الاثنين ٢٢ حزيران (يونيو) ٢٠٠٩
بقلم أحمد أبو سليم

مزمور لداود

لِداودَ مَزمورُ مَوتٍ
إمامُ الغِناءِ
وَهُدنَةُ جُرحٍ
لِنَرتِقَ ما قَد أَضاءَ الحَليبُ بِأَجسادِنا
مُنذُ فَتحٍ
لِنَغسِلَ أَسماءَنا مِن غُبارِ الحَديدِ
وَأَضغاثِ رُمحٍ
وَعِريِ الزُّجاجِ الَّذي كانَ يَفضَحُ فينا
حُدودَ الجَسَدْ
لِداودَ ما كانَ هذا البَلَدْ
فَكيفَ أَضاعَت بَقايا المَدينَةِ تَحتَ الرُّكامِ :
رُفاةَ العِظامِ
وَأَشلاءَنا
وَالفِطامَ
وَميقاتَنا
وَالمَدينَةَ يَثرِبَ
وَالغارَ
والدّارَ
وَالعادِياتِ
وَجُرحاً يُجَلِّلُ هذا الأَبَدْ؟
لِداودَ ما كانَ هذا البَلَدْ
كُراتُ الدِّماءِ الَّتي كَرَّسَت مُنذُ سِتّينَ حَرباً
بَياضَ دِمائي
وَسِتّينَ مَوتاً
غَداةَ انكِسارِ الظِّلالِ عَلى حِكمَةٍ أَنكَرَتني
سَنابِلُ كَفّي الَّتي أُحرِقَت في الخَفاءِ
شَظايا المَرايا الَّتي قَسَّمَت قَوسَ وَجهي زَوايا
وَأَحمَدُ – بَعضُ انكِسارِ الهَديلِ –
قَتيلٌ إذا الشَّمسُ مالَت يَميلُ عَليَّ
نَزيفاً يُلاحِقُ أَشتالَ زَهرِ البَنَفسَجِ في جَسَدي
كُلُّها أَنكَرَتني!
أَنا لَستُ أَحمَدَ
لَستُ التُّرابَ الَّذي كانَ يَشرَبُ في الصَّمتِ
دَمعَ الرِّجالِ وَراءَ الجَنازَةِ
لَستُ الخَرابَ الَّذي كانَ يُزهِرُ في المَوتِ
بَعدَ انفِجارِ القِيامَةِ
لَستُ المَسيحَ عَلى سُلَّمٍ مِن حَديدِ الصَّليبِ
لأَصعَدَ نَحوَ التِقاءِ المَكانِ بِجَذرِ الزَّمانِ
وَأَغسِلَ جُرحي مِنَ الرِّجسِ وَاليَأسِ
لَستُ أَنا ذلِكَ المُستَعارَ مِنَ الظِلِّ حيناً
وَحيناً مِنَ الشَّمسِ
كَيفَ إذَن أَلمَسُ اليَومَ جُرحي بإصبَعِ كَفّي؟
وَكيفَ إذَن لا أُصَدِّقُ أَنّي
أَضَعتُ الحَقيقَةَ في سَيلِ نَزفي؟
وَكيفَ أُصَدِّقُ تاريخَ جُرحي الَّذي
كَتَبَتهُ يَداكَ بِدَمعي
عَلى عَظمِ ضِرسي؟
وَكيفَ أَرُدُّ الحَكايا الَّتي راوَدَت شاهِدَينِ
عَن امرَأَةٍ يَومَ زَحفي؟
وَكيفَ أُصَدِّقُ أَنَّ المَدينَةَ يَثرِبَ
قَد قايَضَت بالرَّغيفِ جَدائِلَها بَعدَ سَيفي؟
وَكيفَ أُصَدِّقُ نوحاً وَطوفانَ ماءٍ
وَلوطاً، وَموسى، وَيوسُفَ؟
كَيفَ أُصَدِّقُ أَنَّ البِلادَ الَّتي لَم تَبِعني زَبَدْ؟
وَأَنَّ لِداودَ هذا البَلَدْ؟
وَما كانَ يَوماً عَلامَةَ عِتقي
وما كانَت الأَرضُ غَيرَ ابتِهالٍ
يُؤَلِّفُ بَينَ السَّماءِ وَبَيني
وَما كُنتُ إلاّ هَديلَ الحَمامِ عَلى ساعِدينِ
وَرَجعَ الكَلامِ عَلى ضِفَّتينِ
وَحُزنَ المُحارِبِ بَينَ اشتِباكينِ
وَقعَ التَّرَدُّدِ
هَمسَ التَّشَهُّدِ
عِريَ الفَريسَةِ بَينَ صَلاتينِ
كَيفَ إذَن سَأُصَدِّقُ أَنَّ المَسافَةَ
ما بَينَ صَمتي وَصَمتي بِلادٌ بِقَرنينِ؟
أَنَّ بِوُسعِيَ أَن أَستَميحَ الضَّحيَّةَ عُذري
وَأُعلِنَ حُزنَ الظِباءِ
وَأَشرَبَ نَخبَ السَّبيَّةِ أُمّي بِكَفيَّ
دونَ الرُّجوعَ إلى ضِلعِ آدَمَ يَوماً
وَدِرعٍ لِداودَ
مِن زَرَدٍ يَلبَسُ العَظمَ مِثلَ اللُّحاءِ؟
وَسِبطٍ
مَضى بَينَ مَوتٍ وَموتٍ
وَفي كَفِّهِ حُزمَةٌ مِن دِمائي؟
.........................
........................
.......................
عُواءٌ
وَلَم يَبقَ غَيرُ الثُّغاءِ
وَعُكّازُ داودَ إرثٌ
يَدُقُّ المَدينَةَ باباً فَباباً
فَلا تَستَجيبُ سِوى لَعنَةٍ من سُحاقِ دِمائي
مَعَ الرُّوحِ وَقفِ الجَسَدْ
وَهذا البَلَدْ!
لِداودَ ما كانَ هذا البَلَدْ؟
لِداودَ ما كانَ هذا البَلَدْ؟

أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى