الاثنين ٢٩ تشرين الثاني (نوفمبر) ٢٠١٠
نوايا الشعر المسمومة المباركة
بقلم حسين سرمك حسن

سماويات «5»

أنتقل الآن إلى قصيدة خلافية أخرى من وجهة نظري وهي قصيدة (أهلوك أهلي يا ديار – ديوان "الأفق نافذتي" ص ص 91 – 101) التي أهداها السماوي إلى صديقه معالي الأديب (د.عبد العزيز الخويطر)

جوابا على رسالة الأخير للسماوي المنشورة في المجلة العربية عدد "صفر 1241 هـ" التي تفقد فيها أحوال صديقه يقول يحيى في مطلع قصيدته:

ختم الذهولُ فمي وشلّ صوابي
لـمّـا نزلـتُ الحيَّ بعـد غـيـابِ

وهواستهلال متوازن يعبر عن حيرة وانشداه العائد بعد غربة مريرة إلى (حي) غاب عنه (غيبة طويلة كتحصيل حاصل لذهول الفم وانشلال الصواب)، كما أنه يكافيء مضمون رسالة صديق هي رسالة افتقاد تستفسر بحرص عن أحواله بعد فراق طويل . والشاعر يواصل التعبير عن "صدمة" العودة وفرحته الشديدة بالإياب إلى أحبة لا يعرف بأحداق (عدنا إلى الحدقة والعين و "ضعفهما" الجيني الوراثي النفسي الذي تحدثت عنه في الحلقة السابقة فراجعها يا شقيق روحي القاريء) من يبدأ التقبيل، فكلهم أعزة محبون، ولا بأي دار يستقر مريحا روحه وجسده بعد الغياب الطويل وكلها كانت بيوتا حانية منعمة:

لعب الهيام بمعزفي فتناغمت
قُبَـلُ اللقاء ولوعـة الـتغـرابِ

من هنا يمرر الشاعر حفزة مراوغة رائعة، وقد قلت أن أشد السموم تكون ترياقا بيد الشاعر الآسي (والآسي من " ASU " كلمة سومرية تستخدم للطبيب) . لقد حل في أرض الحي بين أحبته وبدأ التقبيل .. قبل اللقاء .. ثم عاد يسأل عن أي حدقة يبدأ قبل شوقه ووفائه . لكن الواقع الشعري الذي هو واقع نفسي – وهذه حقيقة كبرى أرجو أن يضعها القاريء في ذهنه لأنها قاعدة مركزية في منهجنا النقدي التحليلي ستتأسس عليها استنتاجات بالغة الأهمية عن شعر السماوي وموقفه من المرأة – وهذا الواقع يخالف تماما اشتراطات الواقع الموضوعي الفعلي، وفي هذا الواقع لا تخضع مسببات الحوادث ونتائجها للتسلسل الفيزيائي المنطقي المعروف، بل قد تنقلب وقد تتداخل، وها هو الشاعر يعود إلى المقدمات التساؤلية بعد أن حقق النتائج السلوكية:

فبمن سأبتديء العناق مقبّلا ً
أحداقه ... وجميعهم أحبابي؟
وبأي دارٍ أستريح ... وكلها
فاءت عليّ بأعذب الأطيابِ؟
نامت بأحداقي زهور دروبها
وتكحّـلت بـتـرابها أهـدابي

وهي فعلا حيرة مدوخة أن تكون الديار التي غادرتها طويلا، كانت كلها رحم أمومية احتوتك ورعتك في بيئتها الفردوسية، فبأي بيت يبدأ الشاعر ؟، وهذا نوع من الصراعات النفسية التي قد لا يستقبلها المتلقي بيسر مع رسوخ المضمون "السلبي" في معرفته عن موضوعة " الصراع – CONFLICT " التي اعتاد أن يرى فيها مواجهة بين دافعين، أحدهما سلبي والآخر إيجابي: إقبال وإدبار، حب وكره .. و .. ببساطة سلب وإيجاب، معبر عنهما بسهمي إرادة أو رغبة متصادمين بصورة تخطيطية شائعة، لكنه لم يعتد على صراع دوافع ذات اتجاه واحد .. " متجه – VECTOR " سيلتقي عند نقطة مشتركة مع متجه آخر يحمل الطبيعة الإقبالية أو الإدبارية ذاتها . هذا صراع " الإقبال الإقبال " أو " الإدبار الإدبار "، أو هو صراع دافع إيجابي ضد دافع إيجابي مماثل، أو دافع سلبي ضد دافع سلبي آخر .. مثل معضلة من يحب فتاتين في وقت واحد .. جميلتين وتتوفر فيهما شروط المحب .. يقول المثل الشعبي بحكمته الباهرة (يريد الشحم واللحم) – راجع كتابنا عن التحليل النفسي للأمثال الشعبية العراقية – وهذا هو حال يحيى مع فارق أن صراع الإقبال الإقبال سيصبح في نتائجه النفسية مؤلما بالحيرة الشائكة وكأنه صراع إقبال وإدبار لكن ما يخفف من وطأته المناخ الجمالي الذي يتكفل به الشعر – اللغة بفعلها الآسر -:

أهلوك أهلي يا ديار وإن مضت
بسفينتي عنهم ضفاف سرابِ
أهلوك أهلي يا ديار .. فماؤهم
خمري .. وصدق ودادهم أكوابي
لا ضاحكتني - ما حييت – مسرّة
لو كنت أنسى ليلة اصحابي

أي أن "خسارة" من نوع ما تترتب على الحيرة في الإختيار بين موضوعين محبوبين .. بين بيتين من بيوت الأهل .. المعززين سواسية في شرعة الحب. يا لهذه الحياة، لا تمنح عطاياها لنا بسهولة .. وحتى في جمالها ضريبة مكلفة على اختياراتنا . ولكن في المخيلة علاج لكل الحيرات:

ولقد أفيء إلى الطيوف مقبّلا
خير البيوت قداسة ً وتراب ِ

وفي فضاء هذه المخيلة المعالجة ذاتها، تتفجر شحنات النرجسية المباركة التي تؤسطر قدرات الشاعر الذي طافت انهماماته الآن خارج حدود الحيرة التي استولت عليه عائدا بعد غياب حارق متطاول . فهو الآن يقف على ذروة هامة الحوادث .. يفصل فيها .. ويحكم بين أطرافها .. حتى لو كان الأمر على جناح أداة امتناع لامتناع مؤجل مثل الـ: لو، مع حيرة بين إقبال وإدبار تأتي اختيارية هذه المرة:

ويمسُّـني – لو مسّ هودج حرّة ٍ
في آخـر الدنيـا – رذاذ مَـصـابِ
فعسى يـساري لا تقوم شـهـيـدة ً
وعـسى يمـيـني تزدهي بكتابي

يختتم الشاعر الحركة الأولى هذه (أحد عشر بيتا) كتمهيد لتنازع العواطف الممض الذي اجتاح كيانه وهو يقف على أرض الحي الذي لم يكن محددا .. والذي يلاقي أحبته فيه مشتاقا ملتاعا ولكن متحيرا .. كما قلنا .. بأي حدقة محب يبدأ التقبيل .. وإلى أي بيت يدخل وكل البيوت محببة وأليفة وفي نفسه منها خير ذكريات آسرة كثير .. وماؤها خمره، وصدق ودادهم أكوابه . لكنه الآن يبحث .. يجيل البصر – المقلة المتعبة من جديد، راجع الحلقة السابقة – بعين ذئبية يفتش فيها عن هدف آخر لا صلة له أبدا باستنتاجات النقاد المتعففين . وقد قال "أندريه جيد " كلمة حاسمة في مجتمعه الغربي الذي تجاوزها وصارت تنطبق علينا منذ ألف عام ونحن أمة تتحرك من " الثبات " إلى " السبات " ويتدهور دور الفكر فيها من " أفق " إلى " نفق " كما يقول " أدونيس " . قال " جيد ": (ثمًة دوما أدباء من ذوي الشعور المرهف والاحتشام السريع يفضلون ألاً يروا من العظماء إلاً نصفهم الأعلى) . وليس الأدباء ذوو الشعور المرهف عندنا هم من يتصرفون بهذه الطريقة العصابية ولكنه مجتمع بأكمله .. مجتمع أوقع حتى النقاد والناقدات البارعين في مصيدة الكبت اللاشعوري الذي تنسرب نواهيه في مسارب المشروع النقدي بصورة تخفى أحيانا على أشد العيون النقدية حدة واقتدارا . يقول السيد المسيح (عليه السلام): (حين تسيرون عراة، من جديد، ولا تشعرون من عريكم بالخجل، عندها تعرفون ملكوت الله) . ومثل هذا قائم في ديننا .. في أحاديث رسولنا .. في سلوك متصوفتنا .. هو دين الحياة القويم .. فيه صحة الجسد ونقاء الروح .. وهذا ما يقوم به يحيى بفطرته البيضاء .. بعفوية لاشعوره، وأعود للتأكيد أن لاشعور الشاعر هو شعوره . وها هو يقف – ولا أعرف أين – في موضع استراتيجي يتيح له أن يجيل البصر في حيٍّ سكني كامل (هل في هذا جانب من جوانب دلالات التحذير القرآني من أن الشعراء يتبعهم الغاوون وأنهم في كل واد يهيمون ويقولون ما لا يفعلون – المشكل أن الله لم يقل في كل هذه الآيات أنهم كفرة يدخلون النار !! – نحن المعصوبين النقدة، النقدة على وزن فعلة وكفرة - الدينيين الذين أصدرنا الحكم النهائي عليهم !! أي من الممكن أن يكون متدينا هائما) .... على قمة متعالية مهّد لها يحيى – وهذا ديدنه في أغلب قصائده، فهو محترف التمهيدات والإنتقالات المحكمة، صعد على جناح الطيوف الهش .. وهذا الموقع يتيح له النظر المتعالية الراصدة الشاملة:

جالت بحي " الفيصلية " مقلتي
وتـنصّتـت لـحـفـيفـه أعـصابي

ثم يحاول – وبانقلاب عجيب يخفّف منه أنه شاعر . فمن حقائقنا المؤسسة هو أن المجنون ذو عقل عبثي، يشتغل بلا روابط ولا ضوابط منطقية، فنحن نعد الفرد مخبولا أو مجنونا – والوصفان نبذهما علم النفس الحديث لأنهما خشنان وقاسيان لا إنسانيان ولا علميان، والوصف الدقيق هو الذهاني أو المتصدع عقليا – أقول نعد الفرد ذهانيا عندما تتفكك روابطه بالواقع .. عندما يفقد القدرة على " اختبار الواقع – REALITY TESTING " ولا يعود قادرا على العودة إلى الواقع .. وبالمناسبة هو يشبه الشاعر – خصوصا يحيى – في هذه الصفة، لكن الشاعر لديه القدرة على العودة إلى الواقع بعد أن يحلق في سماوات الخيال بطريقة هي جنونية في جوهرها وشكلها . أعود الآن إلى استعادة اقتباس استندت إليه سابقا وهو سيفصل بين بعض الإلتباسات التي ستنشب في ذهن المتلقي: (كم مرة أحرجك طفلك الصغير وهو يطلب منك – وبإلحاح – أن تُحضر له القمر ؟ ويقول شاعر أغنية (فيروز): حبيبي بدّو القمر !!، وكم مرة وجدنا أنفسنا – نحن الراشدين – على القمر، ولكن في أحلامنا . وهناك فئة رابعة تستطيع الحصول على القمر بسهولة وتتمثل بالمتصدّعين عقليا (الذهانيين). وقد يسأل سائل هنا بهدوء ساخر: وبم، في رأيكم، يختلف الشاعر عن المجنون؟ فنقول أن السياب يقول: والليل يطبق غيمة سوداء تبتلع المدينة . ومن المعروف أن الغيوم ليست بليل، وأنها علاقة مجازية واضحة، ولكن الحلم يستخدم علاقة التشابه في الشكل الهندسي بين الغيوم الكثيفة السود وخيمة الليل السوداء لكي ينتهي إلى إشارة تثير حادثة من حوادث الإيحاء . ذلك أن صورة الغيوم السود الماثلة في المحتوى الضمني توحي بصورة الليل الأسود في المحتوى الظاهري والعكس بالعكس . فعلاقة التشابه تعمل أو تؤثر من غير أن تكون معروفة . أمّا في الهذيان فإن عمل العلاقة الرمزية ليس بغير مستنكر في العقل فحسب، بل أن هذا العقل قد انحرف هو ذاته بالدرجة التي تجعله يرى مجرد التشابه تماثلا . فعندما تهجم مريضة نفسية على كوب القهوة لتقلبه لأن اللون الأسود – برأيها – هو لون الشيطان فنحن تلاحظ هنا أن الإشارة – العاني (أي اللون الأسود) لا يثير الرد العاطفي الذي لا معنى له إتجاه المعني (أي الشر) فحسب بل أن حسّ النقد الذاتي أصبح ضعيفا وأصبح الحكم الهاذي / الفصامي يخلط العاني بالمعني والدال بالمدلول . أما الفن فإنه يستخدم الرمز وهو يعرفه كرمز ضمنيا على الأقل، ويقرب استخدام الرمز الفني من الحلم والهذيان . فالسياب مثلا شبه الغيوم السوداء بالليل وبالعكس، ويمضي إلى حدّ الكلام على الغيمة التي تشرب المقابر . فإذا أخذنا الأشياء بحرفيتها فإن هذه الصيغة خطأ . ولو أن الشاعر خدع بها واعتبرها صحيحة إذن لقلنا أنه مصاب بالفصام . إن المبدع لا يُخدع برمزيته على حين أن الفصامي يُخدع بها - العقيدة الفرويدية وطريقة التحليل النفسي - رولان دالبير - ترجمة حافظ الجمالي – بتصرّف -).

لكن الآن يقلب يحيى الواقعة المقررة طبّيا ومنطقيا رأسا على عقب .. يوقفها على رأسها .. فيجعل للمجنون أسبابه المنطقية في انفلات حفزات شوقه وتأججات صبابته .. ومنذ متى كان للمجنون عوامل معقولة لحفزات شوقه وتأججات صبابته ؟!، وأنا متأكد تأكيدا مطلقا أنه مثلما " عَبَرت " هذه " النظرية " على المتلقين، فإنها قد " عَبَرت " على النقاد أيضا، كلنا يسوقنا راع تتضبب عيناه بمرأى الكلمة الشعرية، ويخدر بصيرته عبير الغريزة المبارك، هذا الراعي الذي نخشى الإعتراف بهيمنته هو " اللاشعور ":

إن كان للمجـنـون في أشواقـه
سببٌ – ولا لوم – فلي أسبابي
من ها هنا مرّت عليّ سحابة
يوما فطرّزت الورود يَـبابي

وهنا – في البيت الأخير الذي يضعه يحيى معيارا، في عمق معناه، للفصل بين حالة العقل وحالة اللاعقل – يتأكد ما قلته – والرأي ليس لي أصلا، فعذرا – في الصلة " المنضبطة " بين الشعر والطفولة و" الجنون "، فلا يوجد أي مقياس في أية معرفية بشرية – إلا إذا كانت بدائية أو أسطورية، وهي شعرية بطبيعتها – تتفق مع صورة يحيى في أن الورود تتحرك .. وتطرّز اليباب الشخصي مثلما تفعل أنامل رقيقة وحاذقة لخيّاطة بشرية ماهرة !! ثم أين هو " موضع " هذا اليباب الشخصي ؟ .. هل هو في " الأرض " ؟ وأية أرض هذه ؟ وأين مكمنها وسعتها بحيث نحتاج سحابة سماوية لريّها ؟ . لعلنا الآن أصبحنا أكثر قدرة على إدراك معنى الاتهام الذي يوجهه كل من يأتيهم نبي بأنه " شاعر " أو " مجنون " . ويحيى يستمر في مزاوجة هذين الفعلين: الشعري و "الجنوني " – لم أضع صفة الشعري بين مقوسين، ووضعت صفة الجنوني فقط، لاحظ ذلك أيها القاريء لأن في ذلك دلالات خطيرة – بصورة خلاقة مغيّبة، حيث تصبح عادة الاصطباح ليست كاس خمرة كما اعتدنا واعتاد أجدادنا المغامرون، بل بكأس ضحكة قزحية .. تشغل السماوات .. وتصبح كاس الغبوق من زلال سلسبيل الرضاب، والأخيرة مادية مقبولة، لكن الأولى موسّعة كثيرا وخارقة:

وهنا اصطبحت بضحكةٍ قزحية ٍ
وهنا اغتبقـتُ بسلسـبيل رضاب ِ

وحين أراجع البيت الذي يقول فيه يحيى – راجع الحلقة الثانية – أنه، وبسبب هجران الحبيبة، كسّر الكؤوس غاضبا، وقلت إنها أكؤوس الخمرة وليست كؤوس الشاي أو العصير، فلأن الخمرة – كما قلت – هي التي تذيب الأنا الأعلى وتتيح المنفذ لتدفق مكبوتات اللاشعور، تقول العرب: للسرّ نافذتان: الخمر (أو السكر) والغضبُ . والشعر سكرة .. سكرة باذخة حذر منها حتى الله . فهي سكرة تجعل الشاعر يقول ما لا يفعل .. قولا يرفعه إلى السماوات .. إلى مصاطب الآلهة حسب تعبير الراحل " محمود جنداري " . يرفعه أمام أنظار الناس وله تجسيد مادي أرضي في حين تطلب الآلهة مخيالا فوق المخيال: ميتافيزيقيا كي نستوعب وجودها، فأي مأزق يشكله الشعراء للآلهة ؟ . وعبر الخمرة والصبوح والغبوق وكلها مفردات لادينية يحذر منها النقاد " المؤمنون "، وهذا يذكرنا بالمثل المحكم الذي ضربه معلم فيينا عن المعلم الذي يدخل صفوف الطلاب ويقول لهم: أحذركم من أن تقولوا عن السيد المدير إنه كذاب ومنافق وهزيل .. وهو يمارس عدوانه على السيد المدير في كل لحظة يكرر فيها مثل هذا التحذير .. تحذير الكؤوس والخمرة المائية والصبوح والغبوق !! ولا أعلم كيف يتفق الإيمان الديني الثابت بطبيعته مع الشعر - وهو رفيق الجنون – المتحرك المحلق المتغيّر بطبيعته أيضا ؟ ولا كيف تتساوى الحقيقة الدينية التي هي نفعية خائفة انتقائية ومحدودة ومرئية مع الحقيقة الشعرية التي هي عفوية لاهدفية موجّهة بمتجه الرغبة، ومحكومة بقواعد التفكير الأولي وكونية ولا مرئية ؟ قصور نظرة النقاد إلى شعر يحيى – وللشعر بأكمله - يكمن في " نظريتهم " .. وفي " نظرتهم " إلى الشعر .. في " فلسفتهم " النقدية .. بل، بحدة أعمق وحفرية، في مكبوتاتهم اللاشعورية التي زرعتها في تربة نفوسهم تابوات مجتمعاتهم .. ولهذا هم لم يشعروا بالنقلة الجذرية التي نقلهم بها الشاعر من مرحلة الحيرة – الاستهلال – العاطفية – حيرة في أي مقلة يقبّل، واندهاشة أي بيت يستفيء بظلاله، ويستريح فيه من وجع شوقه المستديم – إلى جولان مقلته في " حي الفيصلية " باحثا متفحصا بدقة مبررة تفوق " دقة " المجنون إن كانت للأخير دقّة !! .. وإذا بنا ننتقل نقلة مغايرة .. لا صلة لها برسالة " الإفتقاد " كما تقول الناقدة القرني . نقلة مغايرة لتوقعاتنا الممذهبة والمقولبة .. فها نحن نتحول بعيدا عن تساؤلات الصديق الكريم القلق على أحوال صديقه التي ضمنها رسالته الحانية . ننتقل إلى " حي الشبيكة " وهو حي من أحياء مدينة " مكة المكرمة " في حين أن " حي الفيصلية " هو حي من أحياء مدينة " جدة " التي أقام بها الشاعر ست سنوات !! والست سنوات كما أعلم هي المدة الكاملة التي أمضاها يحيى في السعودية الشقيقة التي حفظته وعائلته من الهلاك .. نقولها للتاريخ . انتقلنا مسافة شاسعة من جدة حيث الحيرة والإندهاش والتمزق الحبيب والمحب بين اختيارات نعم المودة، إلى مكة المكرمة حيث:

وهناك – في حي " الشبيكة " راقصتْ
شـــامية لمـــــياء بـــــوح ربـــــــــــابي

وفي أحيان كثيرة يٌفسد التفسير النقدي روعة الإفصاح الشعري – الذي لا يُفصح وهو يُفصح بطبيعته، وهذه أعظم سماته، وأشد عطاياه الكونية إبهارا وتلغيزا في الآن نفسه – تنطلق روح الشاعر المحاصرة بلا قيود .. تنطلق .. تتسامى .. تتعالى مسترجعة لمسات لا تُحس .. وهديلا لا يمسك به عادة .. وذكرى قصة ماكرة تطيح بركائز الحياد الإيماني المزعوم .. وكل هذا يُستعاد عبر فاصلة زمنية طويلة في عمر الزمان .. او لنقل في رصيد أعمارنا القصيرة المهدّدة، هي تسع سنوات لا غير كما يخفّف وقع الخسارة الشاعر:

لازال من تسعٍ شذا أنفاسها
بدمي .. يبلل بالندى أحطابي

نحن الآن نفترق عن الاتجاه الاسترسالي العفوي الذي تفرضه الاستجابة الممتنة على رسالة الخويطر .. نحن الآن – وبعد تسع سنوات من الحرمان .. بل الجوع النفسي – نستعيد ذكريات قديمة تدثرت باغطية تسع سنوات من الفراق والبعد الجغرافي المتطاول .. لكنها تنهض بعزم .. وبعزم صادم .. كان الشاعر، في الإستهلال، لا يستطيع تحديد الهدف الحبي الموائم الذي يفضله بين أهداف مستحبة كثيرة .. ولا أي هدف يكون هدف قبلته الممتنة .. الآن يباغتنا بقدرته على التحديد الدقيق لـ " الهدف " .. هو يستمكنه بدقة وفق وصف المصطلحات العسكرية التي ضيّعت أعمارنا .. لكنها تفيد في الخلاص وقت الحيرة ليس على طريقة يحيى طبعا . نحن الآن – وبقيادة الشاعر – نعود إلى ليلة شتوية .. حيث السحاب المتخم برغبة مواقعة الأرض فتشهد على النية المحققة، الحمامات بهديلها المحزن عادة .. إشارة للفراق في وقت الالتحام:

لازلت أذكر – رغم تسع ٍ– ليلة ً
شــتـويـة مزحـومـة بـسـحـاب ِ
زخّتْ .. وأطلقت الهديل حمامة
ورقـاءُ بـيـن خمـائـل الـلـبـلاب ِ

يأتي الآن، وفي الليلة الظلماء يحضر الشاعر، مكر الشاعر الذي " تنفلت " من مخزونه اللغوي المفردة المناسبة ليس للتعبير عن تفصيلات الصورة الشعرية ودقتها، وعن ميوله النفسية واتجاهها حسب، بل عن " طبيعة " هذه الميول المسمومة من جانب، وعن المخبوء ,, المسكوت عنه في طيات لاوعينا، حيث تتلمض الغريزة، من جانب آخر . فتأتي مفردة الحال الواصف " مُكر " اعترافية عن النزوع الحسي (ودائما أكرر كمنهج وأيضا لتخفيف الوقع: الجنسي لا التناسلي الفج) الذي يسم حرقة الشاعر الطافحة نحو محبوبته، إنها نزعة حسّية يبغي منها الشاعر الإلتحام الجسدي المموه بالرمزية الشعرية التي هي رمزية نفسية أصلا تحكمها اشتراطات الواقع النفسي الذي كما قلت يختلف عن الواقع الموضوعي .. هذا الإلتحام الذي ينكره بعض النقاد لا يطمح إلى الصداقة المجردة بل إلى الظفر بجسد المحبوبة ناهيك عن قلبها وولاء روحها . تقول " القرني ": (.. لأن " عُمرية " هذه الحكاية ، بدءا من مساحة حدوثها وزمنها: مكة / موسم الحج، ومرورا بتلوينات فصولها ما بين النصين [ = قصيدة " حكاية في ليل بهي " وسنقف عندها، وقصيدة " أهلوك أهلي يا ديار " ]: إقبالا وتهيبا، تسليما وتمنعا، وخصوصية طبع كل من المرأة والرجل في مثل هذه الغوايات المستملحة، وانتهاء بركونها في الذاكرة: " بطولة حقها أن تُستعاد وتُردد ؛ لأنها بكل أولئك تتكرّس ضربا من " الفروسية " الفنّية / التحقق الذاتي / مقاومة الفناء في الغربة من خلال " مصادقة " المرأة، النظر إليها كظل ابتراد .. محطة استرواح .. استئناس .. وهذه " المصادقة " هي الأقرب لدلالة " التغزل " بمعنى: التودّد إلى المرأة والاستمتاع منها بمجرد الحديث اللاهي لا الفعل " فالرجل يطلب علاقة مع الآخر يُظهر فيها الآخر اعترافه به، فما يطلبه هو شوق الآخر إليه، إنه مشتاق إلى شوق الآخر، يريد أن يرى نفسه في عيني الآخر وفي حديثه، يريد أن يجد نفسه باعتباره موضوع شوق للآخر . ما يظفر به الغزِل ليس إشباع الحاجة بل المتعة بالشوق ذاتها، فالغزِل مظهر آخر من مظاهر افتراق الشوق عن الحاجة، وافتراق المتعة عن اللذة – القرني، ص 197 و198) . ولكن يحيى نفسه يقول غير ذلك ؛ يقول إنه يريد الإلتحام الجسدي معبرا عن لقاء الذكورة بالأنوثة، المرأة بالرجل، العاشق بمعشوقته، بأشكال رمزية لا نستطيع إعادتها إلى أصولها إلا من خلال التسلح بالمنهج النفسي (آليات التحليل النفسي تحديدا):

فهمستُ في مُكرٍ: خذيني أيكةً
لهديـلـك الشاميِّ فهو طِـلابـي
فاحْمَـرَّ تُفّاح الخدود .. وداعبتْ
بمياسم الشـفـتيـن طـرف حجابِ

إن فهم الهديل الشامي المباشر يجعله طائرا يحط على أيكة .. لكن هذا هو المفهوم القريب والمباشر، ونحن نعامل النص الشعري مثل معاملة بنية الحلم في تحليله إلى مقومين متماسكين: " المضمون الظاهر – manifest content " الذي يكون بسيطا ومثيرا للدهشة وكأنه بلا معنى أحيانا، و " المضمون الكامن – latent content " الذي هو ممثل الرغبة اللاشعورية الحقيقية التي تتمظهر عبر تشكلات المضمون الظاهر التي يحققها " عمل الحلم – dream work " المختلفة من تصوير وتكثيف وقلب وترميز وغيرها . فالتركيب الشكلي للنص – مضمونه الظاهر – لا يشي بحقيقة الرغبة الفعلية بصورة مستقيمة .. بل يدور بها بطرق التفافية .. ينكّرها ويموهها مستفيدا من القدرات السحرية الهائلة لعصا اللغة الشعرية .. إن الحضن الرجولي الملتهب يتحول هنا إلى أيكة "تستقبل " الجسد الأنثوي الذي صار " هديلا شاميّا " سيحط " بسلام " على السرير الجسدي الماكر . ويحيى نفسه – ولنعد ذلك نوعا من الزلّات القلميّة اللاشعورية – يعلن أن نواياه ليست نوايا " صداقية " بيضاء ينبغي أن تكون صافية ورائقة ولا تدعو لـ " احمرار " تفاح خدود الصديقة .. هي صلات " مصادقة " يكون وجدان الشاعر فيها مكشوفا ولا يبيّت شيئا .. وفوق ذلك فإن الشاعر ذاته هو الذي يجعل المتلقي يشعر بتململ الميل للحسّية التعبيرية (الجنسية لا التناسلية) من خلال جعل التحام الأيكة الرجولية بالهديل الشامي النسوي مسوقا بدوافع " مكرة " اختزنها الشاعر نفسه سبقيا . لكن هناك، أيضا، إيحاءات المناخ الذي صممه الشاعر لمحاولته التقرّبية " الصداقية " هذه، فقد تمت هذه المحاولة وكأنها " غزوة " وليست لقاء صداقة هاديء يجري في وضح النهار .. إنها غزوة غرامية ضاجة جرت في ليلة ظلماء، شتوية مختنقة بالسحاب ماطرة بقوة . وأنا دائما أدعو إلى مراجعة عبقرية اللغة العربية العظيمة وعدم إسقاط عجزنا عليها ووصمها بالثبات والجمود والتخلف . إن جذر المفردة العربية يجمع في دلالاته القائمة حسب نظرية العلامة العراقي الراحل " عالم سبيط النيلي " على قصدية حركاته الصوتية وليس على " عشوائية " معانيها كما يقول " دو سوسير " الذي ظللنا بنظريته الخاطئة قرنا كاملا تقريبا، يجمع حزمة من المعاني النفسية والمادية والحركية والطبيعية، والأهم انسياب الإنفعال اللاشعوري " الماكر " بين طيات دلالاتها، فالزخة هي دفقة من المطر شديدة، وهي الزوجة أيضا !! وزخّ زخا بالإبل:سار بها سيرا عنيفا، وزخ زخا وزخيخا الجمر: برق شديدا .. وهو هنا بريق الغريزة المبارك الذي يشع عزوما من ظلمة اللاشعور ومن تحت رماده الخادع . أما الجذر سحب فمن معانيه الإغتصاب عموما (اغتصاب حق الآخر خصوصا) . مثلما يعني الدلال .. والغشاوة على العين .. ومنها – بطبيعة الحال – الغشاوة الرائعة التي تضبب عيوننا لحظة الذروة الختامية للنشوة الخالدة . وفي كثير من الأحوال يفصح الشعور بالذنب عن " ذاته " بأشكال عدة بعضها يكون شديد التغريب عن الجذور الأصلية الغائرة في تربة مظلمة . لكن بعض التململات المؤرقة تتبدى حركيا حتى يكاد المريب يقول: خذوني بفعل الإرتباك غير المبرر .. وحساسية الروع الشخصي من النظرة العابرة:

وتعثرت بي .. فارتبكتُ .. وراعني
خـطـوٌ ونظـرة عـابـر ٍ مـرتـابِ

وهذا الإحساس بالإثم يقصي التجارب عن ساحة الحياة الشعورية بعدا وبسرعة .. يجعلها موجزة وقصيرة الحياة ضمن مسار الحياة العاطفية الفعلية – قد يكون، وأقول: قد يكون – ذلك انفلاتا من قبضة هاجس محارمي ؟ - وهذا هو ديدن يحيى في تجاربه .. فكلها تختتم بنهاية " وداعية " سريعة وتكون التجربة فيها موجزة .. خاطفة .. غزوة، لكنها دائما تنتهي بتذكار: مادي أو معنوي:

يوم وأسبوع ... وآذن ركبها
بالسير فاحتطب اللظى أعشابي
فاستودعتني من حريرِ جديلةٍ
خُصلاً .. ومنديلا .. وعطر روابي

وللحاسة الشمية لدى يحيى دور مركزي .. فهو " يشم " المرأة و "يسمعها " بدرجة أكثر تسيّدا .. وبعد تسع سنوات على تجربته مع " الشامية " لم يحتفظ منها بغير " شذا أنفاسها " الذي صار من مكونات دمه .. أي انصهار عشقي ماحق هذا ؟! .. وهذا ما استهل به هذه الحركة الثانوية في حي " الشبيكة " .. وهذا ما اختتمه بها حيث استودعته الحبيبة الراحلة .. عطر روابيها . ولكنه يضع خاتمة " مقدسة " فوق الخاتمة " المدنسة " – مدنسة حسب وجهة نظر البعض – لهذه الحركة .. حركة " مقدسة " عجيبة يمزج بها الحق بالباطل كما تقول " القرني "بحق، أو ما عبرت عنه بالقول: " باطل الحق وحق الباطل – ص 197 ":

واستحلفتني أن أقوم بعمرة ٍ
عنها إذا عزّت دروب إيابِ
أدّيتها عنها ... وزدت بمثلها
عني .. ونافلتين عن أترابي

لكن " تماهي " الناقد المفرط .. وتلبسه مشاعر شاعره .. وتعاطفه مع خساراته – وفي أحشائها تلوب رغباته الجامحة التي تستفز الناقد فيعود إلى " العقلنة – intellectualization "، الآلية، أو الأوالية العقلية الدفاعية لتي تخفّف عنه التشارك الممض بمشاعر الإثم .. وتشعره أن ما يقوم به الشاعر محدد بقيمه هو الناقد .. وثوابت مجتمعه .. ونواهيه وتابواته التي تحفظ له تماسكه النفسي الذي استفز ركائزه الشاعر .. تعاطفا حد أن يقوم الناقد بإضفاء ظلال غير صريحة كثيرة، وأخرى مباشرة صارخة تعيد كتابة النص بلا حقٍ مشروع .. كن لهذا حديث تحليلي مضاف وموسّع و " ماكر " ... فكونوا معنا ..


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى