حين يتوارى الهواء .. ويحمل الغبار قصاصات الو رق .. يعربد بطول الشارع .. يتجمع فى دوامة .. الأسرع منا يقفز داخلها ..

ينكمش. فى قاعها .. يذوب .. يتمدد .. يخرج من عنقها .. يتضخم .. يقهقه كمارد كبير .. أرتعد مع باقى الأولاد .. نركع تحت قدميه كعفاريت صغيرة .. نتلقى منه الأوامر فى كيفية إخافة المارة .

يصرخ المارد فجأة .. يأمرنا أن نصطف بجانب السور .. نتأمل العمارة المائلة .. نمسحها بعيون وجلة .. من أسفلها إلى أعلاها .. تنتفخ أوداجه.. يزفر فينا زفرة رعب .. يرمينا بنظرة حارقة ..يقهقه ..يتجه إلى العمارة .. يندفع .. يدفع العمارة .. يهزها .. نحذر القادمون كى يهرولوا بعيداً .

أما نحن الصغار فكنا نعلم الحقيقة ..ذلك أن العفاريت حفرت الأرض تحت جانب العمارة .. يختفى تحتها بالنهار .. تخرج تفزعنا بالليل .. واثقون بأنها لن تدع العمارة تسقط .

ملابسنا الممزقة لا شأن للعفاريت بها .. فهم يخلدون بالنهار إلى نوم ثقيل .. لكنها أوامر نكرها ونلبيها .. تصدر من المارد .. نتسلق أسوار المدرسة بمهارات عفاريت .. نخطو بحذر فوق بقايا السطح المنهار .. نهبط إلى جوف الفصول .. مستخدمون أسياخ الفصول الحديدية المتدلية .. قليل منا من تنجو ملابسه من أطرافها .. نعبث بالحطام .. نفتش عن لعب تلعب العفاريت بها بالليل .. يخفنها بالنهار .. يصرخ المارد .. نتشبث بالأسياخ .. نعاود الصعود .. نضع أمامه ما جلبنا من أشياء .. نلعب .. نضحك .. تحاصرنا فساءات العفاريت .. نزوغ منها .. متأهبون لانسحاب ممتزامن مع انسحاب الشمس .. نلتقط اللعب بسرعة .. نقذفها مرة أخرى داخل المدرسة .. خوفا من غضب العفاريت .. ونختفى فى الحال .

صدقنى إذا عبرت الشارع دون أن يقشعر بدنك ؛ فقد سرقت العفاريت منك الإحساس ؛ لتغريك بالتوغل .

مبنى المدرسة مازال كما هو .. أسياخ الحديد تتدلى من السقف المنهار .. تنكسر عليا أشعة الشمس .. يغسل حزنها أمطار الشتاء ..

العمارة المائلة فى الجانب المقابل لم تقع .. عمود النور الوحيد .. يقف بلا هدف وقد علاه الصدأ .. الشارع مازال محتفظاً بنفس تضاريسه المتعرجة .. غبار المنطقة فضل الإقامة فى هذا الشارع .. مازال يعفر أحذيتنا .. الرصيف يستر نفسه .. ببقايا من كسور البلاطات .. ومازالت تلفنا فساءات العفاريت .

الآن وحتى لا تغتر العفاريت .. أسميها "دوامات الهواء "

وكما كنا نفعل ونحن صغار .. نضبط أطفالنا يتسلقون سور المدرسة .. يقفزون فى جوفها .. يأتون بملابسهم ممزقة .. ننهرهم .. نضربهم .. كما كان يفعل معنا آباؤنا .

مازال الخوف ينتظرنى ليلاً عند أول الشارع .. أقطعه دون التفات .. بخطوات ثقيلة .. تحمل بدناً مرتجفاً .. دبيب أقدام خلفى .. تتواتر مع خفقات القلب .. لهاث أنفاس تشق ظهرى ..تفلح موخرة رأسى أموت رعباً .. أتعثر فى قلبى الساقط بين قدمى .. تأكلنى حفر الطريق .

أصمم وأنا عائد ليلاً .. على المرور من طريق آخر ..كلما اقتربت .. يفتر عزمى .. أقف عند أول الشارع .. أشعل سيجارة من أخرى .. منتظراً شخصاً قادماً أمر معه أما بالنهار فهو طريقى المفضل .. أمر فيه .. أتشوق إلى عبق الهواء المخنوق .. أرصد فساءات العفاريت .. تشدنى رغبة قوية إلى القفز داخلها ؛ لأصير مارداً .. ولو لمرة واحدة .


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

كاتب مصري

من نفس المؤلف
فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى