الأربعاء ١٢ آذار (مارس) ٢٠٠٨
بقلم محــمد أنـقار

قطّـة الخـلاء

كلما قصدت مقهى المكسيك انتظرت مجيء القطة. تلك عادة ألفتها في المدة الأخيرة عندما آتي المقهى طالباً الخلوة والراحة بعد يوم من التعب. وحيث إني أريدها خلوة حقيقية إثر ضنى التوقيت المستمر وقبل الانغماس في صخب الدار، أطلب من النادل أن يحمل لي كأس الشاي وأنا جالس في سيارتي فأتلذذ برشف جرعاته الحلوة وأبلل بها لُقم بُلْغَةِ المساء الهادئ.

آنذاك يطيب لي تأمل الحلكة الشاملة للمكان الخالي في أمسيات الشتاء القصيرات، والشرود مع بعض الأضواء الخافتة المترائية بعيداً والمعشعشة بين الدروب والمنازل الصامتة. كأن الموضع الحضري واقع في قرية وما هي بالقرية. وعندما يمر عابرٌ مجتازاً في هرولة فيافي الطريق الواسع يكون استثناءاً قليلاً ما يتكرر. فالعابرون نُدْر في هذه الناحية من طرف المدينة؛ يمضون سريعاً في جنح الظلام كأنما الأشباح تطاردهم.

لكن القطة لا تأتي دوماً لمؤانستي، وإنما تخلف الموعد في بعض الأمسيات فأشعر آنذاك كأن إلفاً ينقصني. وحينما فاجأتني أول مرة وصعدت فوق صفيحة مقدمة السيارة أزعجتني جرأتها وعمدت إلى طردها بشتى الطرق، لكنها تماسكت واستقرت في موضعها بثقة عظيمة في النفس. هددتها بكفي من وراء الزجاجة، ثم شغّلت المسَّاحتين لكنها لم تتحرك، وإنما مضت تحدّق فيَّ ولا تكاد تطرف عيناها الخاملتان. كأنها واثقة كل الثقة بأني لن أستطيع تجاوز التهديد إلى اقتراف الإذاية.

هكذا تكررت مواعيدنا إلى أن غدت لقاءات شبه لازمة. آتي الموضع القفر وأطلب الشاي الأخضر من النادل الواجم ثم أروح أنتظر ظهور القطة السمينة والهادئة الشبيهة في امتلائها بقطط المجزرة. ثم بعد ذلك قد تأتي القطة وقد لا تأتي. لكنها تظهر حتماً حينما تكون بُلغة المساء مكونة من الأرغفة المعدَّة بالزيت. تستدعيها الرائحة المفعمة بطعم الشيِّ فتخرج لي من حيث لا أعلم وتنط إلى مقدمة السيارة في تثاقل، ثم تجمع جسدها البض وتنكمش قبالتي سابحة في عينيّ، منصرفة عن الدنيا المظلمة. كأني شغلها الشاغل، أو كأني كل كونها في هذا الخلاء. في البداية تعمدت ألا أُشركها طعامي الخفيف لكي أعرف حقيقة نواياها؛ هل تبتغي الأكل ككل القطط أم تصبو إلى غاية أخرى مبهمة. لكن عندما أخذت أرمي لها بعض فتات الرغيف من النافذة التي إلى يساري لم تبادر إلى الانقضاض عليه بشراهة وإنما اكتفت بشمه وأكل جزء يسير منه لتعود بعد ذلك إلى التحديق فيّ.كذلك وضح لي أن قطتي لا تتطلع إلى غاية قريبة وإنما تصبو إلى ما هو أشد إبهاماً وغموضاً.

في هذا المساء الشتوي البارد جئت موضع الخلوة متوتراً أكثر من المألوف. توقفت في مواجهة سيارة فارغة تستقر جنب الرصيف. مقدمتها في مقابل مقدمتي. طلبت نسيان مشاحنات الإدارة ونميمة الموظفين ونظرة الريبة التي رنا إليّ بها رئيس المكتب. جاءني كأس الشاي الساخن بيدٍ مرتعشة ووجه صامت وأخذت أمضغ الرغيف آملاً التخفف من وجع الرأس. ثم بدأت أفتش في الظلمة المبكرة عن القطة البيضاء ذات العينين الخضراوين. لكن مدة البحث طالت من دون أن تحضر. ثم خفت أن آكل وحيداً كل الرغيف من غير أن يظهر الأنيس. وتحاشياً من ذلك أوقفت المضغ وتعمدت إبراز ما تبقى من الرغيف خارج النافذة لعل رائحة الزيت تخُرجها من حيث لا أدري. وأفلحت المحاولة فرأيت على إثرها القطة التي لا تموء تقفز إلى المقدمة الباردة وتنكمش قبالتي. آنذاك أحسست بكثير من الغبطة. أما صمتها الناطق فقد أنساني ثرثرة زميلتي في المكتب التي لا تفتر عن الكلام طوال اليوم. لذلك اعتصرت ذاكرتي كي لا أرى شيئاً أخر إلا عيني القطة. سبحت فيهما إلى أن شعرت بالارتخاء يسري في كل أطرافي. وفي هنيهة قصيرة انتابني بعض الخوف هجس لي على إثره هاجس مريب:

«- ومن أدراني أن القطة ليست جنية أو ساحراً تقمص جسد حيوان وراح يقتنص فرائسه في هذا الخلاء بقوة عينيه المنوّمتيْن؟. لا أعرف على وجه التحديد ما الغايات التي قد ترومها، لكن سيكون الأوان قد فات إذا اكتشفت أن نيتها قد انطوت على خبث يستحيل تفاديه إن وقع».

وبينما نحن نتبادل النظرات المنسابة خرج من المقهى المحشور في الظلمة شاب حليق الرأس ثابت النظرات وضغط على مفتاح آلي فصدرت عن السيارة المواحهة لسيارتي موسيقى منبـّهة قصيرة الأمد أنبات بالانفتاح التلقائي للأبواب. أنجز الشاب الممتلئ العملية من بعيد وفي نخوة. ثم تبعته ثلاث فتيات عصريات بشوشات، مصبوغات الشعر باللون الأشقر، لابسات سراويل الجين المحكوكة والشديدة الضيق، وأقمصة داكنة، وجزمات الموضة. وأحطن به مقهقهات كأنه هارون الرشيد وهن حريمه.

وهممن بركوب السيارة في فوضى فالتفت نحوهن بوجه رزين وأعطى أوامره بتنظيم الركوب من دون أن تنقطع الفتيات مع ذلك عن القهقهة.

كأنهن واثقات من أنهن سينتصرن على رزانته في نهاية المطاف حينما تتحقق خلوة المتعة الساحرة. واختار هارون أن تجلس إلى جنبه فتاة نحيفة قصيرة الشعر، شديدة الالتفات والحركة، في عينيها ذكاء وشيطنة، بينما جلست الأخريان في الخلف في شيء من الانكسار. وبمجرد ما أن استقرت الفتاة المحظية في موضعها حتى أثار انتباهها مشهد المناجاة القائمة في سكينة بيني وبين القطة. الكأس المنعنع في يدي وعيني في عيني الأنيس. ورأيت المحظية من خلال زجاج النافذة تلتفت نحو زميلتيها وتشير إليّ مبتسمة. في حين مضى هارون الرشيد ينظر إليّ كالغـبي الذي لم يكن راضياً عن الموقف كل الرضى. ثم رأيتهن يقهقن جميعاً وإن لم تصل إليّ أصواتهن، بينما انصرفتُ عن الدنيا وتماديت في تبادل النظرات الحميمة مع القطة. وفجأة شغّل هارون الرشيد الراديو ورفع عقيرته عالياً فانطلقت النغمات الناشزة متمردةً في دائرة المكان الذي يلفنا. ثم شغّل محركَ السيارة ببعض العنف استعداداً للانصراف. ومزق الهديرُ سكونَ الخلوة انتفضتْ على إثره قطتي وولت هاربة. ثم رأيت الفتاة المحظية تبتسم بإعجاب.

آنذاك عنّ لي خاطر كريه صوَّر لي هارونَ الرشيدَ يغادر مقعده في غضب ويفتح باب سيارتي ويجذبني بعنف ويلقمني لكمة قوية جعلتنى أرى النجوم في عز الظلمة. لكن من حسن الحظ أن سحر ابتسامة الفتاة النحيفة ظل يمتد ويمتد حتى محا الخاطرَ الكريهَ إلى أن غابوا جميعاً عن عيني.

وظللت في ظلمة هذا المساء من دون نجوم ومن دون قطتي الممتلئة، لكني أملت أن تأتي في الغد..


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى