الخميس ١٢ آذار (مارس) ٢٠٢٠
بقلم محمد جمال صقر

سِرُّ الْإِدْهَاشِ


يا لدَهَش هذا الحصان:

مِكَرٍّ مِفَرٍّ مُقْبِلٍ مُدْبِرٍ مَعًا كَجُلْمُودِ صَخْرٍ حَطَّهُ السَّيْلُ مِنْ عَلِ

قاتل الله صاحبه: يُخيضه مَخاضاتِه كلَّها جِدَّها ولَهْوَها، فلا يخذُله، ولكنه لا يكاد يخوض به مخاضا حتى يصرفه إلى عكسه!

ثم يا لدَهَش هذه الناقة:

تَرْتَعُ مَا رَتَعَتْ حَتَّى إِذَا ادَّكَرَتْ فَإِنَّمَا هِيَ إِقْبَالٌ وَإِدْبَارُ

قاتل الله ذابح رضيعها: يسلخ جلده، ثم يحشوه تِبنًا ليُخِيِّله لها فيَدِرَّ على خياله دَرُّها، ولكنها تقبل عليه مأخوذة برائحته، ثم تدبر عنه نافرة من حشوه!

إن الدَّهَش الحيرة، وإن الحيرة التردد، وإن التردد عمل العمل ثم عمل عكسه ثم عمله ثم عمل عكسه، وهكذا، دواليك! وإن الإدهاش إيقاع الدهش على الآخرين (تحييرهم)، وإن أقدر الناس على إدهاش الناس جميعا غَفَلَتِهم ووُعَاتِهم، لَهُوَ الدَّهِش (الحَيران) -وإن أعجبنا المُدهِشُ غيرُ الدَّهِش!- من حيث ينتقل منه دَهَشُهُ الأصيل إلى غيره انتقالا طبيعيا لا تمحُّل فيه ولا تكلُّف، ولا يلبث الدَّهَشُ الزائف -مهما أعجب!- أن يفتضح!

وإن من مظاهر الدَّهَش المعروفة الإرتاج، أي أن ينقطع كلام المتكلم فيبدو كأنه أُغلق عليه بابُ الخروج برِتاج من عَجْز، يتكلم شيئا ثم يسكت! ولا تخفى دلالة "شيئا" هذه على القلة، أي أن يكون نص الكلام قصيرا –وسواء أكان عن دَهَش المتكلم أم عن تَدَاهُشه (تكلُّفه الدَّهَش)- يدهش متلقيه عن توجيهه؛ فيظل يقول لنفسه: قد أراد كذا، لا، بل كذا، لا، بل كذا...، حتى إذا ما اطلع عليه من يرأف به، قال له: وماذا يضيرك أن يكون أراد ذلك كله!


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى