الثلاثاء ٣ كانون الثاني (يناير) ٢٠٠٦
بقلم عطية صالح الأوجلي

ناس دايخة

اختلط ضجيج الازدحام بصوت المذياع ونداءات الباعة بزعيق نادل المقهى لتشكل لوحة صوتية تشع الأمن والدفء وتقلص ذاك الشعور بالوحدة الذي يمزق القلوب بأظفاره الحادة . حلقات الدخان الكثيف تتسابق نحو السقف العتيق دون جدوى ودونما انقطاع.

غصت في مقعدي المعتاد ، التقطت شفتاي لفافة تبغ بينما جالت عيناي بحثا عن أثر لجريدة أو مطبوعة تركت لوحده. رائحة القهوة تداعب أنفي. أبحث عن النادل الذي لا يعيرني اهتمام يداه تعبثان بمؤشر المذياع بحثا عن محطة أزيز ..تشويش .. ضجيج.....

- "أجيب منين عمر يكفى" . تترنم المطربة تخيلت طوابير أمام معمل أو متجر لبيع الأعمار الإضافية ..

– والنبي "عُمْر ونص " من النوع الممتاز بس وحياة أبوك تلفه كويس .. ده عشان الست بتاعي..
- ما ألقيش عندك." عُمْر..بس يكون " نص " عُمْر "...
دوت ضحكتي و اهتز بدني. نظرة استنكار من البدين ذو اللحية. كدت أقول له نحن في مقهى يا هذا ولسنا في بيتك. ولكني آثرت السلامة.
النادل بإصرار يبحث عن محطة .. أزيز ..تشويش .جلبة.....
- " لازال التعادل هو سيد الموقف في هذه المباراة" .
آه كم أكره مثل هذه الكلمات.. "سيد الموقف" .. إنها من النوع الذي لا يرحم .. تلتصق بالذهن وتأبى مغادرته .. تلف ..تدور... كنحلة في برطمان. لا وسيلة "لإنقاذ الموقف" سوى إنهاكها بسرعة استعمالها
- الله سيد الموقف في الكون.
- أمريكا سيدة الموقف في العالم.

- زوجتي سيدة الموقف في البيت.. مهلا..أنا..لم أتزوج بعد.. وجدت العروس ولم أجد الأسباب. قالوا لي تزوج لترضى عنك الست الوالدة. هذا سبب وجيه حقا لورطة العمر!. ولكن والدتي ماتت رحمها الله من زمان. هــا..تخلصت أخيرا من "سيدة الموقف".
اللعنة.. أنها تلتصق مرة ثانية. القهوة تتجول مع رائحتها تغازل الأنوف.

يدخل شاب إلى المقهى، يبدو لي وكأنه."سيد الموقف". نحيف ،كثيف الشعر والنظارات ،يحتضن مجموعة من الأوراق بينما يتدلى من أصابعه قلم حبر. يتمهل بحثا عن مقعد ،يجلس وينـهمك في الكتابة . الكتابة حدث غير مألوف في هذا المقهى. استرعى اهتمام الآخرين ، كل "سيد" يحاول في أعماقه أن يفسر هذا " الموقف" ..

نطقت عينا الأول....
"هذا الشاب يبدوا غريبا عن البلد ، وهو لا ريب يكتب رسالة لآسرته ".
أسر الثاني في نفسه ....
"هذا الشاب بدون شك عاطل عن العمل ، ويبحث عن وظيفة ما.. و هو يكتب الآن طلبات إلى جهات الاستخدام "
رائحة قهوة محروقة ... يبدو أن " شوام "...من رواد المقهى..
تحدث الثالث في صمته:
" لا ريب أن هذا الشاب يكتب قصائد عاطفية .. أنا اعرف هذا النوع جيدا".

همس الرابع لرفيقه بينما ظلت عيناه تراقبان الجميع :
" أكيد يكتب في تقرير في عباد الله ، ..... ناس "معادش" ترحم في بعضهـا...".

حدث السادس نفسه :
" هذا باين عليه من تجار الشنطه ..ويكتب في طلبيه قبل ما يسافر..".

نـهض "السيد". ترك ثمن القهوة وغادر تاركا أوراقه وراءه. انتبه النادل لما حدث ، أنتزع حزمة الورق وخرج يعدو وراء الشاب. لم يتمكن من الوصول إليه.... فعاد ... تأمل الأوراق .... امسك بالقلم محاولا الكتابة به . ثم قال بصوت عال :

" أما ناس دايخة..

القلم ما فيش حبر ..

و الأوراق......... فاضيه…".


مشاركة منتدى

أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى