الاثنين ٢٢ حزيران (يونيو) ٢٠٠٩
بقلم رضوان باغباني

فکرة النظم فی تفسیر (الکشاف) للزمخشري

لم یؤلف الزمخشري مؤلفاً خاصاً بالإعجاز، وإنما قام بمحاولة في هذا الباب، لم یسبقه إلیها أحد، فهو أراد أن یقیم أدلة الإعجاز وشواهده من آیات القرآن الکریم، وأن یجعل القرآن کله مجالا للناظرین في الإعجاز، والباحثین عن مواقعه في کتاب الله. ولهذا فقد جعل تفسیره المعروف باسم «الکشاف عن حقائق غوامض التنزیل وعیون الأقاویل في وجوه التأویل» لتحقیق هذه الغایة التي جعلها کل همّه وغایته، وهو ینظر في کتاب الله، ولم یأخذ الطریق الذي سار فیه المفسرون من قبله، وهو شرح مفردات القرآن أو إعرابه أو استخلاص الأحکام الشرعیة منه، أو بیان أسباب النزول، أو التعریف بالناسخ والمنسوخ.

إلی غیر ذلك من مذاهب المفسرین ومناهجهم في تفسیر القرآن، وفي غایاتهم التي یقیمون علیها وجهة نظرهم في‌التفسیر.

هو فسر القرآن کله تفسیرا عرض فیه روائع النظم القرآني، وما ینکشف وراء هذه الروائع من أسرار تنبئ عن فضل هذا الکلام وعلوه علی سائر الکلام.

یبني الزمخشري فکرة الإعجاز في «الکشاف» علی خصائص الکلمات والنظم في التعبیر ویوافق رأي الجرجاني قلیلاً، فالإعجاز عنده قائم علی المعاني من تعریف وتنکیر وتقدیم وتأخیر ثمّ علی ما یتصل بعلم البیان... ومن الحق أن نقول: إن الزمخشري یعدّ بین المفسرین أول أو أکثر من اهتمّ ببحث البیان في القرآن.

إنه قد عبر في مقدمة کتابه عن علم النظم بعلمي المعاني والبیان، یقول: «إنّ أملأ العلوم بما یغمر القرائح، وأنهضها بما یبهر الألباب القوارح، من غرائب نکت یلطف مسلکها، ومستودعات أسرار یدق سلکها، علم التفسیر الذي لا یتم لتعاطیه وإجالة النظر فیه کل ذي علم، کما ذکر الجاحظ في کتاب «نظم القرآن»، فالفقیه وإن برز علی الأقران في علم الفتاوي والأحکام، والمتکلم وإن بز أهل الدنیا في صناعة الکلام، وحافظ القصص والأخبار وإن کان من ابن القریة أحفظ، والوعظ وإن کان من الحسن البصري أوعظ والنحوي وإن کان أنحی من سیبویه، واللغوي وإن علك اللغات بقوة لحییه: لا یتصدی منهم أحد لسلوك تلك الطرائق، ولا یغوص علی شيء من تلك الحقائق إلا رجل قد برع في علمین مختصین بالقرآن، وهما علم المعاني وعلم البیان، وتمهل في ارتیادهما آونة، وتعب في التنفیر عنهما أزمنة، وبعثته علی تتبع نطاقهما همة في معرفة لطائف حجة الله، وحرص علی استیضاح معجزة رسول الله»] [.

فعلم التفسیر ـ کما یری الزمخشري ـ وهو في منهجه علم غایته البحث عن أسرار القرآن ومواقع إعجازه ـ هذا العلم لا یستجیب إلا لمن أوتي حظاً کبیراً من علمي المعاني والبیان، مع فطرة سلیمة، وبصیرة نافذة، ونفس یقظي. وإذن فمظانّ الإعجاز في القرآن، هي ما ضُمَّ علیه نظمه من دقیق المعانی، ولطیفها، وما تحمل ألفاظه في کیانها من أسرار محجبة لا تری إلا لمن أوتی حظا من ذوق الکلام، وفهم مرامي البیان

هو یطبق نظریة النظم علی آي الذکر الحکیم من أول القرآن إلی آخره. موضحاً أسرار النظم القرآني، ولطائفه الدقیقة. نحو قوله في قوله تعالی: ﴿الم ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ﴾] [«إنّ «الم» جملة برأسها، أو طائفة من حروف المعجم مستقلة، بنفسها. و«ذَلِكَ الْكِتَابُ» جملة ثانیة. و«لا رَيْبَ فِيهِ» ثلاثة و«هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ» رابعة.

و قد أصیب بترتیبها مفصل البلاغة وموجب حسن النظم، حیث جيء بها متناسقة، من غیر حروف نسق، وذلك لمجیئها متآخیة آخذاً بعضها بعنق بعض، فالثانیة متحدة بالأولی معتنقة لها، وهلم جرا إلی الثالثة والرابعة.

بیان ذلك: أنه نبه ـ أولا ـ علی أنه الکلام المتحدی به، ثم أشیر إلیه بأنه الکتاب المنعوت بغایة الکمال. فکان تقریراً لجهة التحدي، وشداً من أعضاده. ثم نفی عنه أن یتشبث به طوف من الریب، فکان شهادة وتسجیلا بکماله، لأنه لا کمال أکمل مما للحق والیقین، ولا نقص أنقص مما للباطل والشبهة... ثم أخبر عنه بأنه هدی للمتقین فقرر بذلك کونه یقیناً لا یحوم الشك حوله، وحقاً لا یأتیه الباطل من بین یدیه ولا من خلفه. ثم لم تخل کل واحدة من الأربع ـ بعد أن رتبت هذا الترتیب الأنیق، ونظمت هذه النظم السري ـ من نکتة ذات جزالة.

ففي الأولی الحذف والرمز إلی الغرض بألطف وجه وأرشقه. وفي الثانیة ما في التعریف من الفخامة. وفي‌الثالثة ما في تقدیم الریب علی الظرف. وفي الرابعة الحذف. ووضع المصدر الذي هو «هدی» موضع الوصف الذي هو «هاد» وإیراده منکراً. والإیجاز في ذکر الیقین»]

فانظر کیف تجاوز الزمخشري مباحث الوصل والفصل التي کشف عنها عبدالقاهر إلی دلالاتها الثانیة في الحذف والرمز والفخامة في التعریف، وما في تقدیم الریب علی الظرف والتنکیر والإیجاز وکل لون من هذه الألوان وراءه معان وأفکار یقتضیها المقام، ویتطلبها النظم. وفي هذا ما یصور نزعته في التفسیر البلاغي، وعنایته بالأسلوب، ودقائق التراکیب، واستواء النظم، فکل کلمة تتعانق مع أختها لنکتة وراء هذا التعانق وکل جملة لها موضعها الفني الدقیق الأنیق من الآیة ویتبع ذلك إیحاءات وتأملات فیما تشحن به الکلمات من عواطف بشریة تستثیر الانفعال، وتملأ النفس بالوقار والهیبة، أو الرهبة والخوف أو الترغیب والأمل، ومن ثم سما أسلوب القرآن علی سائر الأسالیب وبقي وحده معجزة قولیة باقیة علی الزمن

و یذهب في قوله تعالی: ﴿الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ ويَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ ويُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُوْلئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾] [إلی أن «النقض هو الفسخ وفك الترکیب، فإن قلت: من أین ساغ استعمال النقض في إبطال العهد؟ قلت: من حیث تسمیتهم العهد بالحبل علی سبیل الاستعارة، لما فیه من ثبات الوصلة بین المتعاهدین، وهذا من أسرار البلاغة ولطائفها أن یسکتوا عن ذکر الشيء المستعار، ثم یرمزوا إلیه بذکر شيء من روادفه، فینبهوا بتلك الرمزة علی مکانه، ونحوه قولك: شجاع یفترس أقرانه، وعالم یغترف منه الناس لم تقل هذا إلا وقد نبهت علی الشجاع والعالم بأنهما أسد وبحر»]

یری سید قطب: أن الزمخشري کان یقع له بین الحین والحین شيء من التوفیق في إدراك بعض مواضع الجمال الفني في القرآن، وذلك کقوله في تفسیر ﴿وَ لَمَّا سَكَتَ عَن مُّوسَى الْغَضَبُ﴾ کأن الغضب کان یغریه علی ما فعل ویقول له: «قل لقومك کذا، وألق الألواح، وجُرّ برأس أخیك إلیك»]

یقول أحمد أبو زید: «من مظاهر وحدة السور، وتناسب أجزائها مناسبة مطلعها لخاتمتها»] [. ولحظ الزمخشري أن فاتحة سورة المؤمنون مناسبة لخاتمتها. فقد جعل الله فاتحتها: ﴿قد افلح المؤمنون﴾ وجعل خاتمتها ﴿إنه لایفلح الکافرون﴾، فقابل بین المطلع والختام بالایجاب والسلب.] [
یشیر الزمخشري إلی معنی التقابل في قوله تعالی: ﴿الشَّمْسُ والْقَمَرُ بِحُسْبانٍ والنَّجْمُ والشَّجَرُ يَسْجُدَانِ والسَّماءَ رَفَعَهَا ووَضَعَ الْمِيزانَ﴾] [. فیقول: «بحساب معلوم وتقدیر سوی (یجریان) في بروجهما ومنازلهما، وفي ذلك منافع للناس عظیمة: منها علم السنین والحساب، (و النجم) والنبات الذي ینجم من الأرض لاساق له کالبقول. (و الشجر) الذي له ساق. وسجودهما: انقیادهما لأمر اللَّه فیما خلقا له. وأنهما لا یمتنعان. تشبیها بالساجد من المکلفین في انقیاده. فإن قلت: کیف اتصلت هاتان الجملتان بالرحمن؟ قلت: استغنی فیهما عن الوصل اللفظي بالوصول المعنوي، لما علم أن الحسبان حسبانه، والسجود له لا لغیره، کأنه قیل: الشمس والقمر بحسبانه والنجم والشجر یسجدان له. فإن قلت: کیف أخل بالعاطف في الجمل الأول، ثم جيء به بعد؟ قلت: بکت بتلك الجمل الأول الواردة علی سبیل التعدید، لیکون کل واحدة من الجمل مستقلة في تقریع الذین أنکروا الرحمن وآلاءه، کما یبکت منکر أیادي المنعم علیه من الناس بتعدیدها علی في المثال الذي قدمته، ثم رد الکلام إلی منهاجه بعد التبکیت في وصل ما یجب وصله للتناسب والتقارب بالعاطف. فإن قلت: أي تناسب بین هاتین الجملتین حتی وسط بینهما العاطف؟ قلت: إن الشمس والقمر سماویان، والنجم والشجر أرضیان، فبین القبیلین تناسب من حیث التقابل وأن السماء والأرض لا تزالان تذکران قرینتین، وإن جری الشمس والقمر بحسبان من جنس الانقیاد لأمر اللَّه، فهو مناسب لسجود النجم والشجر. ﴿و السماء رفعها﴾ خلقها مرفوعة مسموکة حیث جعلها منشأ أحکامه، ومصدر قضایاه ومتنزل أوامره ونواهیه، ومسکن ملائکته الذین یهبطون بالوحي علی أنبیائه؛ ونبه بذلك علی کبریاء شأنه وملکه وسلطانه»]

فهو أشار إلی التناسب في تقابل الشمس والقمر والنجم والشجر، باعتبار أن الأول سماوي، والآخر أرضي، وأن السماء والأرض لا تزالان تذکران قرینتین.

علی کل حال ان الزمخشري بحث فکرة النظم وما یتعلق بها من معان بلاغیة في کتابه «الکشاف» إلا أنه غفل إلی حد کبیر عن الصورة الأدبیة ورسم المواقف، وتشخیص المناظر، وتصویر ملامح النماذج البشریة.

 [1]


[1

الهوامش:
[فکرة إعجاز القرآن، 92 ـ 93.
الکشاف، ص ن ج ـ 1 من المقدمة.
الإعجاز في دراسات السابقین، ص 306.
البقرة، 1 ـ 2.
الکشاف، 1/ 35 ـ 37.
بلاغة القرآن بین الفن و التاریخ، ص 188.
البقرة، 27.
الکشاف، 1/119 ـ 120.
التصویر الفني في القرآن، ص 24.
التناسب البیاني في القرآن، ص 66.
الکشاف، 3/207. الرحمن، 5 ـ 7.
الکشاف، 4/443 ـ 444.
 
فهرس المصادر و المراجع:
[1].القرآن الکریم.
[2]. الإعجاز في دراسات السابقین: عبدالکریم الخطیب. دارالفکر العربي، ط 1، 1974 م.
[3]. بلاغة القرآن بین الفن و التاریخ: د. فتحي أحمد عامر. منشأة المعارف الإسکندریة، لاط، لاتا.
[4]. التصویر الفني في القرآن: سید قطب. لانا، لاط، لاتا.
[5]. التناسب البیاني في القرآن: أحمد أبو زید. الدار البیضاء، الرباط، لاط، 1992 م.
[6]. فکرة إعجاز القرآن منذ البعثة النبویة حتی عصرنا الحاضر: نعیم الحمصي. تحقیق محمد بهجة البیطار. مؤسسة الرسالة، بیروت، ط 2، 1980 م.
[7]. الکشاف عن حقائق التنزیل و عیون الأقاویل من وجوه التأویل: الزمخشري. لانا، لاط، لاتا.

أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى