السبت ٢٦ كانون الثاني (يناير) ٢٠١٣
بقلم عيسى حديبي

مع الشاعر والمترجم بشير مفتاح

أوَّلُ عهدٍ له بالحرفِ، كان في الكتَّاب، أين تعلم القرآن الكريم على اللوح مرتين، و حفظ بعض المتون (متن ابن عاشر، ومتن الأجرومية...) التي كان الشيخ يكتب له جزءا منها في أسفل اللوح مع كل نص قرآني.

في المدرسة الابتدائية تعرف على اللغة الفرنسية، لكن بدايته كانت بلغـة الضاد، فقرض الشعر وفي ذلك قال:

الشِّعْـرُ في زَمَـنِ الصِّـبَا صَـادَفْـتُـهُ
فَـعَـرَفْـتُ فِـيـهِ مَـواقِـعَ الأوْزانِِ
مَا كُنْتُ أعْرفُ ما العَـروضُ وإنَّمَا
شَـرِبـتْ أحاسِـيسِي مِنَ الـقُـرآنِِ
فَطَـفِـقْـتُ أسْـبحُ في مـِيَاهِ مُحـيطِهِ
مَا ضايـقَـتْـني مَـعالـمُ الشُّــطْـآنِِ
يَـئِـسَـتْ شَياطينُ القَـريـضِ لأنَّني مَا
احتَجْتُ في شِعري إلى شَيْطانِِ
وتَـعَــوَّذَتْ نـفْـسي بِـخالـقِـها، فـَقَـد
مُـلِـئَـتْ بِـنُـورِ الـحَـقِّ والإيـمَانِِ

هذا، ولم يبدأ الكتابـة الشعرية بـلغة موليير إلا في المرحلة الثانويـة بدار المعلمين L’école normale آنذاك والتي تم منها تخرجه معلما للغـة الفرنسية.

داخل القصيدة:

في موسيقى شعره، لمسات فنان تشكيلي، تسافر به الكلمة على نتوءات اللوحة.

ذِي بُـوسَــعَـادَا إذاَ لَـمْ تَـدْرِ قِـيمَـتَـهَا
فَاسْأَلْ ذَوِي الفـنِّ مِمَّنْ حُـبَّـهَا وُهِــبُوا
وَاسْـمَعْ، تَـذَوَّقْ وَفَكِّرْ حِـيـنَ رُؤْيَـتِـهَا
تَسْتَخْلِصِ السِّحْرَ مِـمَّا تَـجْهَلُ ا لكُتُبُ

ينحت بطين الحروف جملاً تزاوجت فيها كل أنواع الانكسار مع لحظة الحلم وتلك الخيبة، التي تؤسس للاستمرار وجسر التواصل مع الآخر، برسالة المحبة والوفاء للغة والموضوع، مع رسمٍ للجمال بشكل مختلف سهل ممتنع.

إذَا دَخَــلَ الإيـــمَـانُ بَــيْـتًـا رَأيـْـتـَـهُ
يُـعَمَّرُ بِالْـحُسْنَى وَمِنْ سَـوْءَةٍ يَـخْـلُـو
وَتَـنْأى فِـعَالُ الشَّـرِّ عَـنْـهُ فَـلَمْ يَـعِـشْ
بِـسَاحَـتِـهِ الغــرّاءِ حِـقْـدٌ وَلاَ بُـخْـلُ

الشاعر بشير مفتاح وفلاش من لحظات تأمله في خلوته وتصوفه:

بالمناسبة زيادة عن ثقافته الدينية هو شغوف منذ زمن بالفلسفة الآسيوية وما فيها من فنون حربية وتأملات فلسفية، ولم يبخل على نفسه من رياضتها الروحية والجسدية.

في قصيدة "تضرعات وأذكار" مزج بين سؤال الحياة وانجذاب المخلوق تجاه الخالق بالوحدانية فكتب:

إنَّ ذِكْرَاللَّهِ صِدْقُ الْمَنْطِقِ
أكْثِرِالنُّطْقَ بِهِ لاَ تُشْفِقِ
(...)
سَبِّحْ اسْمَ المبدعِ الأعْلَى الذِي
لِسِوَى السَّعْيِ لَهُ لَمْ نُخْلَقِ
تُبْتُ لِلَّهِ بِرُوحِ الْمُتَّقِي
وَبِقَلْبٍ لِلْهُدَى مُعْتَنِقِ
لَيْسَ مَا بَيْني وَسُلْطَانِ الهوَى
في مَوَاعِيدِ اللِّقَا مِنْ مَوْثِقِ
(...)
أَوَلَيْسَ الْمَرْءُ يجْني مَا نَوَى
أوَلمْ يَسْرِ الرِّضَا لِلْمُتَّقِي!؟

ولم ينس الحديث عن الصراع بين الخير والشر، فراح يكتب قصيدة "ثقافة السلم" أين تزاوجت عطور المحبة، داخل موسيقى شعره، فراح يقول في مطلعها:

ثَقَافَةُ السِّلْمِ في اللاعُنْفِ تَزْدَهِرُ
وبالإخَا والرِّضَا واللُّطفِ تَنْتَشِرُ
(...)
فالخَيْرُ للنَّفْسِ تِرياقٌ سَحَائبُهُ
بِالحِلْمِ تُشْحَنُ شَحْنًا ثُمَّ تَنْهَمِرُ
والشَّرُّ دَاءٌ يُصِيبُ القلْبَ عَلْقَمُهُ
إذا بِهِ لأقلِّ النَّفْعِ يَفْتَقِرُ

وعن حرية التعبير قال بشير مفتاح:

قدر الرسول مكرم صرف نظيفْْ
هيهات منه يقلل الرسم السخيف
لكنَّ من لم يحترمْ حِسَّ غيرهِ
يندمْ ويكشفْ أنه فعلا ضعيفْ
حرية التعبير حق، إنما
بالخير في فعل وفي عمل شريف
حرية لا تجلب الفوضى ولا
تؤَذي المشاعر، جوها دفء لطيف
حرية مسؤولة عن فعلها
والحُرُّ فيها لا يخافُ ولا يخيف

وفي البعد الإنساني برموزه الكبرى راح يطير في سماء قصيدته "الشمس للجميع" ومضى يقول:

تُضِيئُ الشَّمْسُ كُلَّ النَّاسْ
وَتَعْنِي مَجْمَعَ الأجْنَاسْ
فَلاَ فَرْقٌ وَلاَ مَنٌّ
يُجَارِي شُعْلَةَ النِّبْرَاسْ

وحتى الحِرف التقليدية، تلك الأعمال التي تتم بعرق اليد، فترسمها روح مبدعها. هي لا تقل أهمية في التعريف عن هوية الجماعات والأقليات والشعوب، محافظة على جزء كبير من تراثها و موروثها.

الشاعر بشبر مفتاح لم يهمل هذا الجانب، فكتب عنها في قصيدة "الحرف التقليدية":

حِرفٌ تَوارثَها العباد فأبْدَعُوا
في صُنْع ما يَهَبُ الجَمَالَ ويَنْفَعُ
مَعَها تَسامَى الذّوْقُ واعْتَلَتِ الرّؤَى
قِمَمَ الصّفَا مِنْ فَوْقها تَتَطلعُ

حديث اللقاء:

لو تكلمنا عن القصيدة العمودية، هل يمكن تحديثها؟ أم أن دورها قد انتهى كون قصيدة التفعيلة والنثر انتصرت للرمز والفكر؟

يتمتع كل إنسان بطاقة شعورية معتبرة، ولكن وسائل التعبير عنها لنقلها إلى الآخر تختلف باختلاف المواهب والأذواق والأهداف. والقارئ لهذه المشاعر يحتاج إليها جميعا، حتى في النوع الواحد من الفنون. فإذا أخذنا فن الرسم، على سبيل المثال، فأنت تقف أمام لوحة سريالية فتسرح فيها هنيهة وكأنك تسبر أغوارها وتحل رموزها. وتقف أمام لوحة انطباعية فتغمرك أضواؤها فيجري خيالك خلف أشيائها وتتوثب مشاعرك عبر أنحائها. وتقف أمام لوحة واقعية فتكاد تحدثك أشخاصها وتوشك أن تقطف أزهارها وثمارها... وهذا ينطبق على الشعر أيضا.

_ الترجمة الأدبية والتي هي من أصعب الترجمات، كيف تراها موفقة؟ وهل يمكن وضع مثال من ترجمة لك، توضيحا للدقة التي يتوخاها المبدع عند الترجمة؟

الترجمة عملية حساسة تقتضي من المقبل عليها أن يكون:

- ملما باللغتين (المنقول منها والمنقول إليها)

- ملما بالشيء الكثير عن النص وعن صاحبه

- مدركا تمام الإدراك للنص، قلبا وقالبا، هاضما أفكاره ومغزاه.

- قادرا على تقمص شخصية صاحب النص أثناء عملية الترجمة.

هذا، ولا يحق لأحد، مهما كان الأمر، أن يتصرف في نقل أفكار غيره، إنها أمانة ويجب عليه أن يكون وفيا وأمينا في الحفاظ عليها.

فأنا أتوخى الحذر والدقة في معاني النص ومبانيه، وأعيش الحالة النفسية التي يقتضيها. أما إذا تعلق الأمر بنص لي، كتبته بلغة ثم خطرت لي كتابته بلغة أخرى، فالطريقة تختلف؛ إذ أطلق العنان لفكري وأخرج فكرتي، وإليك مثال عن ذلك:

كنت قد تحدثت عن الضمير يوما فقلت:

Ecoute bien ta conscience
Agis selon ce qu’elle dit,
Elle est la porte du bon sens
Fermée à tous les interdits.

وبعد مدة أردت الحديث عن الضمير بالعربية فقلت:

اسأل ضميرك وافعل ما يشير به
إن الضمير دليل الخير في الناس
واملأ فؤادك بالذكر الجميل تنل
رضا النفوس التي ترقى بإحساس

_في كتابتك للقصيدة بالفرنسية، هل تبقى اللغة مجرد أداة للتعبير والإشارة؟ أم أن قصيدة ما تختار ثوبها باللغة التي تشاء هي، دون أن تأخذ إذنا من الشاعر، في حين يحتفظ هو بروحها الشعرية، وتلتزم هي بالوفاء، للحالة السيكولوجية التي أراد شرحها، حتى توافق بيئة معينة تجعل الشاعر يتجه صوب اللغة المناسبة؟

لغة القصيدة يفرضها القصدُ، والفئة المقصودة. فلغة الأم عند المتلقي هي الأقرب إليه من حبل الوريد، ولهذا يكون الاتصال به عبرها أليق وأريح وأوضح...وهذا ما جعل كل شيء يجري على سجيته في أعماقي دون أن أختار له البديل أو الدليل أو السبيل...

_ ماذا قالت لك مدينة مرسيليا ومثقفوها؟وربما إيطاليا أيضا(أو غيرها)؟

هَاهِي تُرَى مِثْلَ عِـقْدٍ حَوْلَ مَيْنَاءِ
هَاهِي تُـطِـلُّ مَبَانِـيهَا عَلَى ا لْـمَاءِ
مَيْنَاؤُهَا، أَتَرَى ؟ تَرْسُو بِـهِ سُـفُـنٌ
كَأنـَّهَا لُـعَـبٌ في حِجْـرِ حَـسْـنَاءِ
ظَلَّتْ مِنَ ا لرِّيحِ وَالإِعْصَارِ آمِـنَةً
إلاَّ عَـنِ الْعَزْفِ لَـمْ تَبْخَلْ بإصْغَاءِ
بَاريـسُ عَاصِمَةً لِلْـقُـطْرِ نَـعْرِفُـهَا
لَكِنْ شَتَاتٌ إذَا قِـيسَتْ بِـعَصْمَاءِ

_ خلال حياتك في المهجر حدثنا عن تجربتك وكتاباتك هناك؟

الرحلات فن مميز والرحالة صحافي وأديب ومؤرخ ومهتم في علم الاجتماع، وكان هذا شأن :ابن بطوطة وابن جبير وماركوبولو...وغيرهم. فكل غربة هي إذن رحلة والرحلة كتاب مفتوح تقرؤه الحواس وتحتفظ الذاكرة ببعض ما ينقل إليها عبر هذه الحواس. فإن تعلق الأمر بفنان تتمخض الرحلة عن لوحة أو قصيدة أوقصة... وقد كتبت الكثير أثناء إقامتي ببعض البلدان الأوروبية والمشرق.

دور المهرجانات والمسابقات هل تراها محفزات فعال؟ أم عندك اقتراحات و نظرة أخرى؟ هل تجد التواصل الإجتماعي عبر فيس بوك وتويتر مثلا، أكثر فعالية و سرعة في الفعل الثقافي؟
وعن النت وأقصد النشر الإلكتروني أو الرقمي، هل يمكن به، الإستغناء عن النشر الورقي؟ أم يبقى مجرد عالم افتراضي، مرهون ببقاء الموقع( المشاكل المالية، الحجب،مضايقات الهاكر والقرصنة)، بالمناسبة هل يمكن أن تكلمنا ولو باختصار عن مشاركاتك في بعض المناسبات الثقافية؟

المهرجانات والمسابقات تحفز الشباب لا ريب، وتذكي فيهم روح التنافس وتنبه وعيهم لمعرفة قدرهم وتشرح صدورهم وتوسع آفاقهم...أما "الفاسبوك وما شابهه من مواقع التواصل الاجتماعي، فكلها لا يرقى إلى مستوى المهرجانات والمؤتمرات لانفتاحها اللامحدود وجمهورها اللامعدود...

بالجزائر، كتبت في جميع المناسبات الثقافية ،شاركت فيها أم لم أشارك، أما خارج الوطن، فلم أكتب إلا في المناسبات التي شاركت فيها...

_لو سألتك عن الآتي وأنت الشاعر، فماذا تقول:

الحب؟
حياة، ولا حياة بغير حب
الحرية؟
إمتاع وإبداع
الوفاء؟
راحة ظمير
المرأة؟
أنس
الشعر؟
عتق المكبوت
الإبداع؟
صيد اللامألوف على صهوة المعروف

_ كلمة أخيرة للقراء

الشاعر بشير مفتاح:
أقول لهم سيروا
ولا تسرعوا الخطى
فقد تلهث العير
ولا تبلغوا العطا

سيرة حياة :
بشير مفتاح، من مواليد بداية خمسينيات القرن الماضي
بعد حصوله على البكالوريا في الآداب والتحاقه بمعهد بوزريعـة، تخرج أسـتاذا في الأدب، فعمل في سلك التعليم فالإدارة إلى غاية تقاعده سنة 2002.

عضو مكتب جمعية عيسى بسكر لترقية ثقافة الطفل – بوسعادة

مديراكمالية متقاعد

عضو في اتحاد الكتاب (1981)

عضو في الديوان الوطني لحقوق المؤلف

عضو في الاتحاد الوطني للفنون الثقافية

- من أعماله في الشعر الفصيح:

1- ديوان: "نبض الصور"

2- مجموعة شعرية في شتى مناحي عالم التربية والتعليم

3- مجموعة شعرية بعنوان: في دروب النضال

4- أوبيرات وإسكاتشات، ومجموعة من الشعر الغنائي.

- من أعماله المنجزة في الشعر الشعبي:

مجموعتان: إحداهما "غنائية" والثانية مناسباتية وعامة

- من أعماله المنجزة باللغة الفرنسية:

1- « Sentiments versifiés » نشر بباريس

2- مجموعة ثانية بعنوان : Pigeon voyageur –

3- متفرقات أخرى

- ترجمة أعمال أدبية فرنسية (شعرا):

1- مجموعة من 24 مثلا لِـ: لافونتين، نشرت بالجزائر 2010 عن دار القصبة-

2- مجموعة من قصائد مختارة من الأدب الفرنسي: فكتور هوجو - سولي بريدوم - روجي مييو – لامارتين - ألفريد دو فينيي- موريس كاريم - فارلان (... وبعض المقاطع لِـ :موليير - فـولتير – بودلير - ألفريد دو موسي - أراقون - جول فاليس، وقصيد" إذا.. "للشاعر الإنجليزي كيبلينغ...) و"بسمة " لـ فوليرو راوول...


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى