الجمعة ١٤ أيلول (سبتمبر) ٢٠١٢
بقلم هيثم نافل والي

في رحاب الكفر

تنويه:

أنا تركي، أقصد اسمي هو تركي، والحقيقة التي تفقأ العين، هي أن اسمي كان في الماضي تركي، وأبدلته بجليل بعد أن مارست الضغط على أهلي طويلاً... حتى تحقق لي... حلمي!
أتذكر جيداً... بأن تركي كان، رجلا مجنونا، يبيع البطيخ في محلتنا، عندما كنت صغيراً واللعب في الطريق مع الأولاد... لقد كان ذلك الرجل شيئا مخيفا، عملاقا، يرتدي دائما وأبدا ثوبا رماديا وسخا، مرقعا ويتحزم بسكين حادة طويلة، تشبه السيف... يفتح فيها الرقي قبل بيعه، له وجه أسود، كوجه الغراب، مليء بحبات الجدري التي كانت بحجم حبات العدس؛ لا دار له، فهو يعيش مع بضاعته في خيمة، لا ينام في الليل، كالحارس خوفاً من السرقة، يوقد فانوسه الكازي ليلاً، فيبدو وهجه عن بعد، كنجمة على الأرض؛ كان يركض وراءنا وهو ممتعض بعد أن يحمر وجهه ويلتهب...فيتطاير الشرر من عينيه، وهو شاهر سيفه- اقصد سكينه الحادة الطويلة- يصرخ ويشتم ويهدر ويقول:

يا أولاد الكلب، سأذبحكم بسكيني هذه، سأفتح بطونكم جميعا، كما أفتح الرقي قبل بيعه... ثم يستطرد على نفس الوتيرة المهددة: أنا لست مجنونا... أنا عاقل، بل أعقل من الكلاب الذين أنجبوكم...

ننتشر سريعاً في الطريق، كرذاذ المطر... هاربين منه ونحن نضحك ونصرخ، والرعب راكبنا، ونهتف: هيه... تركي المجنون، صاحب الجدري المزيون...

تشكلت عندي عقدتان: الخوف من تركي ومن الجنون... لذلك، طلبت من أهلي وبإلحاح على تغيير اسمي عندما كبرت! أصبح الجميع اليوم ينادونني بجليل... لأنني أرفض أن أكون مجنوناً، كصاحبنا، والسبب الآخر أردت أن أكسر طوق الخوف الذي يطوقني، وأنزع عني ثوب الرهبة الذي يلبسني، من جراء الرعب الذي كان يسببه لنا... عندما كان يركض وراءنا ونحن مازلنا صغارا... أردت أن أكون عاقلا، وتركي-صاحب السكين- كان يقول عن نفسه أيضاً ذلك- أنا لست بمجنون. عندما كبرت ووعيت الحياة، استغربت كثيراً... فالكل وجدتم يقولون نفس الشيء... ولا أحد يقول عن نفسه إنه مجنون... بل كل واحد منهم يقول: أنا العاقل الوحيد في هذا الكون!

في الحقيقة الحكاية ليست هذه! بل قصة أخرى تماماً... إذن لنرجع إلى موضوعنا الذي أريد أن أحدثكم عنه، ولنبدأ مرة أخرى، من جديد...

أنا جليل، العقل في عرفي هو النبض في عرقي، كلاهما سر وجودي؛ راوي وبطل حكاية- في رحاب الكفر- اعتمدت في سرد هذه الحكاية، القصد في العرض، وأعني البساطة التي أريد منها قلة العناصر التي تشكلها، من شخوص وأحداث وتنوع في المناظر... وها أنا أقول بأني لم أسرد أو أرو للقارئ في هذه الحكاية أي حساب كجندي مسكين دفعته إلى ساحة قتال، ساحة مليئة بالألغام، كأنما هنا أتلذذ بموته! لأصرخ بعدها دون اعتبار: لقد مات الجندي شهيداً!! سأرويها بنفسي وأنا بطلها، سأنقلكم معي حيثما أريد وكيفما أشاء إلى عالم وواقع الحكاية التي لم أحبذ فيها المبالغة ولم أشأ أن تولد من الخيال؛ تلك التي خالطتها وعايشتها عن كثب وقرب... سأكون حراً وأنا أرويها... حيث العبرة والحكمة والرمز والخطر...

اتهمني يوماً- وأنا جليل صديقه الوحيد الذي ليس له غيره في عالم غربته- بالكفر، عندما قال لي دون خجل أو وجل، وببراءة شيطانية عجيبة، بحروف مقتضبة قاسية، وبصوت زجاجي دقيق وكريه: أنت يا صديقي، يا جليل، كافر، لا تعرف الله!! تقبلت منه ذلك، فقط لأنني أعرف نفسي جيداً... فسكت، كناسك ولم أطالبه باعتذار، وكما قال حنا مينه:" شقاء الحياة يملأ الروح الحساسة سريعاً. في نفس الوقت كنت أصلي داعياً ألا تستفيق في رأسي أبالسة الأفكار الشيطانية، كيلا أنهره بقوة تجعلني أندم رغم استهتاره وتجاوزه في الحكم على الناس من خلال الدرهمين النحاسيين اللذين يرى العالم من خلالهما، اللذين يتوسطان رأسه الكبير الذي يشبه رأس جاموسة الفريزن الدنماركية، وبشعر كثيف مجعد لم ير الماء منذ زمن طويل، يذكرني شعره- ولا أعلم لماذا- بفروة جلد الخروف.

وجدته في خانة المؤمنين متدينا حد القاع والنخاع، بلا ذقن أو شارب، تجاوز الثلاثين قليلاً، لكن هيئته تجزم أنه في الخمسين؛ له عينان دائريتان ضيقتان- كما قلت- كدرهمين مغروزين في جمجمة، وهما لا ينمان عن خوف أثناء التحديق والنظر، وبوز يشبه إلى حد كبير بوز سمكة الكارفن؛ صارم النظرات، كأنها لمجرم، أو كأنها سر من أسرار الجحيم؛ فيبدو وجهه وهو كذلك كوجه بوم ساهر، مقهور؛ بخدود سمينة، دسمة طافحة باللحم بلا اعتدال أو جمال، ممتلئ اللغد، ليجلس رأسه المتقهقر على رقبة لا تبدو للعيان أو تظهر لاضمحلالها المعدم فيتربع صدره العريض قامته الطويلة من فئة مترين وتزيد قليلاً الواقفة على ساقين مقوسين، كأنه يعاني من الكساح؛ وفي بعض الأحيان يوحى لي بأن في قلبه رحمة تشبه تلك التي يمتلكها رجال الأمن!!

له اسم مركب، خادع وغريب(أبو عجرمة) اسم يهتف من ذاته ويصرخ في الوجوه دون مبرر، كأنه لأحد زعماء القبائل العربية في عصر الجاهلية! تعلو عينية وتتقدمهما، نظارة طبية سوداء كبيرة، سميكة العدسات، كأنها لمجهر قديم معروض في متحف أثري يزوره الزوار؛ ممتلئ الجسد، ولا يظهر من عظامه خط أو أثر وعندما يسير لا يهتز له رأس أو يميل كما هما ذراعاه ليبدو كمومياء محنطة- إن صح القول- تمشي في نومها وهي حالمة.

كان قوي جداً، كثور المصارعة، يحب الأكل- عندما يكون معزوماً- حد الشراهة، كفيل أفريقي جائع، خاصة الباذنجان الذي يقول عنه بأنه وراء ذكاء كل عظيم في هذا العالم! تتدلى من إحدى حلقات حزامه ساعة فضية قديمة متهالكة، بعقارب فسفورية مدببة النهايات، تشبه الرماح، لها صوت قبيح مزعج، كطنين الذباب القاصف؛ ربطت من نهايتها بسلسلة من معدن رخيص أبيض اللون، لتنعم بدفء جيب بنطلونه من جهة اليمين، البنطلون الذي يحاكي جلد التمساح الخام في خشونته- شيء مقرف ومقزز- يرتدي دائماً وأبداً قميصاً صيف شتاء دون شعور بالبرد أو الحرارة؛ صنع من الكتان السميك، بأكمام طويلة، ليبدو أبو عجرمة وهو بداخله، كالتركي بجاكيته، خاصة عندما يخرج القميص ليفرشه ويفرده على طوله فوق جسده، فيبدو كالساحر، وهذا الذوق هو أكثر شيء منفر فيه، بالإضافة إلى ضحكته التي يطلقها بين الحين والآخر وربما في بعض الأحيان بلا سبب، فيبدو كثور هزه الطرب، فتسمع ضحكته المتمردة على نفسها، عن بعد، والتي لها صوت الماء المرشوش على قطعة الحديد المحمى... وهذه في الحقيقة أتعس شيء لا أطيقه فيه، فهو يذكرني بضحك العفاريت عندما تتجمع لتصلي صلاة الجماعة وهي غائصة في سحر المتعة وفي قمة وتوج اللذة وسط وحل من السفاهة والثرثرة.
قلت بأنه متدين ودائم الصلاة، خاصة بحضوري، كأنما ينوي أو يريد تعذيبي!! لا يطبخ طعاماً إلا بالقدور الفافونية الصغيرة- بحجم جوز الهند - والتي يحتفظ بها لنفسه، فتشاركه زوجته الأكل بصحون لا يسمح لأحد الاقتراب منها أو لمسها، كذلك ملاعقهما وسكاكينهما ومقلاتهما السوداء المسحوقة التي علا قعرها وظهرها السخام... كانت أشيائهما تلك، خطوطا حمراء لا يمكن تخطيها أو تجاهلها، وكأنها عدة للسحر أو لتحضير الأرواح التي تفسد بلمسها!!

تنتشر وترتفع من شبابيك منزله روائح عطور عيدان البخور والشموع التي يحرقها ليل نهار، ليبدو داره متألقة، متوهجة وكأنه يعيش في كنسيه! مستمر التسبيح والترتيل ولا تبتعد كلمات تعاليم دينه عن لسانه لحظة أو تنزل، كالعلكة التي يلوكها ليل نهار، فهو يداريها في فمه كأحد أسنانه- تلك الأسنان التي يحتفظ بها كاملة دون نقص- ولعله ينام مع زوجته تلك التي من نسل حواء اللعين، النوع المفرط في الخبث والعلكة لا تفارق مخدعها المعهود... أغنانا الله عن إيمانه وعلمه وعلكه!!

وجدته ظالماً لنفسه ولعائلته، بحكم القهر، بحكم الغربة، بحكم الدين الواحد الذي يجمعنا واللغة المشتركة التي تقاسمنا الفهم في إدراكها، بحكم عراقيتنا وطبائعنا المتوحدة، بحكم إني إنسان وأحتاج إلى شيء حي أحادثه وأجلس معه، استمع له ويستمع لي، انصحه وينصحني... حتى بوجود أولادي وزوجتي- فهم مثلي ويفكرون بطريقتي- وجدناهم على طباعهم تلك... من حيث التدين الحاد، الصارم، المتعصب... أناسا طيبين، بسطاء كالسذج؛ لذلك قبلنا صحبتهم، وقد شعروا هم بذلك جيداً؛ وكانوا سعداء لقرارنا بلقائهم وحتى السفر معهم...

الحقيقة أنه كان مسليا؛ أقصد حديثه كان مسلياً... وقد يعود ذلك لأفكاره أو ألفاظه، وفي كثير من الأحيان تشعر بأن التسلية تأتيك من قراراته القابلة للتغير دائماً- لا بالاختصار، بل بالإضافة – كأنما قوانينه المتغيرة والمضافة، ستصبح يوماً أكبر وأعظم من تلك المسلة التي نمجدها في تأريخنا البابلي العتيد!! مضحك، رغم صرامته وحزمه- وقد يكون لأنه لم يصدق مع نفسه ولا حتى في تعبير وجهه أو عما يفصح عنه لسانه! ودود رغم نظراته الثلجية، طفل رغم الأجرام الذي يلبس شكله! متدين رغم نوادره المكشوفة، الخليعة، الفاحشة في المزاح حول المرأة، خاصة عندما يتحرر من قيود زوجته، أو أن يكون بعيداً عن مداها ومدارها... المرأة التي لا يجد فيها- حسب زعمه- سوى جسد بثقبين!! ثم ينفلت لسانه الذي كان قبل قليل لا يعرف سوى الترتيل... فيصف شوقه الجنسي للمرأة،كمنحرف، فيبدو كقواد محترف أو شاذ منغمس... يا له من مارق، مارد عربيد، عار يأبى الموت أو الزوال، كالوشم؛ وذنوبه لا يغفرها حتى غفار الذنوب نفسه!!

له عائلة كقبيلة النمل، تتكون من أربعة أولاد مازالوا دون السابعة، وبنت حديثة الولادة، كالقطة في شكلها، وزوجة مغالية في الفخر والحماسة، كزوجها لتبدو مغرورة عن جهل! لها وجه أبيض يظهر بعد الطلاء والمساحيق؛ غالباً ما تردد حكمتها المعهودة: حظي مع أبي عجرمة سيء ولونه أسود من ظلمة القبر!

عندما يباشران صلاتهما التي لا تنقطع... لا يرمش لهما جفن، يصطفان معاً وهما يدمدمان ويغمغمان، وكأنهما يحضران روح متمردة على ذاتها، صعبة المنال! عند الترتيل تظهر أصواتهما، كصوت أغصان يابسة داس عليها أحداً، فطقطقت، فتجعل شعر اليد يقف مقشعرا... في حين لو أندمج أبو عجرمة مع ذاته أثناء الصلاة، يبدأ بالكلام والغمغمة والدمدمة بعصبية وتوقد، فيحمر ويسخن، كالجمرة، عندها يظهر صوته أكثر قبحاً، كنهيق حمار في ختام جولته المسائية.

تنتشر على جدران منزله العتيق صور لا حصر لها لأنبياء وملائكة وسماوات تعلو وتنخفض، كالوديان الظليلة، ثم تتوسط تلك المجموعة صورة- بالأبيض والأسود- لأبيه وأمه في ليلة زفافهما؛ يشبه أباه كثيراً، سبحان الخالق- صورة طبق الأصل- إلا اختلافا واحدا: هو أن الأب شبع موتاً، والابن مازال حياً يتابع صلاته التي لا تترك لنوم جفنه طريقاً!! يعيش حياة هادئة، وديعة، كحياة الأبقار التي لا هم لها سوى الأكل والمضغ والخور... عندما يقفل الجوع إليها عائداً، ذليلا!

لأبى عجرمة إرادة لا تقهر في العناد، أتعس وأحمق من عناد أي حمار أعرج يعيش على الأرض دون مرشد!! يعيش أشنع حالات البخل التي تصل في بعض الأحيان حد الإغماء- أي حالات ما قبل الموت- عندها يشعر قلبه بالرأفة، وروحه بالصعود إلى خالقها مقهورة الخاطر، متمردة على نفسها... فتتحرك أصابعه في جيبه! ويبدأ بالدفع والصرف على مضض وهو دائم القول والترديد: سأصبح، سأفعل، سأبلغ، سأتحدث، سأكون، وكأنه سيعيش قرنين من الزمان!! مريض بالمستقبل والمجهول، كهوسه بالعين والجن والحسد والنفس والشياطين. لا يحيا الحاضر ولا يعرف كيف يعيش لحظاته... إلا بالقسر والضرورة؛ يتمسك بالماضي وكأنه حاضره!!
له في الحياة قوانين لم أسمع عنها من قبل؛ فهو ما ينفك أن يردد صباح مساء: هذا حرام... عقابه النار، دعك من هذا... فهو من مس الشيطان، لا تفعل ذلك... ليس أنت منه بمالك؛ وهكذا تطول قائمة المحرمات والممنوعات بذيولها وذنوبها وحتى حبالها ومشانقها- يتغنى بكل ذلك- كي يطرد عن أهله الإسراف في الصرف، وأن لا يجعل أصابع يده ترقص في جيبه!! شاب له رائحة الشيخوخة، وقاره لا يعود له، وما يقوله لا يفعله... ببساطة تعيسة أصفه: لقد كان شيئاً لا يصدق، كسر مغلق، أجهل سطحه، فكيف لي الوقوف على قعره؟! تعود على نمط حياته تلك، كمن يألف مرضه فيتعايش معه كصديق لا يستطيع فراقه! كان يوحى لي بأنه شيطان بهيئة ملاك، لا يهده تعب الصلاة وإحراق الشموع وعيدان البخور، لم ينفك عن ذكر الجنة والنار... وقد تناسى بأنه يعيش مع قبيلته على الأرض وهم جياع!! وهل هناك أشد من الجوع لجة؟! أولاده كانوا مرضى... مرضى بالجوع والقهر والحرمان... ودواؤهم هو طعامهم، وهذا ما لم يوفر لهم، كما ضيوفهم الذين سرعان ما يشعرون بالبرد والحرارة، بالجوع والعطش... عندما تتخطى أقدامهم عتبة دارهم، سيريه الله العذاب في وقته، من دون أن يحتاط له أو يعلم.

تركناهم وشأنهم، وقلنا ليعوضنا الله في صبرنا، وعلى من هم أفضل منهم... حتى حانت ساعة الصفر؛ تلك اللحظة التي رفعت فيها زوجته- ذات الوجه الأبيض بعد المساحيق والطلاء- سماعة هاتفهم وهي تلهث، كأنما تركض؛ تبكي وتنوح، وكأن أحداً عزيزاً مات لها، تتوسل وتقول بتضرع ناسك:

أرجوكم أنقذونا... أنقذوا أولادنا من الموت والحسرة والألم والضياع... من قبضة وعناد زوجي اللئيم المكابر الغليظ... التقطت أنفاسها الغائصة في أعماقها بصعوبة ثم استطردت قائلة: لا تكونوا كأبي عجرمة، فهو لا قلب له ولا شعور، كالحجر...

- قاطعتها قائلاً: هوني عليك يا عزيزتي، ولكل مشكلة ولها حل؛ اهدئي قليلاً واشرحي لي الحكاية من البداية، وكيف لي بعدها أن أساعدكم؟ ولا تنسي بأننا ومنذ أكثر من ثلاث سنوات لم نلتق بكم!!

- اندفعت بالقول، وكأنها لم تصدق كرمي: نريد أن نكون معكم، نتعلم منكم شيئاً غير الذي ألفناه طوال حياتنا المريضة، العليلة، الباردة وغير الصادقة هذه... توقفت للحظة ثم شرعت قائلة، كالطلقة: نريد أن نسافر معكم، لقضاء وقت ممتع وسعيد وبصحبة أولادنا... ها ماذا تقول؟! ثم أجابت على صمتي، كأنما سكوتي كان جواباً بالموافقة: شكراً لك يا جليل، ونعم الصديق، كنت أعرف بأنك سوف لن ترفض لي طلبا ولن تتخلى عنا، مهما حصل منا... ثم تركت سماعة الهاتف تهوي على الأرض وسمعتها تطلق الزغاريد وتهنئ أولادها وزوجها وتزف لهم، موافقتي التي لم أنطق بها بعد!!

لم أكذب خبراً وقمت بكل ما يلزم... ولم يأت الغد، إلا والعائلتان معاً في طريقهما إلى إيطاليا... حيث الجمال والسحر وفتنة الطبيعة الخلابة... بجبالها وبحرها وسمائها وهوائها وشمسها وقمرها وناسها... كل شيء فيها يدعو إلى التأمل والإبداع، حتى أحجارها وصخورها الصامتة، الساكنة التي تحولت إلى تماثيل ورموز، لكنها تنطق بالروعة والجمال، وكأنها تصرخ متكلمة، معبرة عما تضمره من مشاعر فياضة، يمكن لها أن تغرق العالم بأسره، بالحب والحنان والسحر الخفي...

تعبت الشمس من ظهورها المستفز، الذي يبدو كرد لثأرٍ قديم! فانسحبت ببطء... فظهر وهجها الأحمر الذي كان يرى من علو، كحريق في الأفق... قبل أن يغطس قرصها الذهبي، كجمرة كبيرة في البحر... ثم احتل الظلام رويداً الجبل الذي كنا نتسلقه بمركباتنا ونحن نتوجه إلى الفندق الذي ينتظرنا والرابض على قمة هرمه الشاهق في العلو، القريب من قبة السماء، والله سيسمعنا هناك بكل تأكيد... بوضوح ما بعده وضوح...

لم أكن أعرف من قبل، بأن أبا عجرمة... هذا الفيل الأفريقي الكبير، يخاف القيادة ليلاً!! خاصة ونحن كنا نسير صعوداً في فراغ طويل وعميق من السكون والصمت والظلمة التي بدت كحفرة كبيرة في ليل قاتم السواد... الصمت الذي لم يزعجه أو يؤرقه، سوى صراخ وقرقرة ونقيق الأصوات التي كان يطلقها محرك سيارة أبي عجرمة؛ ذلك الذي له رأس الجاموسة... أراد قتلنا دون أن يعلم...

بدأ بفتح الإضاءة العالية في مركبته والتي تعمي البصر، وأنا أتقدمه في المسير وعلى الجبل وفي الظلام الذي أنتشر، سريعاً، كالنمل على جثة قتيل! سرت في البداية بطيئاً خوفاً عليه، ثم سريعاً خوفاً على أنفسنا!! فقط أصبحت أسيرا، كالأعمى، لا أرى ما أمامي إلا بالكاد... ثم بدأ هو الآخر بإطلاق العنان لمركبته وغدا يسير بسرعة جنونية للحاق بي... عندها أوقفت الرتل، وترجلت من سيارتنا وأنا من الحنق والتأثر في نهايته، توجهت إليه، وسألته مباغتاً والدم في عروقي يفور كماء في قدر:

ماذا دهاك يا أبا عجرمة؟! أتريد قتلنا، أم الانتحار؟!

نظر لي بانكسار غير معهود، لم أعهده طبعا فيه من قبل، وبعدم رضا، من وراء نظارته السوداء اللعينة، الكبيرة بعدساتها الخشنة، السميكة، المحدبة التي طالما كرهتها، كلما رأيتها نافرة، ناطقة، متحدية، مستفزة أمام ناظري! وقال وهو يرتجف، كذيل بقرة وهي ترعى:
نسيت أن أقول لك... أقصد لم أنبهك، بأني لا أرى في الليل!! ثم غير من لهجته قليلاً، وتشجع بشق النفس حينها- شعرت بأنه كان يمضغ شيئاً- وتذكرت العلكة، فشتمت نفسي سراً، وصغرت لما جئت من أجله متحاملاً، صابراً والرتل واقف. عندها أردف: أعني... لم أتعود القيادة ليلاً وخاصة وكما ترى نحن قرب الله بقليل!!

استغفرت ربي، وسرت مجدداً، وأنا في حالة إعياء شديد، وقهر لم أستطع ترويضه ولو قليلا... ولكن منظر البحر من تحتنا والفندق في القمة يبدو كنجمة في السماء، بإنارته المتألقة، المتوهجة الجميلة... رطب في الروح وجعلها تشعر بالراحة، رغم الجهد الذي أبذله، اتقاء الأخطار وأنا أسير بمركبتنا أمام أبي عجرمة بإضاءة سيارته العالية المتوحشة... فقلت محدثاً زوجتي وأولادي: انظروا إلى فوق... ما أجمل هذا الحلم المسائي الرائع... ابتسمنا بعد أن غزا السحر عيوننا، فطابت أنفسنا رويداً، ونحن نقترب صعوداً... أكثر فأكثر من النجوم في حضن ورحاب وأفق الله.

ركنت سيارتنا في مكان مخصص للوقوف، في طابق تحت الأرضي... لقد كانت السيارات المركونة كثيرة جداً، وقد صفت بطريقة تكاد تكون، كقبور في مقبرة، الواحدة جنب الأخرى؛ وما أن ترجلنا من سيارتنا، حتى سمعنا صوتا عاليا، كالانفجار دوي في المكان... اهتز له المكان كما قلوبنا... شعرنا بالخوف والرهبة، برعب حقيقي جلس على كاهلنا، كالحجر ونحن المتعبون من السفر. لم نكن نعلم من أين أتانا ذلك الصوت... لكنه خرق آذاننا بكل وقاحة ودون استئذان! حتى سمعنا صوت أبي عجرمة وهو يهرع متوجهاً نحونا وهو يزفر، يشخر، يتنهد، يتك،
كالساعة، يدمدم ويهذي ويصرخ بانفعال وهوس، كشخص ينوح ويبكي ويغمغم ويندب حظه... وهو عائد من مقبرة، بعد أن دفن فيها عزيزاً عليه:

جليل... يا عزيزي، يا صديقي... أنقذني أرجوك، فأنا في ورطة من أمري!!

- ماذا هناك، يا أبا عجرمة؟! ثم أردفت بتوتر: لقد ترجلنا للتو من سيارتنا، وحتى حقائبنا مازالت نائمة في صندوق السيارة... ماذا حصل، تكلم؟!

- (يصرخ ويصيح، كمن لسعته نحلة) لقد... أريد أن أقول... بأنني أبله، بل حمار أعرج بأذنين طويلتين... ولم ينقصني إلا أن ينبت لي ذنب أترنم به من الخلف!!

- هدئ من روعك، وقل لي ماذا حصل؟ وما هذا الصوت الذي دوى في المكان، كالانفجار؟ ومن ثم، أين زوجتك وأولادك؟

- لا تخف يا صديقي، كلهم بخير، بل لم يصب أحدهم بسوء، بل حتى كرشي وكما ترى لم ينبعج، من أثر الصدام!!

- أي صدام؟! لقد كنت ورائي قبل قليل، ولم أتركك لحظة واحدة... حتى دخلنا هذا المكان المخصص للوقوف!

- في الحقيقة... كانت السيارات قريبة من بعضها البعض، كقضبان السجن؛ ولم أجد نفسي إلا وأنا أصطدم بالقضيب الذي بجانبي– أنتبه على كلامه غير الموزون- فصححه قائلاً: أقصد بالسيارة التي بجانبي دون أن أعلم، ثم صاح وهو مازال يعلك: تباً لي من حمار أحمق، أعرج وأعمى( قال ذلك وهو يلفظ، كمن يلفظ الروح دون ألم)

- سألته مباغتاً: ماذا أستطيع أن أفعل لك يا أبا عجرمة؟ قل لي كل ما يدور بخلدك... وإلا دعني أتصرف، بإبلاغ الشرطة وأجراء اللازم...

- الشرطة... أجراء اللازم!!( قال ذلك مستغرباً وهو في حالة من الهلع والذهول)

- نعم، الشرطة ومن غيرهم المسؤول عن هكذا حوادث؟!( قلت له ذلك ببرود مقصود، وبحلم وأناة)

عندها... لم يشد ولم يرخ، لم يعط ولم يسحب ولم ينتظر طويلاً... جفت عروقه اللينة، الرطبة، المسالمة الآمنة فجأة، وأستيقظ الشيطان النائم في داخله، لقد كان شيطاناً عملاقاً مثله! انزاحت روح الفضيلة التي كانت تغطيه ويتدثر بها كبرياء وبخلا وحرصا، بسرعة كالحلم، نفض الغبار الذي كان يلون به نفسه، نزع الجلد الذي كان يتقلده في لحظة ضعف... في لحظة مواجهة حقيقية مع الحدث... جلده الذي كان يتباهى به أمامي بغنج، كفروة نمر... قذف به بعيداً، دون اكتراث لعريه، وهو يطلب مني بكل وقاحة، أن أقود سيارته بعيداً عن موقع الحادث، ليتخلص من جريمته التي اقترفها للتو! يدعوني إلى مشاركته في الجريمة، في رفع البصمات عن القتيل... بعد أن تناسى سريعاً إيمانه العميق، وصلاته الطويلة التي لا تعرف لها نهاية... وقدوره الفافونية الصغيرة، ومقلاته السوداء، الزنجية... نسى سكاكينه وملاعقه وشوكاته النظيفة- حسب زعمه- المحرمة على الغير، حتى على صغاره... نسى أو تناسى فجأة، ما قذفه في وجهي مرة دون خجل، كأنما يبصق، قوله المزعوم بالكذب: أنت يا جليل... يا صديقي، كافر، لا تعرف الله!!

تعرى أبو عجرمة أمامي بكل وضوح، فرأيته كلوح زجاجي شفاف... رأسه، رأس شيطان وجسده، جسد إنسان، له قلب من حجر وعقل حيوان... مقته في تلك اللحظة كثيراً، لكنني خاصمت نفسي أكثر! وكدت أبكي حالي ولم أفعل...

علا في المكان صراخ وبكاء أولاده الصغار ودوت في رأسي المنهار آهاتهم وأنينهم... وشعرت بدوار وغثيان وألم في معدتي، يجرحني، يعصرني، يهرشني، ولم أعد أستطيع التفكير... دخلت كل تلك الهواجس القاسية فجأة في جسدي كشظايا قنبلة، فاخترقته متألماً... حدثت نفسي سراً، وبصمت: أنه من بلدي ومن ديني!! معي في رحلة، وزوجته توسلت بي وصاحت عبر الهاتف، رغم خبثها وأنانيتها المفرطة: أنقذنا... أنقذ أولادنا... أرجوك... تذكرت كل هذا وأنا مازلت واقفاً أمامه لم أقرر بعد... وأشد ما تأثرت من أحكامه المشوهة، الغليظة، القاسية والشريرة على المرأة، ووصفها على أنها- ثقبان في جسد- وقد تناسى الأبله، المعتوه... بأن المرأة إنسان قبل أن تكون كيانا، عالم فسيح، يحتاجه عاجلاً أم آجلاً، في الصحو والمرض، في الفرح والحزن، في الشقاء والسعادة، في الجوع والشبع... تناسى بغفلة نادرة، عمياء، بأنه لن يقوى على الحياة والصلاة من دونها... عندها كرهته ولم أحقد عليه، وصمته بالجهل ولم أتعال عليه، بل تعاطفت معه، وقلت ليأخذه الشيطان ولم ادع له بالموت... ثم أفقت متكدراً، ورغم الكدر شعرت بالخجل ينتابني ولم أكابر... بل حصل العكس تماماً... رق قلبي له، شعرت في لحظة، بأن قلبي انكسر من أجله، كجرة ماء! اقتنعت أخيراً، بأنه لم يكن سوى أبي عجرمة، وهو يحيا حياته في رحاب الكفر وعلى طريقته!! وبكل ما يحمل من نظرات صامته، صارمة، ثلجية، تشع إجراماً وغباء... لكنني لم أر أمامي في تلك اللحظة إلا أبا عجرمة وهو منهار، مذعور، خائف، محايد، بل حمار أخرس.

تذكرت قول أحد أنبياء الله، عندما قال:" طوبى لبسطاء القلوب "لويت عنقي بيدي وقلت له برجاء وبصوت عذب رقيق: اجعل عائلتك تلحق بعائلتي حيث الفندق، وخذوا حقائبكم معكم... ثم أعطني مفتاح السيارة... وأنا سأتدبر الأمر... وليسحقني الشيطان...


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى