الأحد ١٣ حزيران (يونيو) ٢٠١٠
بقلم محمد أربوز

معركة غزة

الجبهة، ياه، المسافة بعيدة بعيدة، على الرغم من ذلك تبدو وكأنها حدثت البارحة..

السنة 2020 ..

الخلاف عن منابع الماء يحتدم في الشرق الأوسط، الفضائيات تعلن:

- الطيران الإسرائيلي يقصف مطارات سوريا ولبنان ، الدفاع الجوي للبلدين يتصدى للعدوان الغاشم..

الحلف الإسلامي يعقد اجتماعا طارئا في الرياض.. صواريخ "صمود" البعيدة المدى تدك تل أبيب.. الحرب تتسع رقعتها..

تابعت الأنباء بشغف شديد .. لم أصدق أول الأمر الأحداث.. الاحتمال البعيد يقع فعلا .. كان يبدو لي مستحيلا.. الهدوء خيم على المنطقة لسنين، وها هي الحرب تعلن.. لم أفكر طويلا .. وقعت طلب إجازة مفتوحة بدون أجر.. أسرعت إلى مكاتب التطوع، وسجلت نفسي.. قلت أنها فرصة العمر.. أبواب الجنة مفتوحة في فلسطين لن أتركها تغلق دوني..

أعلنت قراري لزوجتي، والفرح يحث الدمع على السير قدما فوق وجنتي..

لم تصدق .. الصدمة كانت رهيبة .. احتجت:

- وماذا عني وعن الأولاد؟

- سيرعاكم والدي ويسهر على تلبية حاجياتكم .. المال في البنك، الرصيد يضمن لكم عيشة محترمة.. والمحل دخله ثابت كل شهر .. اطمئني فكرت في كل شيء ..

فقالت، والدموع تتحير في مقلتيها:

لا اقصد ذلك ..لا أقصد!

واستسلمت للبكاء .. أخذتها بالأحضان ، وقلت بعد أن طبعت على جبهتها قبلة:

إنه الواجب يا سعدى ، أنت تعلمين مسبقا أن الجهاد في سبيل الله أكبر أمنياتي..

فنظرت إلي في صمت .. عيناها في ألم تخبرني أن الوداع صعب.. بدوري سكتت.. لم أجد كيف أقنعها .. المشاعر المقشعرة شلت لساني..

قالت، وهي تفك نفسها من ذراعي ، وتبتعد متنهنهة:

- كان يكفيك دفع تبرعات لتنال أجر الجهاد، غير أن الغاية أكبر من ذلك..

- ماذا تقصدين؟

الكلمات اختنقت في حنجرتها، ولم تبس بها إلا يشق الأنفس:

انصرف حالا .. حالا..

قلت بحنق:

- سعدى..

فقالت دون أن تنظر إلي:

سئمتني يا حامد.. قلبي كان يخبرني بذلك..

لم تتمالك نفسها وركضت إلى غرفتها.. أغلقت الباب وانتحبت طويلا..

في المساء، حط الصمت أثقاله.. العشاء مر إلى المعدة بعسر.. الأولاد لم يفهموا سبب هذا المزاج الملبد.. اكتفوا بمواكبة الحالة.. لم يستفسروا.. ناموا ليلتها مبكرا.. لم أعثر على وسيلة تقنعها بقراري.. دائما كنت حريصا على موافقتها، إلا أن الأمر هذه المرة كان نهائيا.. كلمتها بكل حنان.. قلت لها أن الجهاد فرض عين الآن، وأن الموت في سبيل الله حياة أبدية.. لم ترد، اكتفت بصدي بظهرها .. وحده كان يبادلني الحضور في هذه الليلة الطويلة.. قالت بعد صمت:

- سعادتي يا حامد تمكن حينما أكون معك، وليس بعيدا عنك.. أنا هنا وأنت في الخندق تواجه الموت.. ثم تململت وتوسدت صدري ودموعها مطر يسقي شعري:

- سأدعو الله أن يعيدك إلينا سالما ..

والتحقت بمعسكر التدريب، ثم حط الرحال بنا بعد صبر ومشقة في الخنادق الأمامية، حيث الجحيم.. منذ ثلاثة أيام ومعركة غزة تدور رحاها.. تقدمنا مستمر على الرغم من الخسائر البشرية والآلية المعتبرة. لم يعد يفصلنا عن تحرير المنطقة سوى خطين دفاعيين من الخنادق و سواتر الخرسانة ذات العشرة أمتار سمكا الممتدة على طول خط المواجهة بحاميتها الآلية المدججة بأحدث الأسلحة..

اجتياز الخندق تم بصعوبة، وها نحن على بعد كيلومترات من الساتر الأمامي الشامخ كأسوار طروادة.. منذ أكثر من نصف ساعة ونحن منتشرين في حالة تأهب قصوى خلف حزام من الدبابات والمدرعات الصاروخية نتابعها وهي تقض مضاجع العدو، وتدك سوره .. مرهفين السمع لسماعات خوذنا في انتظار التعليمات بأعين يقظة وأعصاب متفوزة و إصبع على الزناد..

الثواني تمر ثقيلة رهيبة في هذا الليل العبوس المبلل بالندى الجليدي .. التوتر الذي يسبق أي هجوم يصول بداخلي بلا رحمة.. المسافة تبدو بعيدة، والمعركة شرسة..تمالكت نفسي، ورحت أكرر سورة التوبة، وأردد بخشوع لعله و عساه قوله تعلى: "فقاتلوا أئمة الكفر أنهم لا أيمان لهم لعلهم ينتهون، ألا تقاتلوا قوما نكتوا أيمانهم، وهموا بإخراج الرسول وهم بدؤوكم أول مرة، أتخشونهم، فالله أحق أن تخشوه إن كنتم مؤمنين، قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم، ويخزهم، وينصركم عليهم ويشف صدور قوم مؤمنين ويذهب غيظ قلوبهم ويتوب الله على من يشاء، والله عليم حكيم".

قلت بصوت خافت:

- الصهاينة احتلوا أرضنا، ساموا شعبنا الخسف، نقضوا اتفاقيات السلام حتى طفح الكيل..

فقال طارق المتواجد بيميني في حفرة الوقاية:

- سندفعهم الثمن غال.. الشهادة ولا الذال..

فقلت:

- المسلمون استفاقوا من غفلتهم أخيرا، عادت إليهم نخوتهم ، وسكتت قليلا وأضفت، الحمد لله أني هنا.. الشهادة بعد التوبة يا أخي يا طارق هذا ما ارجوه جميعا..

قال حسام الله بيساري:

- هذا ما نرجوه جميعا.

قال طارق:

- هذه المرة لن نتراجع عن الجهاد إلا و أرض فلسطين حرة .. لن توقفنا مفاوضات الأمم المتحدة ولا قرارات مجلس الأمن اللعين..

هدير طائراتنا المقاتلة يزلزل السمع .. قنابلها الانشطارية تتساقط مع الغيث خلف وعلى السور.. الانفجارات تدوي.. النار والشرر يتوهجان في كل مكان.. أزيز العيارات يقرع أقطار السماء.. تستيقظ الثواني و يبدأ العدد التنازلي في هذا الزمن المرصود بالرماد والجماجم، بالموت..

صوت قائد كتيبتنا يهتف:

- أسمعوا يا رجال، الأوامر صدرت ، مهمتنا مهاجمة الباب الشرقي والتوغل لتفجير بطاريات الصواريخ ومدافع الليزر..

التكبير يتعالى .. الوجع في معدتي يوغز بشدة .. قشعريرة شائكة تتسلقني .. الله أكبر تدوي من فمي كالزئير مثبتة خطواتي السريعة..

الكل يندفع كالأمواج العاتية.. تتقدمنا المدرعات والدبابات و الانفجارات المولولة ترج الأرض تحتنا رجا .. أزيز الرصاص لحن هستيري يعزف من كل صوب.. الطحان يشتد في الجناح الأيسر .. الدبابات تكشف حقل ألغام أمامنا.. إنها تتقدم كاسحة مخلفة حفرا ودخان.. قذائف العدو تحط على بعد أمتار حولنا ناثرة جثثا مفحمة..

البرج الشرقي عاد على بعد أمتار .. مرابض نيران العدو قبل السور تتكشف .. النار تفتح علينا من فوق وتحت .. انبطحنا أرضا تفاديا للإصابة المباشرة..

طارق يهتف:

- مدمر آلي باليمين..

تطلعت حيث أشار، فإذا بي ألمحه، يثب من مربضه، ويتقدم بسرعة وبيديه مدفع مزدوج وقاذفة صواريخ تبزق ذخيرتها.. غمغم القائد من بعيد :

- ماذا تفعل يا محمود فجره بسرعة .. بسرعة..

فأومأ محمود المتمترس في حفرة الوقاية خلفي، مسددا مدفعه الصاروخي، وأطلق النار .. تفاجأ الآلي بالصاروخ يتجه نحوه كالوميض حاول تفاديه غير أن الإصابة كانت مباشرة.. زمجر دوي هائل هاتكا نوره ستر الليل المبلل..

الهدف دمر.. قال محمود بمرح.

أشار إلينا القائد بالتوغل تحمينا رشاشات الدبابة قدامنا ومدفعها .. غير أن سرابا من البعوض الآلي على علينا من فوق مربكا صفوفنا .. أنه لعنة تهاجم الرقاب بإبرها السامة محدثة للمقاتل شللا فوريا، وموتا بسكتة قلبية.. آخر عهدي به كان قبل ثلاثة أيام، حين هاجمنا الخندق، يومها كان دفاعنا الوحيد مدرعة المضادة له، وللأسف دمرت البارحة..

القائد يصيح :

- احتموا بالترس الإشعاعي .. أسرعوا..

اضطراب شديد اجتاحنا، العيارات النارية تعالت في السماء وفي كل اتجاه، ولولا تعليمات القائد لهلك منا الكثير ..صيحات المصابين تعالت من كل الجهات .. المفاجأة فعلت فعلتها..

ضغطت زر الواقي المثبت في صدريتي في الوقت المناسب وانبطحت محاط بحقل شعاعي. وكلما هاجمتني بعوضة انفجرت بمجرد ملامستها للحقل.. مكثنا في مواقعنا لفترة، حتى تم إبعاد خطر البعوض نهائيا ولم يبق لنا غير التقدم في عمق النار.. الدبابة تدك الصور، والمدرعة تتصدى للمدافعين.. القتلى يتساقطون من الجانبيين..

الضابط يهتف ، يستشير قيادة العمليات، قسماته تنقبض، يكتفي بهز رأسه و إعلان الانصياع للأوامر.. توقف الاتصال.. الضابط يهتف:

الله أكبر.. المدد سيصل قريبا .. استمروا في التقدم..

التهليلات تعالت حتى بين المصابين.. خفقان قلبي أعلن استعداده.. ارتعاشة لذيذة كهربت جلدي.. الفرحة غزت شعوري، وطفحت خارجه.. لم أشعر بالدمع إلا وهو يبلل وجنتاي المكتحلتين .. ضغطت زر إزالة الترس.. شددت قبضتي على رشاشي وصحت:

- الله أكبر ..النصر أو الشهادة..

الكل كان يدرك صعوبة المهمة، وتكلفتها الباهظة، إلا أن الحماس كان فوق كل الاحتمالات.. فجوة عميقة تفتح في السور، نقطة عبور أخرى، الدبابة تصاحبها المدرعة يتقدمان، ونحن خلفهما..قذيفة حارقة تدك موضع جنود العدو قبل السور.. الأشلاء تتبعثر في المساحة.. النار تلتهم موقعنا .. عويل المصابين يتكرر. المطر ينهمر بقوة محولا أرض المعركة إلى وحل لزج.. الدبابة تتقدم داخل الفجوة فاتحة نارها .. المدرعة تبقى خارجا مع مجموعة من الجنود بينما تابعنا تقدمنا في حذر خلف الدبابة.. الضابط يعلن:

- أمامنا خندق صغير يتموقع خلفه جدار أكياس رمل .. وغير بعيد عنه دبابة محطمة ومدرعات مصابة.. المكيدة محتملة و الكمائن أكيدة..

الدبابة تجتاز الخندق .. القائد وأربعة جنود يتوغلون داخل الموقع بكل سهولة .. قذيفة تحط أثقالها في مخرج الفجوة، انفجارها يرمينا أرضا .. غير أن أحدا لم يوصب..

- هذه المرة يا حامد ستلقى حتفك .. لن تفيدك مراوغاتك في تفاد رصاص الموت.. هدفك في الاستشهاد فوق ثرى القدس تبخر.. المواجهة هذه المرة أشرس، واجتياز الساتر لن يتم بسهولة كما كنت تحسب. العد أعد العدة وحصن نفسه جيدا، رشاشك لن يحميك .. قلت في نفسي..

جرس محمود الرنان د ق مسمعي بعنف:

- تحرك يا حامد .. أسرع..

وثبت هاتفا بجرس خافت:

- اليوم يومك يا بطل .. اليوم يومك..

واندفعت ملتهما رشاشي . يتقدمني محمود ويتبعني حسام الله. انكفأنا يسارا مبتعدين عن الدبابة بأقصى سرعة.. انفجار ثاني قريبا لعلع خلفنا، وقذفنا داخل الخندق .. صاروخ موجه اخترق الدبابة، أحالها في ثوان إلى قطع غيار محترقة.. تململت وقد غطاني الوحل المتطاير .. رفعت رأسي متطلعا خلفي إلى النار المتقدة .. تناهى إلى مسمعي أنين قريب .. نظرت إلى مصدره .. إذ بحسام الله جالس يسند ظهره بجدار الخندق المترب متألما وبقربه محمود يقوم بإسعافه.. زحفت نحوهما داعيا الله في سري آن لا تكون إصابته بالغة.. قال حسام الله بتوجع:

- اللغة، بطني يلتهب..

- تحمل ، الإصابة بسيطة. قال محمود محاولا خلع الشظية الحديدة المنغرسة في أمعاء حسام الله.

- فقال حسام الله:

- أين الطبيب؟ أين الطبيب؟

قلت:

- إنه قادم ، تحمل .. أنه قادم..

وصحت بأعلى صوتي في هاتف الخوذة:

يا طبيب.. هنا إصابة..

غير أن أحدا لم يرد، ولم يقبل.. بجهد جهيد خلع محمود الشظية، وأخرج خنجره، ومزق البذلة في موضع الإصابة .. في حياتي لم أر دما نازفا بمثل هذه الغزارة، ولا جرحا غائرا بهذا الشكل.. الأنين توقف ، حلت مكانه حشرجة وعسر في التنفس.. عيناه تعالت خلف جفنية، وهمد..

- أنه يغادر ..قلت بحسرة. بينما محمود بانفعال محموم، وبكل ما أوتي من معرفة طبية خفق بنعشه ويحفزه على المقاومة .. إلا أن حسام الله رحل إلى الأبد..

- لا فائدة يا محمود .. حسام الله التحق بالرفيق الأعلى .. قلت وكفي اليمنى تضغط على كتفه..

أغمض محمود عيناي حسام الله؟، وقال بحسرة:

هنيئا لك بالشهادة يا أخي .. هنيئا لك ..

الصمت ران بهيبته على الرغم من الضجيج العاصف خارج الخندق..

الضابط يهتف بغضب:

ماذا تفعلان هناك؟ هيا تحركا وخلصانا من الآلي اللعين..

حمل محمود قذيفته، وقال:

- أين هذا اللعين يا حامد؟ شغلت الماسح الإلكتروني وإشارته تحدد تقدم جسم باليسار و تمترس أربعة أنفس خلف حطام دبابة في الأمام:

- معدن متحرك أربع درجات إلى اليسار. سجل محمود المعلومات في ذاكرة الصاروخ وارتفع مطلقا النار ثم عاد إلى وضعيته وانفجار يرعد السمع.. نظرت في المستطلع الإلكتروني لأتحقق من الهدف ثم قلت:

- إصابة جيدة..

غير أن وابلا من الرصاص حط فوقنا قادما من الأمام تبعه دوي هز موضع القائد ومن معه ..هتفت:

- أيها الضابط.. أجب.. أجب..

غير أن الرد لم يسمع .. وكررت العبارة ، إلا أن الصمت كان الجواب الوحيد .. حينها قال محمود وهو يندفع في الخندق :

- استشهدوا جميعا ..علينا بمواصلة التقدم..

تبعه دون كلام بأعصاب متفوزة وعيني لا تبرح الماسح..صوت الانفجارات وأزيز الرشاشات يرج الأرض والمساء .. لم نعد نعلم موقعنا من كتيبتنا ..وحدها التهليلات البعيدة خلفنا تخبرنا أننا لسنا بمفردنا داخل الحصن، مأوى الدمار والموت.. توقف محمود عن الركض.. أطل على الخارج بحذر.. التفت نحوي ، وقال بلهاث:

الدخان يحجب الرؤية .. شغل المستطلع الإلكتروني .. سنتقدم خارج الخندق:

شغلته، وقلت بإعياء:

- حطام مدرعة أمامنا مباشرة، بجانبه الأيسر جدار من أكياس الرمل .. خلفهما بطارية صواريخ.. ومباني مشتعلة.

- وماذا عن العدو؟ لا شيء

- إنها اللحظة السانحة.. لنتقدم إذن..

قفزنا خارج الخندق وأسرعنا نحو حطام المدرعة.. الرؤية رديئة بسبب الدخان الكثيف والظلام .. ولولا خوذنا بنظاراتها الخاصة لما استطعنا الغوص إلى العمق.. أندس محمود خلف المدرعة، بينما ارتميت محتميا بجدار أكياس الرمل..

الطحان في النواحي الأخرى شديد .. انفجارات ، وميض الرشاشات، و هدير المدرعات وكركرة الدبابات تشكل لوحة سوداوية للحاضر.. مروحيات العدو تحلق على ارتفاعات عالية قاصفة كل ما يتحرك.. الصواريخ المضادة تلاحقها فلا تتركها إلا حطاما مشتعلا.. زمن التفوق الجوي ذهب مع الريح..

تفقد محمود العراء، اغتنم فرصة خلوه، وزحف نحو البطارية، و تدحرج داخل حفرة شكلها انفجار قذيفة .. تبعته و قفزت خلفه.. كان منهكا جدا.. تمدد في الوحل يلهث .. سحب الماء من شدته الميدانية .. رفع قناع الخوذة ..وعب منها قليلا .. وقال بإعياء مقدما لي الماء :

- قواي بدأت تخونني .. التعب نال مني هذه المرة ..

شربت ما تبقى، وقلت:

- تبدو لي هذه الليلة أطول ليلة في التاريخ .. أتساءل أين المدد؟

- لا ادري ؟ أحسب أن الجميع هلك ..

فقلت، وقد ارتفعت قليلا متفقدا جبهة الفجوة..

- ما يمكنني أن أجزم به أن الكتائب الأخرى نجحت في اقتحام السور..

فقال:

- هل ننتظر المدد أم نواصل تقدمنا ؟

فقلت متفحصا الأمام المبلل:

- نواصل الزحف .. مهمتنا لم تنته بعد .. البطارية ما زالت قائمة .. والحرب يا عزيزي لا تزال في بدايتها..

صوت كركرة معروفة تناهى من اليمين .. التفتت بتفوز.. فإذا بمدمر آلي غير بعيد يزرع لغما موقوتا في حطام مدرعة، قلت:

- اللعين يفخخ المكان..

قام محمود، ونظر إلى الآلي ، وقال:

- سأذيقه عذاب الخزي.. الجبناء لا يحاربون إلا بالآليين ..

تناول قاذفة الصواريخ ، حشها غير أن المؤشر أشار إلى نفاذ الذخيرة، امتعض محمود وزمجر:

- اللعنة ..نفذت في هذا الوقت العسير..

- سأهتم به .. واصل أنت المهمة..

نزعت كيس المتفجرات من شدتي، وقدمته له، وقد تحير الدمع في مقلتيه:

- لا تتهور .. المعركة في بدايتها .. لا أريد فقدك الآن..

- لا تخف .. سأنال منه قبل أن يرتد إليه طرفه ..

ربت على كتفي .. تبادلنا النظريات لفترة وكأننا في وداع ..انتفض، وأسرع زاحفا نحو البطارية..

ترصدت العدو الآلي .. حينما صار داخل المرمى جلبت عليه مهللا ، تنهب قدماي الوحل، و رشاشي يغرز قذائفه المتتالية رامية به أرضا.. تقدمت نحوه وكلي حذر وعزم على تحويله إلى قطع غيار مهشمة .. لما عدت على بعد أمتار منه قفزت يمينا في حركة تشقلبية بحيث وقفت بعيدا عن هيكله المثقوب.. لم يتحرك .. النار اشتعلت في جذعه، وشرارات كهربائية توهجت في دماغه المشقق..

بحذر شديد تقدمت نحوه لأتحقق من دماره .. حينما عدت على بعد خطوات، أدار رأسه نحوي، وحدق في .. لم أتردد، وبسرعة طارئة ضغطت على الزناد .. وإذا بانفجار عنيف يتلقفني ويقذفني بعنف رهيب بعيدا داخل فوهة دامسة..

المكان من حولي تواري بأشيائه خلف الظلام .. الأصوات فقدت ذبذباتها وتلاشت.. لم أعد أتألم .. الوجع المفترس انسحب مع الصدى .. راحة لذيذة مدخورة خفقت تنداح في تفاصيلي .. تعيد رسم خريطتي .. وجوه وسيمة تتلألأ إشراقا في بزة ناصعة البياض وعطر أزكى من المسك رفعت ستائر الظلام وحلت فوق رأسي وعند رجلاي، تمد أياديها نحوي هاتفه بأطرب مزمار:

- "أيتها النفس المطمئنة ارجعي إلى ربك راضية مرضية".

إنه النداء المقدس الذي طالما حلمت به و تمنيته ، أسمعه الآن خارجا عذبا حنونا من تلك الشفاه الطيبة..

رعشة ساخنة أرعدتني، كهربت أدق عصب في كياني .. آلام تشبه النشوة غرزت مخاطفها في بدني .. معلنة أن الطريق انتهى ههنا .. اخترق الدوامة المتاهة، اجتاز أخيرا منعرجات الضباب، وأغوص في الزرقة، في ألوان قوس قزح الفاتحة المزدهر. استوطنني الاخضرار، أجلسني في قمة الارتواء حيث الخصب الدائم .. وهبني نعمة العشق المتجدد، وكنوز الانبهار المستحب ..حضوري استحال غياب مستمر للمرارة، للصقيع، عودة اضطرارية لحرارة العصافير .. الخيبة انتحرت، وذابت في العدم .. النور لحافي، خيوطه تتسلقني منعشة، مزغردة، مبتهجة.. نم يا حامد، نم نومة العروس، نم مطمئنا، فقد نلت الرحمة والرضا واهتف وداعا أيها الألم ..¹

¹- مقتطف من قصة – نسائم المسك -.


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى