الخميس ٢٦ أيار (مايو) ٢٠١١
بقلم محمد بن يوسف كرازون

قُرط رشيدة

لم يكن صباحاً عاديّاً ذلك الذي شاع فيه خبر موت رشيدة في القرية،فهـــي امرأة إن لم تكن دخلت كلّ بيت،فعلى الأقل كانــت حديث كلّ البيوت.. أمّا الأطفال،فمُناهم أن يذهبوا إليها في بيتها،ليطلبوا منها الكشف عن أذنها المشرومة،فتتمنــّع في البداية،ثمّ ما تلبث أن تحسر المنديل عن رأسها قليلاً لتريهم أذنها اليمنى وقد استطالت.. وهي لا تنسى أن تقدّم للأطفال السكاكر وبعض المأكولات الخفيفة ممّا يتيسّر لها.
وحكـــأيـــة أذنهـا بالأمس كانت حقيقة،وأمّا اليوم – بعد أن ماتت – فقد صارت أقرب إلى الأسطورة.. يذكر أهل القرية جيداً منذ خمس وعشرين سنة أوأكثر،عندما كانت رشيدة في الثلاثين من عمرها،حديث أبي فارس معها،عندما جاء يشكولها مرض ولده الوحيد فارس، وقال لها إنــّه قد تركه في مستشفى المدينة،وأنــّهم قد طلبوا منه دماً.. فقالت رشيدة : خذوا ما تشاؤون من دمي.. وعندما أكّد لها أبوفارس أنّ دمها لا يصلح،فكّت قُرطها من أذنها اليسرى،ثمّ همّت تفكّه من أذنها اليمنى،فلم تسعفها يداها المرتعشة حزناً على فارس،فشدّت القُرط من أذنها،فشرمتها.. وأخذ أبوفارس القُرط..

تبيّن أنّ الحكاية لم تكن مرض فارس،ولم تكن المشكلــــة مشكلة حاجة إلى دم،ففارس كان في المدينة فعلاً، ولكن من غير مرض،الحكاية هي أنّ أبا فارس كان يرغب في شراء زوج حمام نادر،وليس معه ما يكفي..

قُرط رشيدة لم يكن في الحقيقة قُرطها وحدها،كان قُرط أمّ جدّتها،هومن الذهب العتيق،ومزدان بأحجار كريمة.. هذا القُرط اشتُهِر بالرهن،فكلّما شعر إنسان في القرية بضيق مادّيّ كان يلجأ إلى جدّة رشيدة،لترهن له قُرطها،ليفكّ أزمته.. وتنفرج الأزمة،ويصبح المعسر موسراً،ولكنه ينسى حكـاية رهن قُرط الحاجّة،وكانت الحاجّة – رحمها الله – على يقين من هذا التصرّف،ولذلك كانت تجمع بيض دجاجاتها،وتبيع ما يزيد عن حاجتها منه،وتحيك شالات من صوف أومن قطن،وتبيعها،وتجمع المبلغ،وتفكّ رهنيّة قُرطها..

ولكَ أن تتخيّــل نفسيّــة المُرتَهِنِ،وهــويتسلّم المبلغ،إنــّه يعدّ،ويعيد العدّ،ويدقّق،لعلّ المبلغ يكون ناقصاً،لا لشيء سوى لأنــّه يريد أن يستبقي القُرط عنده أكبر مدّة ممكنة.. فقد شاع اعتقاد أنّ هذا القُرط بالذات يجلب الرزق لمن يكون في حوزته..
وتتكرّر العملية مع رجال القرية ونسائها،فهذا يريد أن يشتري بغلة بعد أن وهنت بغلته المسنــّة، وتلك ترغب أن تزوّج ابنها على حياة عينها،وذلك يريد أن ينزل إلى المدينة ليتعرّف إليها .. وتتفتّق عبقريّات أهل القرية عن حاجات ورغبات،والقُرط يرتهن،ثمّ يُفَكّ رهنه.. وعندما آل إلى رشيدة لم تكن تريد أن تبطل سنــّة أمّها وجدّتها وأمّ جدّتها.. ورغم أنــّها كانت موسرة في أوّل أمرها،فقد كانت تحبّ أن ترهنه،لعلّها تجلب البركة على المُرتهِن..

لم يكن قُرط رشيدة وحده القابل للرهن،فهي ترهن حتّى سجّادتها العجميّة،ولكن لا تقبل أن ترهن قِدرها الكبير،فماذا تفعل إذا فوجئت بزيارة غير متوقّعة لأكثر من عائلة من إحدى القرى المجاورة؟!

عَمَدَتْ رشيدة إلى شراء قُرط جديد،وراحت تخبّئه في علبته،فهولا يرى النور إلاّ قليلاً عندما تتفقّده رشيدة وهي منفردة.. إنــّها تخبّئه لابنتها التي لم تأتِ.. فقد كانت الغصّة الكبيرة لها أنــّها لم تُنجب، وكانت تتساءل في نفسها : والدة جدّتي أنجبت بنتاً وحيدة هي جدّتي، وجدّتي أنجبت ثلاثة أطفال لم يعش لها منهم سوى والدتي،وأنا وحيدة أمّي.. هل كُـنّ مريضات بمرض ما،وترسّبت كلّ آثار المرض فــيَّ؟؟!! ثمّ كانت تعزّي نفسهـــا وتقول : لا يا بنت ! ألا ترين إلى بنات القرية .. إنــّهنّ كلّهنّ ينادينكِ (أمّي) .. أنتِ أمّ حقيقيّة وإن لم تنجبي..
وقد تركت رشيدة القُرط الجديد احتياطاً لعلّها في يوم من الأيّام تُجبَر على بيع القُرط القديم،فماذا تفعل؟ وماذا سترهن بعدها؟
ويقع المحظور،وتصل الحالة برشيدة إلى حدّ أنــّها يئست من أبي فارس أن يعيد لها القُرط.. هي لم تتأثّر بشيء بقدر ما تأثّرت بأنّ أذنها لم تعد تستطيع أن تعلّق بها قُرطاً،والقُرط في أذنها – في حدّ ذاته – دليل بركة.. لا القُرط القديم عاد،ولا الجديد ينفع في التئام شحمة أذنها المتدلّية.. آه يا رشيدة !

مضت سنون،وأبوفارس يتناسى القُرط.. ويتناسى رشيدة.. مواسم الخير تتلاحق،والأرزاق تتدفّق عليه وعلى القرية جميعاً.. ووعده بإعادة القُرط ذهب أدراج الرياح.. صحيح أنــّه باعه – كما أشيع في القرية – إلاّ أنــّه من المهمّ أن يزور رشيدة ليخفّف من معاناتها بعد أن فقدت زوجها مبكّراً،ويحمل بيده شيئاً من الخيرات وبعض الدراهم،فرشيدة اليـــوم غير رشيدة بالأمس.. وهي تكابر .. تتظاهر بالسعة.. ولكنــّها تهزل.. المرض يأكل جسمها أكلاً،وربّما الجوع معه،والمكابَرة تتعاظم..

رشيدة بحاجة إلى غذاء .. إلى أي إدام.. أهل القرية كلّهم ينظرون إلى أذنييها.. لعلّهم يرون قُرطاً جديداً،فترهنه لأحدهم.. أذنا رشيدة مجرّدتان من أي حلي.. وجسدها يزداد نحولاً.. أرزاق كثيرة ضاعت أوأُهديت أوتبدّدت.. ولم يبقَ لها سوى جارتها أم صالح،التي تؤوي لها ثلاث غنمات وعنزة، فتنفعها بحليبها،ولا تنسى أن تحسب حسابها بخبز طازج كلّما عجنت وخبزت..
العمر يتقدّم برشيدة،وكذلك المرض،وتذهب إلى صندوقهـا،فتخرج منـه القُرط الجديد الذي ادّخرته ليوم كهذا،وتقرّر أن تذهب إلى المدينة لتبيعه وترى طبيباً يرى حالتها ويكشف عن سبب وهنها وضعفها..

تصادَفَ أن كانت رشيدة في الحافلة نفسها التي يستقلّها أبوفارس.. ولكنــّها لم تنتبه لوجوده.. فكّت صرّة صغيرة،وأمسكت بالقُرط الجديد تقلّبه،فلمع بريقه،وجذب نظر أبي فارس.. اقترب منها بهدوء دون أن تنتبه لحركته.. رَبَـــتَ على كتفها،ففزعت .. قال لها بابتسامة باردة :
- قُرط؟! وما ينفعكِ القُرط وأذنكِ مشرومة؟!
لفّت رشيدة صرّتها،ولم تجبه،وتلملمت على بعضها.. أما أبوفارس،فقد أغراه القُرط في أن يقدّم اقتراحاً لها :
- رشيدة ! أنت تحبّين أهل القرية جميعاً.. وفارس مثل ابنكِ .. بل هوابنكِ حقاً.. ما رأيكِ لوترهنين القُرط؟ فحفيدي – ابن فارس – مقبل على الزواج ! فـنفرح وتفرحين معنا ..
فلتت من رشيدة كلمات لم تدرِ كيف خرجت،قالت له:
- أما زال الدم الذي اشتريته بثمن القرط العتيق يجري في عروق فارس؟ أم أنتَ الذي تحتاج إلى دم جديد؟! هل نشف دمكَ؟!
ابتعد أبوفارس عنها بعد أن قطّب حاجبيه.. لامت رشيدة نفسها على طريقة ردّها .. أغمضت عينيها.. أسندت رأسها إلى مسند المقعد الذي أمامها.. اعتصرت عينيها.. بلّلت الدموع حجرها.. شهقت .. ارتمت على أرض الحافلة.. وفارقت الحياة..
عندما أُعيدت رشيدة إلى بيتها سارعت أمّ صالح لتعلن للناس أنّ وصيّة رشيدة أن يُباع القُرط الجديد لينفق ثمنه على دفنها.. ولم تدرِ أنّ رشيدة قد عادت وقد فارقها القُرط كما فارقتها الروح..

ومازال الناس يبحثون عن قُرط رشيدة ليعيدوا البركة إلى القرية.. تلك القرية التي فقدت قُرط رشيدة العتيق .. وأضاعت قُرطها الجديد..


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى