الأربعاء ١ حزيران (يونيو) ٢٠٠٥
بقلم أحمد محمود سلطان الزبيدي

ليلى.. أنا.. الولادة فى زمن الموت

الغريب أن كل الملاحم لا تولد إلا وهى تموت
والأغـرب من ذلـك أننا نـفهم المـوت
فلماذا لا نفهم الولادة


لا تحبى شاعرا..

يا أيها ال.. يكفى فانك قاتلى.. واسكن بهذا القلب علك ترحم

ليلى حسن

كلمات كتبت على مقعدى القديم فى الشعبة..
لا اعرف من كتبها.. ؟
ومن هى ليلى..؟

أهى ليلى نفسها التى كلما رآنى الأستاذ قاسم تذكرها وسمانى باسمها أحيانا.؟
أهى ليلى نفسها صاحبة تلك القصة وبطلة تلك القصيدة (أنا وليلى)..؟
ولماذا كتبت هذه الكلمات هنا على مقعدى..؟
وكيف عرفت أن كمال شاعر..؟؟
أتراها محض مصادفة.. أم أنها كتبتها لى كى لا أنسى خيالها المذبوح..؟
وكيف لى أن أنسى وكل شئ هنا فى كلية الآداب يحمل عبيرها..
وكل مكان يسألنى عن ليلى..
حتى أصبح خيالها شبحا يلاحقنى كلما مشيت فى طرق الظنون..
وبات يحاورنى يلومنى.. و يؤنبنى..
وكثيرا ما كانت تسألنى:
: أتراها الأيام ستحرق أجنحتك أيتها الفراشة..
فأجيبها: لا أنا أحب كمال.. أنا لست ليلى أنا همسة..
ليلى: لكنه شاعر..
همسة: نعم.. لكن شاعرى ذو ترف وما كان عسر الحال مأساته..
ليلى: قد تخونك عيناك..
همسة: لا انه يحبنى لكن قلبه فى هواى صامت.. ورخيم صوته فى هواى أبكم..

نعم هو الخوف من المكنون كان الشىء الوحيد الذى ينغص لحظاتنا.. نعم كنا نخاف على حبنا من غدر الليالى والزمان.. لكن رغم ذلك..فالحياة أمام أعيننا وردية حلوة.. وكأنها روضة غناء تغفو بدفء الربيع.. وكم تمنينا أن يتوقف الزمان لكنه كان يمضى.. ويمضى.. ويمضى..
حتى إذا بالسحاب الأبيض غدا دخاناً اسود.. وعبير الأزهار أمسى رائحة بارود.. وزقزقة العصافير صارت أصوات انفجارات تقتل هدوء ليالى الربيع.. ويقتل معها أبناء وطنى..
وانقشع الدخان الأسود كى يفضح سر أسلحة الدمار.. وسكتت أصوات القنابل لتعلو أصوات النحيب.. أما رائحة البارود فبعد أن تلاشت فاحت رائحة الدماء..
بين حائر يسأل عم جرى هناك فى بغداد وسعيد بسقوط النظام
كانت الأرض تبكى.. ترابها.. أبناءها.. وتاريخها المسروق..
أما أنا فكنت اجمع بين خوف الناس وخوفٌ من أن يدفن حبنا تحت رماد الحروب..
وعدت لأسأل ليلى:
همسة: أترانى سألقاه مرة أخرى..؟
ليلى: ربما أو ربما..
همسة: لا لا تكملى فكمال شخص مسالم ليس له دخل بالسياسة ولا حتى أقرباءه
ليلى: ربما عن طريق الخطأ..؟
همسة: لا.. لا.. يا رب احفظ كمال وأرجعه لى سالما..
أحقا كانت تسعين يوما.. أم إنها تسعون سنة.. امتزج فيها الشوق بالخوف والحزن بالألم مع بصيص من الأمل كان يلوح بين الأفق.. ذلك البصيص الذى أصبح هالة من نور تقتل ظلمة الأحزان.. بعد أن اخبرنى مذياعى الصغير عن استئناف الدوام مرة أخرى فى الجامعة..
: و أخيرا سألقاه من جديد ..
: كم أنا مشتاقة لأن أراه.. واسمع صوته.. وهو ينادينى.. حبيبتى..
: كم أنا مشتاقة لان أعود كى أتلفلف بدخان سكائره كما يغفو دجلة فى حضن مدينتى..
فى تلك الليلة لم أنم و أمضيت ساعات بلا ملل اصفف الشعر ألوانا وابتكر.. وأسال الشمس الطلوع فتضحك منى وتعتذر..

* * *

فى الصباح ذهبت مسرعة.. كان الكل موجودين إلا كمال لم يكن هناك..
سألت الطلبة والأصدقاء عن ذلك الصب و لا مجيب..
بت حائرة خائفة أتطلع فى كل وجه يصادفنى عله كمال.. لكن كمال لم يأت..
التقيت مصادفة بمازن ( وهو صديق كمال المقرب) استوقفته وسألته متلهفة
-  أين كمال..؟
لمَ لمْ يأت إلى الآن أهو بخير..؟ أحدث له مكروه..؟ اجبنى يا مازن
- لا تقلقى هو بخير والحمد لله.. ربما لم يتوقع قدومك اليوم
-  هل تستطيع الاتصال به..؟
- نعم أستطيع
- إذن أرجوك اخبره أنى قد جئت اليوم وبحثت عنه..
أرجوك اخبره أن يأتى فأنا مشتاقة له
- إن شاء الله سأحاول..

غاب مازن ليومين وعاد بعدها ليخبرنى ان حسناً موجود وانه ينتظرنى فى نفس المكان
الذى تعودنا أن نلتقى فيه دائما.. هناك تحت شجرة الصنوبر
لم اصدق ما سمعته أذناى.. ذهبت مسرعة.. وكأنى أسابق ظلى
نعم انه كمال.. كما تركته.. بوجهه البريء وبنظرته السارحة …نعم انه كمال.. حبيبى..
بدأ النبض يتسارع فى داخلى.. واجتاحتنى رعشة هزت كل مفاصلى لم استطع معها مواصلة المسير اليه
تقدم هو نحوى..وقف أمامى .. ونظر فى عينى …
وقفنا بصمت.. وعيوننا بدأت بالكلام …
قال - عيناك أنستنى كل اللغات..
فأجبته - يكفينى من عينيك الومضات..
فالحب لا يحتاج للكلمات..

ثم قالت شفتاه
- اشتقت لك..
لم استطع أن امنع نفسى من البكاء
-  همسة لمَ البكاء الآن ونحن معا من جديد.. ؟
- لو عرفت كيف مضت الأيام بدونك.. والله ما مضت وكأن ساعاتها واقفة..
- همسة احبك وسأبقى احبك إلى آخر لحظة فى حياتى ..
-  كمال.. أتعدنى..؟
- أعدك..
- وأنا أيضا.. سأحبكَ.. وإلى الأبد..
ثم اخرج من جيبه.. حجر شيح ، كسره نصفين.. أعطانى نصفا وأبقى النصف الآخر عنده
وقال: عندما يجتمع نصفا هذا الحجر سأكون اسعد إنسان فى الكون..

وأخيرا عادت للسماء زرقتها.. وعادت الحياة لتبدو وردية كما كانت بعد ظلمة أحاطت
بها من كل جانب.. وعدنا أنا وهو وكأننا طيور خرجت من أقفاصها لتنعم بالحرية
من جديد..
وعادت الأمطار كى تغسل عذابات ذلك العام القاسى .. وبدأ عام دراسى جديد
بت اعد أيامه يوما بيوم.. لان كمال سيطلب يدى بعد التخرج من الجامعة..
لكن كمال لم يكن متحمسا للتخرج مثلى.. بل انه لم يكن متحمسا لأى شئ فى الحياة.. وبدأ يتصرف تصرفات غريبة عنه.. بدأت بتركه للسكائر التى كثيرا ما طلبت منه
تركها دون جدوى.. وغيابه المستمر.. عنى وعن المحاضرات وحتى عن أصدقائه..
وأشياء أخرى لم استطع تفسيرها..
بدأ الشك يراودنى وعادت ليلى لتؤرقنى من جديد..
ليلى:أتراه يحاول الابتعاد عنك..؟؟
همسة: لا هناك ما يشغله..؟
ليلى: ألست أنت تحفته وأغلى ما كتب من أشعار..
همسة: نعم.. هو قال لى ذلك..
ليلى: إذن ما هو ذلك الشيء الذى هو أهم منك..
همسة: لا اعلم.!!
ليلى: ربما هى قصيدة جديدة ..
همسة: لا مستحيل.. مستحيل أن يحب غيرى..
ليلى: وربما كنت خاطرة كتبها فى ساعة ملل..؟
لم استطع هذه المرة تجاهل ليلى.. ولا خوفى من المجهول..

لذا قررت أن أضع حدا لكل شكوكى.. إما أن يأتى ويطلب يدى.. أو نفترق والى الأبد
لم اتصل به.. لكنه كان موجودا فى ذلك اليوم.. تقدم نحوى فبدأته بالكلام..
- أشرقت و أنورت.. عجبا أنت موجود اليوم.. وأنت قد اعتدت التغيب حتى عن الامتحانات
- همسة هذا ليس وقت مزاح.. همسة جئت اليوم لأودعك..
لماذا ؟؟
- لأنى سأرحل وربما إلى الأبد..!
- إلى أين..؟؟
- إلى مكان بعيد.. حيث أجد السعادة
- بعيدا عنى.. وأنا أ تــتــركنى وحيدة..؟
- نعم..
-  مستحيل.. ألست أنا أغلى ما تملك فى الدنيا، ألم تقل لى ذلك؟
- كنت مخطئا.. لأنى اكتشفت انك ارخص من الـتراب..
- حسن أنت تمزح..!!
- كفاك أوهاما فحسن قد مات.. قتلته بيدى
- كنت اشعر بذلك..أنت كاذب ومخادع.. خدعتنى طوال تلك السنوات
من اجل ماذا ؟؟
- همسة لا تظلمينى.. صدقينى.. أنا لم اخدعــــ
- لا تكمل.. يكفى
يا أيها ال.. يكفى فانك قاتلى.. واسكن بهذا القلب علك ترحم

لم يكمل وتركنى وأنا أحاول إيقاف دموعى.. لكن الصدمة كانت اكبر
من أن تتحملها فتاة مثلى.. ويا ليت الدموع تفيد شيئا..
- أصحيح ما قاله..أ صحيح أنى لن أراه بعد اليوم …
أبعد حب السنوات ..
وسنين عمرى التى ضاعت بين الهمسات..
لن أجد شيئا من حبى سوى الذكريات..
- أين أنت يا ليلى.. أجيبينى..
- ماذا أقول لفراشة تحترق..
- قولى أنى احلم حلما مزعجا …
- لا بل أنت صحوت من حلم جميل
- أتراها الأيام ستنسينى.. أترانى أستطيع العيش بدونه..
- نعم.. وستعيشين حياتك

نعم قررت المواصلة.. وأن أكمل ما تبقى من أيام الدراسة..
حتى ولو كنت وحيدة..
لم يكن خبر رحيل كمال قد تسرب إلى باقى الطلبة.. لأنه حرص أن يبقى الأمر سرا..
ولكن الزملاء لاحظوا اختفاءه.. وعيناى التى كانت تدمع كلما سألنى أحد عنه..
فعلا كان قد رحل ولم اعد أراه مجددا.. حتى مازن اختفى هو الآخر..
كانت الأيام تمر وكأنها سنين..
كنت أعدها ولكنها كانت تأبى أن تمضى..
مرت أيام.. أو اشهر أو ربما كانت سنيناً طويلة..
وتقواى فيها يحارب جنونى.. وكبريائى يحبس دموعى..
كل يوم مثل سابقه.. ولاحقه..
إلا ذلك اليوم.. فالدوام فى الجامعة شبه متوقف..
بسبب الأحداث التى كانت تحصل حينها فى مدينة الفلوجة..
والطلبة منشغلون بكتابة اللافتات والمظاهرات داخل الجامعة وخارجها..
احتجاجا على ما يحدث لأهلنا هناك..

كانت الأصداء ملأى بصيحات اعترتها نبرات التحدى والغضب.. بدا لى أن إحداها مألوفا ودون قصد سارت بى قدماى نحو مصدرها، وإذا به مجموعة من الشبان قد تجمع حولها الطلبة وقد اعترت قسمات وجوههم صورة طبق الأصل عن الغضب الممتزج بالمرارة، وعيونهم ما انفكت عن مطالعة تلك اللافتة المتراخية على ظهر ذلك الجدار العتيق.
حاولت أن استرق نظرة سريعة إلى اللافتة لكن الزحام الشديد حال دون ذلك، فاقتربت أكثر وعيناى مازالتا تسترقان النظر تارة وتطالع وجوه الواقفين تارة أخرى , حين إذ لمحت وجه مازن.
عندما التقت نظراتنا ترك كل من حوله وتقدم نحوى مناديا بصوت منهك
-  همسة
-  أهلا مازن كيف حالك
-  همسة عندى لك رسالة، مشيرا بظرف ورقى كان يحمله،
عرفت انه من كمال لكنى حاولت أن أبدو عير مبالية واستمرت قدماى تمشى وقد بدا الارتباك على خطواتها
-  ما لذى يقرأه الطلبة على ذلك الجدار.. هاربة بنظرى نحو تلك اللافتة المتراخية على ظهر الجدار التى كتب عليها

بسم الله الرحمن الرحيم
ولقد كانوا عاهدوا الله من قبل لا يولون الأدبار وكان عهد الله مسؤولا
صدق الله العظيم
تنعى كلية الآداب فقيدها الشهيد البطل كمال..
التفت نحو مازن بنظرة ملئها الدهشة والذهول.. هز برأسه مجيبا بنعم وكانت عيناه قد اغرورقتا بالدموع.. وقال
-  كمال قد أكرمه الله بالشهادة
كمال أوفى بعهده لله وما ولاهم الأدبار
ثم أعطانى ذلك الظرف الذى حمل فيه قطعة قماش بيضاء مغسولة بدم الشهيد ونصف حجر الشيح الذى كان بحوزة كمال.
أثارت كلماته لآلئ دمع بدأت تنهمر من عينيها لتلامس دم الشهيد , وكأنها ما بكت قط تبكى بالم وحسرة يرافقها صوت مكبوت لا يستطيع البوح أو الكلام.. وبدأت تنحنى لتلامس الأرض بيديها..
وكيف لا وهى ستفارق كل الأصحاب، الأقمار والليالى والشواطئ فجميعهم اليوم قد اعدموا..

* * *

وإذ بليلى تناديها من الأعماق.. وصوتها يلفظ أنفاسه الأخيرة
- لا تبكـ يا همسة.. لا تبكـ..
فليس لك اليوم أن تبكى.. بل أن تفرحى وتفخرى..
فكمال.. أوفى بعهده لله.. ولك..
كمال ماهز قلبه جبروت الغزاة ولكن.. هزه حبك
وداعا يا همسة.. فقد هزمتنى
نهضت همسة رافعة حجر الشيح بيدها وصاحت بصوت هز الأرض وأبكى السماء..

فديتك بروحى.. وسأفديك بدمي
لبيك لبيك يـا وطنى
بالروح بالدم نفديك يا عراق

وهنا كانت الولادة..


مشاركة منتدى

أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى