الخميس ٢١ حزيران (يونيو) ٢٠٠٧
بقلم عزة أنور

رائحة الخريف

لا تحب البقاء في تلك الغرف البيضاء بأسرتها الحديدة ، تتحامل على نفسك إلي الخارج ثمة شعاع دافئ للشمس كان يرتعش لكنه كان يصنع ممرات مضيئة بين أغصان الشجر.

عيناك لاتصل إلي نهاية المكان ، تعرف أن أمراضا لا تحصى ولا تعد مرت عليه، وهاهي الأشجار بقاماتها الشامخة مازالت قادرة على أن تشيع الحياة رغم كل شيء.

جئت مضطرا إلي هنا ، لا أحد يعرف سببا لتلك الحالة التي تواجهك بارتفاع درجات الحرارة رغم سلبية الفحوصات . ترى من مكانك عنبر الإيدز وهو يقف وحيدا ، الأشجار التي تواجه غرفتك بدت كأنها ترفع أغصانها متضرعة من أجل ألا يأتي يوم آخر لا يعاني فيه المرضى من نظرات النبذ.
أنت أعلم بحالتك الراهنة من أي طبيب هنا ، تعرف مقدماتها كلما عمقت الفجوة بين ما كنت تعيشه هناك وما تواجهه هنا. تذكر عندما كنت في تلك البلاد الثلجية ، كان سائقو العربات ينتظرونك من بعيد حتى تعبر الشارع ، وهنا أنت تهرول كلما رأيت عربة ، ورغم ذلك فأنت لست فى مأمن ، هناك لا توجد نافذة واحدة بلا زهور، أما هنا فالجمال مسروق ولا تبقى سوى البشاعة .

هاهى صديقتك تهل عليك من بعيد ، مثل شمس الشتاء ، لا تعرفها منذ زمن بعيد، لكنها ترفض تركك بمفردك بعدما أخبرتها بزيارات عائلتك القليلة ، تحمل الحلوى وتنصت ساعات إليك ، تحكي لها أن الإنجليز بنوا هذا المكان منذ وقت طويل، ملأوه بتلك الأشجار العريقة ، كانوا على يقين أن الأشجار تزرع الأمل في نفوس المرضي ضحكت وقالــت لك : إذا عرفت ما الحكمة من وراء تلك المباني الأسمنتية التي تبنى الآن ويدعون أنها للعلاج .
دفقات اهتمامها تؤنس وحدتك ، زهورها تملأ المكان حياة تتساءل..هل تحبك؟

ربما..إلي الآن لا تعرف حقيقة مشاعرك ناحيتها، أنت لاتشك أنها من أكثر الذين سكنت لهم وتعاطفوا معك . أمس خرجت لإجراء بعض التحاليل ..أنتظر الطبيب حتى أعطاك حقنة البنج ، ثم طلب منك كتابة كلمات تعلن مسئوليتك عما يفعله بك ، لكن لم تكن في حالة تسمح لك بالرفض، قدماك لا تقويان على حملك ، أخبرتها أن المرة القادمة ستؤجر أحدا يأتي معك. قالت بتأثر: ألم تر أنك تحتاجني ؟!
لاتقوى على مواجهة رغبتها في الارتباط بك ، رغم محاصرتك لها في البداية ، ربما لم تنس تلك البنت ذات العينين الزرقاوين في تلك البلاد البعيدة ، والتي خطفت مشاعرك ذات مساء ، واكتشفتما فجأة أن ثمة خيوط حريرية تربط بينكما ، ظللت طوال الليل تحملق في السـقف ، عند انفلاق الصبح ذهبت تطرق بابها ، ظللت تطرق وتطرق، عدت حزينا وصامتا.

ومن يومها وصورتها لا تفارقك..لمس الثلج بأنامله فوق شعرك وضجت الحيطان من شكوى أمك ، لكنك لا ترى أحدا يمكن أن تفتح له الباب.
ذات يوم..صاحت صديقتك عندما حدثتها عن مشاعرك الفريدة تجاه تلك البنت، قالت لك: أن الحب شجرة لها جذور تظلل وليس وجها يضيع في الزحام.
كانت شجرة قادرة على أن تمد جذورها وتبسط ظلالها في أي مكان تحط فيه، تعجبت رفضك لها لم يزيد ها إلا قــوة ..كانت صغيرة، أصغر منك بكثير لكنها اقتحمت أفكارك بعنف ثم مضت.

الأيام تمر.. أنت لازالت تجلس على الكرسي الهزاز المواجه لنافذتك لا تعرف إلى أين تتجه ، هل تبحث عن ذلك الطيف الذي سرقك ذات مساء ، أم تقبض على تلك الحياة التي تتحداك بقوة حضورها؟ وبين هذا وذاك..كانت رائحة الخريف تتسلل وتلقي بحضورها الكثيف .

ذلك البريق

وقفت وزملاءها في بهو المتحف ، تماثيل الشمع تقف في مهابة وجلال ، تكاد أصابع الفنان تكسبها حياة ، اندفع زملاؤك إلي الدور العلوي، وبقيت وحدك تحملقين في الوجوه التي اصطفت أمامك ، لفت نظرك أحد التماثيل الذي أخذ ينظر لك بقوة غريبة، هيئ إليك أنك قابلته من قبل..نعم نفس تفاصيل الوجه ، تذكرت أنك قابلته منذ يومين ، اندهشت أن يتحقق الحلم هكذا بسرعة ، جذبت أحدى زميلاتك وصاحت فيك: ماذا تفعلين ؟ تكسرت الكلمات فوق شفتيك ، خفت أن تبوحي بما تشعرين به فتتهمك بالجنون ، استسلمت لها وصعدت إلي أعلى ، كان الزملاء يرسمون أمام بحيرة البط ، وقد أنشغل كل برسم الزاوية التي تلائمه ، فجأة أحسست بقدميك تنفصلان عنك وتهبط بك إلي أسفل فجريت وراءها .
عدت إلى نفس التمثال، بدا كأنه على وشك ترك مكانه لكي يبحث عنك ، ثمة شيء معلق على شفتيه يود قوله لك ، حملقت في العينين بدتا لامعتان وأكثر حياة من الذين يدعونها ، ثمة لغة للتواصل آخذة فى النمو بينكما في بساطة وهدوء ، ساخرة من ضجيج كل من عرفتيهم ، تصاعد صوت عميق في البهو كأنه يبشرك خيل إليك أن كل الدنيا تنصت إليه" هاهو الاكتمال يلوح لكما ويبسط يديه بسر الحياة " ثمة سكون يرفرف بجناحيه في أرجاء المكان كأنه صلاة، انفلتت دمعة منكما ، كانت رسول الفرح المباغت مددت يدك نحوه ، ما كدت تلمسيه حتي انتفض صارخا مبتلعا دهشتك ثم بدأ يذوب متجها ناحية الباب.

صخب زملائك يخرجك من صمتك ، تسللت إلي قلب المجموعة ، دون أن يلتفت أحد إلي ذلك البريق الذي أختفي من عينيك .

آخر شعاع

صار من المألوف في هذا الشارع المواجه للنيل أن تمشي فيه بعكازك كل يوم ، وتظل تحملق ناحية نافذة في أحدي العمارات تتدلي منها ملابس طفل صغير ..تظل ترقبها برهة، تنهدت وأنت تودعها .

لا أحد يعلم بتلك الجريمة التي نفذتها هنا ذات يوم بدم بارد ، دخلت معارك كثيرة ولم يهزمك أحد إلا هذا الطفل ، طوال عمرك وأنت تضرب الأرض بقدميك ، صوتهما يرعب جنودك ..لماذا تخذلانك الآن ، طأطأت رأسك .
نادت أم من أحدى الشرفات على طفلتها لكي تصعد إليها بسرعة، ثمة ابتسامة على شفتيك تشبه ( زهرة) ابنتك ، كل الأطفال الذين تراهم الآن ، صاروا زهرة رغم أنك لا تتذكر أنك ضممتها إلي صدرك يوما ، أو أمسكت يدها وذهبت بها إلى المدرسة مثلما يفعل أغلب الآباء..أنت نفسك تتساءل عن من صبك في هذا القالب الفولاذي؟

تعلم أن أباكم رباكم تربية قاسية لكن هاهو أخوك شريك البؤس يقول لك : أنت تعامل عساكرك مثل الكلاب الضالة، ورغم أن ابنتك كانت أكثر الكلاب تأدبا واجتهادا ألا أنك لا تتذكر كم من المرات ابتسمت في وجهها ، وحدها نظرات الخجل المعلقة على شفتيها دائما .

كنت تضع لها صورة أمام عينيك ، ولم تكن تريد أن تحيد عنها أبدا، لم تصدق أن ترغب ابنتك مثل كل الناس ، رفضت ذلك الشاب الذي حكت لأمها عنها ، لم تتخيل أن يسرق أحد شيئا من ممتلكاتك ، حتي ذلك اليوم عندما فوجئت بإصرارها عليه ، امسكتها بعنف وهززتها قلت لها وعيناك تريدان ابتلاعها: أنت تمثالي ولن يأخذك أحد مني...أول مرة تسمع صوتها معترضا : نعم أنا تمثالك ...لكنه الحب ..هو الذي يهب الحياة.
أعلنت حالة الطوارئ ، أصدرت قائمة من الممنوعات ، دربت زوجتك علي أن تكون جهازك الإعلامي الذي يزن أفعالك ويكسبها منطقية ، لا تعرف لم عاملته علي أنه غريمك ، ورفضت كل محاولات الوسطاء التي لجأت إليها أرضاء لك ، حتى فوجئت ذات يوم بخطابها الملقى علي السرير.
شهور تهيم في الشوارع بحثا عنها، ورغم أنها أرسلت إليك وثيقة زواجها بعد أيام من هروبها ، لكن لم يكن لديك حيلة في تلك النار المشتعلة في صدرك.
أخيرا اهتديت إليها ، نظرات الرعب التي ملئت عينيها ، تلخص خوف كل المسجونين من السجانين ، تبلدت مشاعرك وأنت تخبرها بوفاة أمها حيلة لكي تعود بها إلي البيت.

رسمت سيناريو لما ستنتهي إليه الأحداث، ستعود بها ..ستستعمل كل وسائلك الخاصة من أجل طلاقها ، وليذهب إلى الجحيم كل من يتحداك ، لكن هاهي النظرة الأولى لبطنها الممتلئة تطيح ساخرة بكل تصوراتك وتجعل للقصة فصولا أخرى.

تهرول معها فور معرفتها بالخبر، كاد يغمى عليها عندما تلقتها أمها بالحضن ، أدركت خديعتك لها وحاولت الهرب ، جذبتها بعنف ، اصطدمت بالحائط ، صرخت ثم غابت عن الوعى . منذ حضور هذا الضيف وأنت تشعر بأنك مثل أسد محاصر، تظل محملقا في السقف تحـدث نفسك . لم تأت هزيمتك على يد طفل رضيع ؟ النار تتأجج في صدرك ، تندفع إلي غرفتها بلا وعي ، تحمله بين ذراعيك ، أول مرة تراه عن قرب، نفس براءة أمه وعين أبيه العنيدتين ، صوته أيقظها لكنها كانت أضعف من أن تفعل شيئا ، أما زوجتك ..فقد كرهتك إلى الحد الذي تركتك فيه إلي نفسك.

ليل الشتاء دبابيس توجز العظم ، تهيم حتى تأن قدماك ، عند بقعة مظلمة وفوق أحدي العربات وضعته ومضيت. طمأنت نفسك " لن يبقي حتى الصباح وزهرة ستبكي أيام ثم تنسي ولامانع أن يتبدل السيناريو قليلا تبعا للظروف الطارئة"
الضجيج يسبقك قبل صعودك علي السلم ، أحد الجيران يربت على ظهرك : زهرة تعيش أنت . حالة من الوجوم تهبط علي الجميع ، لم تكن تعلم أن الأحزان الجليلة تطعن في غفلة منا ، حتى امرأتك لم يعد لسانها له القدرة على الكذب ، فاستراح للصمت . صارت تحيا في عالم لايشاركها فيه أحد ، وأنت لم يعد يستهويك شيء سوى أن تقطع هذا الشارع بخطوات منهكة ، غافلك حذرك ذات يوم وسألت بواب أحدي العمارات عن طفل ألقي ذات مساء، فأشار إلى طفل يرقد في عربة تدفعه يد امرأة وخلفها زوجها
قال: أهل خير.

راقبت الطفل بشغف ، كان ينظر للعصافير التي تحلق فوق الشجرة المواجهة للبيت ، شعور ما ينبض في غفلة منك ودمعة صغيرة ..أخذت تتسلل علي استحياء بينما كان الظلام يهبط في سكون .


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى