الأربعاء ٢٦ أيلول (سبتمبر) ٢٠٠٧
بقلم عبد الكريم الزيباري

فن يتحدى الزمن

السيراميك بين التصوف والشعر

الخزف والسيراميك كلمتان مترادفتان تعنيان الطين المشكل والمجفف تحت الهواء، والمشوي بالنار في أفران حتى يصير طيناً مشوياً، وَيُزَجَّجْ(والسيراميك تزجيج) لمنع نفاذ الماء والسوائل، حتى يصبح خزفاً أو فخَّاراً بالعربية، وسيراميك(باليونانية واللاتينية)، وبحسب د.محمد هشام النعسان، يعود أصل كلمة سيراميك إلى المصدر الإغريقي (كيراموس) أو المصدر (كيراميس)، ويعني القرميد أو طينة الأوعية أو من المصدر (كيرامون) ما يعني أوعية الشراب المصنوعة من الطين المشوي، ويعود الفضل في هذه التسمية الشائعة في العالم لمصطلح سيراميك كمقابل للبوتيري الأجنبية للخزف الفرنسي. والخزف صناعة طينية قديمة قِدَم الإنسان.

والخزف لغة: في القاموس المحيط للفيروز آبادي(جمعُ الجَرَّةِ من الخزف جِرار/ص36/ج2) وجاء أيضاً(والجِرار من الخزف أو الفخار عامة-ص517/ج2)وقال جلال الدين السيوطي في المزهر/ص133(والحنْتَم: الخزَف الأخضر..وقال الأصمعي: كلُّ خزف حَنْتم).وقال ابن سيده في(المخصص/باب أسماء التراب/ج2/ص250)( إناء من خزف وجمعها جر وجِرَار والفخَّارة - الجرة وجمعها فَخَّار)وقال الرازي في مختار الصحاح(والبَرْنِّية إنَاءٌ من خَزَف).وجاء في كتاب(المصباح المنير في غريب الشرح الكبير/ج7/ص140)لمؤلفه أحمد بن محمد بن علي الفيومي(وَالْفَخَّارُ الطِّينُ الْمَشْوِيُّ وَقَبْلَ الطَّبْخِ هُوَ خَزَفٌ وَصَلْصَالٌ).

الزمن فكرة تستحوذ علينا، تتحرك بين ثلاث محطات(ماضي- حاضر- مستقبل)تقع على خط الحياة، وبسام ريجارد رسم شخصاً جالساً على حجرة كبيرة(الماضي) يرنو إلى أخرى كبيرة فوقها هرم مقلوب(طموح معكوس في المستقبل) وبين الحجرتين الكبيرتين واحدة صغيرة لا يراها الجالس المتأمل وهي الأهم(الحاضر،)والحاضر(حاضر الأشياء الحاضرة) يعقب الماضي(حاضر الأشياء الماضية)ويسبق المستقبل(حاضر الأشياء المستقبلة). لكن الماضي هو الأصل، ولولا ما كان، لما صار الآن...والماضي والحاضر معلومان، والمستقبل مجهول، فهل هناك معادلة رياضية تستنتج لنا مجهولا من معلومين(م = ماضي/ح = حاضر/س = مستقبل): م + ح = س، فإذا كان م = 1، ح = 2، فإنَّ س = 3، لكن إذا كان م = صفر، وكذلك ح = صفر، سيساوي المستقبل = ضياع، هباء، وهي معادلة ثلاثة أرباع سكان الأرض أو أكثر ربما....

ويعتقد جل المفكرين من غير محترفي مهنة التفكير، دون أن يتذكروا أن الحاضر الذي يحيونه الآن هو بحكم الماضي، ما دمت أبداً لن تقدر أن توقف عقارب الساعات ولو لثانية، فالحاضر وقت يتفلَّت منا، وعبثاً نحاول الإمساك به، وبدلاً من هذه المحاولات غير المجدية لا بدَّ أنَّ هناك أعمال من الأجدى القيام بها....

انتهت مؤخراً أعمال المهرجان الأول للفن التشكيلي في دهوك، على قاعة كاليري دهوك، بمشاركة(100)مائة فنان تشكيلي من(أربيل/دهوك/سليمانية/كركوك) شارك كلُّ فنان بعمل فني واحد(الرسم/النحت/السيراميك)، وبحضور عدد من الأدباء والفنانين والمبدعين، وضيوف المهرجان الذين قدموا من أوربا، وفي زيارة إلى كاليري دهوك، استقبلنا رسام الكاريكاتير سردار كستيي، وأطلعنا اللوحات الخاصة بالمهرجان، أول وقفتي كانت فنية أو صحفية ربما، هَمَمْتُ بالفن التشكيلي واللوحات المرسومة بالألوان الزيتية كلوحة الدكتور محمد عارف، وهي لوحة شيخ يمسك بيده لوحة ملكة في صورة مهر مجنَّح(الرسم المزدوج/لوحة داخل لوحة) كالمسرح داخل المسرح لبيراندللو في(ستة ممثلين يبحثون عن مؤلف) والألوان المائية في اللوحة التشكيلية للفنان سليمان علي، وصورة الأقنعة التي نحتها شوان رباتي على الخشب، لكنني سرعان ما أخِذْتُ من حيث لا أدري، لوحة الفنان بسام ريجارد فيليب ثَبَّتَتْ وجهتي نحو السيراميك، وهي مشهد إنساني، ميثولوجي(أسطوري)، إنسان جالسٌ حائر، يطلُّ على الضفة الأخرى، كما نكاد نفعلُ كل حين، يقابله هرمٌ مقلوب، أخذتني إلى فن السيراميك، باعتباره أقدم الفنون البشرية، ومادته العناصر الأربعة التي تتألف منها الطبيعة(التراب/ الماء/ الهواء/ النار) والتراب أساسها، كما في الإنسان، يعود إلى أصله التراب، مادته الرئيس التي منها خلق، يقول تعالى (كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنتُمْ أَمْوَاتاً فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ)28-البقرة، وقوله تعالى(مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى)طه -55-، وقوله تعالى(وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاء كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلا يُؤْمِنُونَ)الأنبياء-30.

(موت/تراب + حياة/ماء + احتراق(نار)+ أكسدة(اتحاد المادة المحروقة بالأوكسجين) ولجميع الفنانين والشعراء والروائيين أفكارهم الخاصة عن الحياة والموت، فلكأني بشاخص اللوحة يردد شعر المتنبي في رثاء والدة سيف الدولة الحمداني في قصيدة مطلعها:

نُعِدُّ المشرفيـــة والعوالي وتقتلنا المنــون بلا قتـال
رَمَاني الدهر بالأرزاءِ حتى فُؤادي في غشاءٍ من نبالِ
فصرت إذا أصابتني سهامٌ تكسرت النصال على النصال
وهان فما أبالي بالرزايا لأني ما انتفعـــتُ بأن أبالي
يُدَفـِّنُ بعضنا بعضاً وتمشي أواخِـــرنا على هام ِ الأوالي

أو يردد قول أبو العلاء المعري:

صاحِ، هذي قبورنا تملأ الرحب فأين القبورُ من عهدِ عادِ؟
خفف الوطء ما أظنّ أديم الأرضِ إلا من هذه الأجسادِ
ربّ لحدٍ قد صار لحداً مراراً، ضاحكٍ من تزاحم الأضدادِ

أو كأني بأستاذ قسم السيراميك وقد هجر العاصمة بغداد هارباً من خطط فرض القانون وما لفَّ لفها، وهو يردد أبيات المتنبي ويشتغل في عمله الفني:

بمَ التعللُ لا أهلٌ ولا وطنُ
ولا نديم ولا كأس ولا سكن
لا تلقَ دهرك إلا غير مكترثٍ
مادام يصحب فيه روحك البدن
فما يديم سرورٌ ما سررت به
ولا يردّ عليك الفائتَ الحزن
ما كل ما يتمنى المرء يدركه
تجري الرياح بما لا تشتهي السفن

أو يردد شعر عمر الخيام:

وكم توالى الليل بعد النهار وطال بالأنجم هذا المدار

فامش الهوينا إن هذا الثرى من أعينٍ ساحرةِ الاحورارِ

ولكن ماذا لو كان هذا الشاخص ليس شاعراً ولا يحب الشعر؟ ماذا يفعل إذن فوق الطَلَلْ؟ يتأمل في وقفةٍ صوفية استحضاراً لما ذكر عباس محمود العقاد في كتابه(عقائد المفكرين في القرن العشرين-المكتبة العصرية-بيروت-1979-ص79)من مقولة لآنشتاين(إنَّ مَنْ لَمْ يَقِفْ إزاء هذا الكون وقفةً صوفيةً فهو حيٌّ حكمُهُ حكمُ الميت).

وللفنان بسام ريجارد لوحة سيراميك بارتفاع 22 سم، تحكي لنا حكاية متنقلة بين الشرق والغرب، بين قوة وبطش ووحشية اليمين المتطرف وعجز وانتهازية اليسار التقليدي، بين روحانية الشرق ومادية الغرب، مرورا بتجارب ذاتية استثنائية في لوحةٍ اختزلت الكثير، عوالم الصراع في فنٍّ يحول لنا التراب بعشق الماء طينا، يجففه بالهواء ويشويه بالنار، كيف يمكن للعقل البشري العاجز أن يدرك الوجود ما لم يحوله إلى أفكار، والأفكار إلى نصوص؟

أسطورة الإنسان الحائر بفلسفته الاستفهامية، وأسئلته التي لا يجدُ لها أجوبة مطمئنة، بين الشكل المادي(العناصر الأربعة) والشكل الفني، التصويري للحظة آنية جمعت الماضي والمستقبل قبل أن يوغلا ابتعاداً، يجلس الإنسان ويرنو إلى الضفة الأخرى، كما هو حاله دائماً، وعلى الصخرةٍ المقابلة، شكل هرمي مقلوب الرأس وبين الصخرتين، قطعة صغيرة قد لا يراها الجالس لأننا غالباً ما ننظر إلى الأعلى لنبحث عن أشياء موجودة تحت أنظارنا، والهرم قبر، فالضفة الأخرى هي الآخرة، والإنسان الجالس هو في الدنيا، والمسافة الصغيرة هي حياته القصيرة، وكما يقول تعالى(بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا-16-وَالآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى-17-إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الأُولَى-18-صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى)الأعلى. ويقول أحد الصالحين(لو كانت الدنيا ذهباً فانياً والآخرة خَزَفاً باقياً، لفضَّلَّ العقل الخزفَ الباقي على الذهب الفاني) فكيف والآخرة هي الذهب الباقي؟ والناس قسمان ذكي وغير ذكي، وغير الذكي لا يسلم من الخطأ، والناس قسمان، منهم من يريد الدنيا ومنهم من يريد الآخرة، وكان عَطَاءَ بْنَ يَسَارٍ كَانَ إِذَا مَرَّ عَلَيْهِ بَعْضُ مَنْ يَبِيعُ فِي الْمَسْجِدِ دَعَاهُ فَسَأَلَهُ مَا مَعَكَ وَمَا تُرِيدُ فَإِنْ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَبِيعَهُ قَالَ عَلَيْكَ بِسُوقِ الدُّنْيَا وَإِنَّمَا هَذَا سُوقُ الْآخِرَةِ، وفي وقفةٍ للسيد السيستاني عام 2006 صرَّح بأنَّ على قاطني المنطقة الخضراء أنْ يتركوا الحج للشعب العراقي، ماداموا قد انغمسوا في سوق الدنيا فليتركوا الآخرة لفقراء الناس وضعفائهم، وذكور المنطقة الخضراء لا يدخلون في القرعة، بل لهم ولأقربائهم حصة ثابتة من نسبة الحجيج، ولكنَّ الله لا يقبل إلا طيبا، ومن الناس مَنْ لَزِم أسواق الدنيا في تجارة بائرة خاسرة.

بسام في سطور

- الاسم الثلاثي: بسام ريجارد فيليب
- الموالــــــــيد: 1964/ بغداد
- التحصيل الدراسي: بكلوريوس فنون تشكيلية / سيراميك/ اكاديمية الفنون الجميلة/
جامعة بغداد
- سنة التخرج: 1986
- الحالة الاجتماعية: متزوج
- المهنــــــــــــــــة: مدرس في معهد الفنون الجميلة/ دهوك
-  عضو نقابة الفنانين العراقية
-  عضو جمعية التشكيلين العراقية
-  المشاركات: اغلب المعارض الفنية الرسمية والخاصة في داخل العراق وخارجه.
-  اعمالي الفنية مقتنيات في داخل العراق وخارجه

السيراميك بين التصوف والشعر

أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى