المفكر محمد عمارة

، بقلم فايزة أحمد سليم

التعريف بالمفكر :

محمد عمارة مصطفى عمارة مفكر إسلامي ومؤلف ومحقق، عضو مجمع البحوث الإسلامية بالأزهر الشريف ولد بريف مصر مركز قلين- كفر الشيخ-في مصر في 8/12/1931م، حفظ القرآن وجوده وهو في كتاب القرية ..بدأت تتفتح وتنمو اهتماماته الوطنية والعربية وهو صغير ...وكان أول مقال نشرته له صحيفة (مصر الفتاة) بعنوان (جهاد عن فلسطين) ..
وقد درس الدكتوراه في العلوم الإسلامية تخصص فلسفة إسلامية-كلية دار العلوم-جامعة القاهرة 1975م.

والماجستير في العلوم الإسلامية تخصص فلسفة إسلامية-كلية دار العلوم-جامعة القاهرة 1970م. والليسانس في اللغة العربية والعلوم الإسلامية-كلية دار العلوم-جامعة القاهرة 1965م .
يقول أكرم ذياب وقد نشر بحثا موسعا للرد على أفكار عمارة أن الأخير عاش سلسلة من التحولات الفكرية وقد مر بأطوار ...من الماركسية إلى الاعتزال فالسلفية إلى غير ذلك .

ويقول الدكتور محمد عباس أن محمد عمارة هو واحد من كوكبة لامعة صادقة هداها الله فانتقلت من الفكر الماركسي إلى الإسلام ...وكانت هذه الكوكبة هي ألمع وجوه اليسار فأصبحت ألمع وجوه التيار الإسلامي ،ودليلا على أن خياركم في الجاهلية خياركم في الإسلام .
حصل على العديد من الجوائز والأوسمة والشهادات التقديرية والدروع، منها "جائزة جمعية أصدقاء الكتاب، بلبنان سنة 1972م"، وجائزة الدولة التشجيعية بمصر سنة 1976م، ووسام التيار الفكري الإسلامي القائد المؤسس سنة 1998م .

الإنتاج العلمي :

حقق لأبرز أعلام اليقظة الفكرية الإسلامية الحديثة ،جمال الدين الأفغاني ،ومحمد عبده ،وعبد الرحمن الكواكبي ،وألف الكتب والدراسات عن أعلام التجديد الإسلامي مثل : الدكتور عبد الرزاق السنهوري باشا،والشيخ محمد الغزالي ،ورشيد رضا ،وخير الدين التونسي ،وأبو الأعلى المودودي، وسيد قطب ،والبنا،ومن أعلام الصحابة :عمر ابن الخطاب ، وأبي ذر الغفاري ،وعلي بن أبي طالب، كما كتب عن تيارات الفكر الإسلامي القديمة والحديثة وعن أعلام التراث من مثل غيلان الدمشقي، والحسن البصري ،والنفس الزكية .

ومن أواخر مؤلفاته في الفكر الحديث :الخطاب الديني بين التجديد الإسلامي والتبديل الأمريكاني ،والغرب والإسلام _أين الخطأ ..وأين الصواب؟ ،ومقالات الغلو الديني واللاديني،والشريعة الإسلامية والعلمانية الغربية ،وكتاب مستقبلنا بين التجديد الإسلامي والحداثة الغربية ، أزمة الفكر الإسلامي الحديث ،والإبداع الفكري والخصوصية الحضارية ،وغيرها كثير .

وقد أسهم في العديد من الدوريات الفكرية المتخصصة ،وشارك في العديد من الندوات والمؤتمرات العلمية ،ونال عضوية عدد من المؤسسات الفكرية والبحثية منها المجلس الأعلى للشئون الإسلامية، والمعهد العالي للفكر الإسلامي .

وقد اتسمت كتابات الدكتور عمارة وأبحاثه التي أثرى بها المكتبة العربية والتي وصلت إلى (200)مؤلفا بوجهات نظر تجديدية وإحيائية،والإسهام في المشكلات الفكرية ،ومحاولة تقديم مشروع حضاري نهضوي للأمة العربية والإسلامية في المرحلة التي تعيش فيها .

أهم ما يميز فكره :

إن أهم ما يميز فكره هو إيمانه ودفاعه عن وحدة الأمة ...وتدعيم شرعيتها في مواجهة نفي البعض لها،حتى نعَت العلمانيون دكتور عمارة بأنه المنظًر للحركة الإسلامية ،ويقول هو: ذلك شرف لا أدًعيه وهم لا يقصدون منه المديح وإنما استدعاء السلطات ضدي.

وينتمي المفكر إلى( المدرسة الوسطية) ويدعو إليها ،فيقول عنها إنها( الوسطية الجامعة )التي تجمع بين عناصر الحق والعدل من الأقطاب المتقابلة فتكوّن موقفا جديدا مغايرا للقطبين المختلفين ولكن المغايرة ليست تامة ،فالعقلانية الإسلامية تجمع بين العقل والنقل، والإيمان الإسلامي يجمع بين الإيمان بعالم الغيب والإيمان بعالم الشهادة ،والوسطية الإسلامية تعني ضرورة وضوح الرؤية باعتبار ذلك خصيصة مهمة من خصائص الأمة الإسلامية والفكر الإسلامي ،بل هي منظار للرؤية وبدونه لا يمكن أن نبصر حقيقة الإسلام،وكأنها العدسة اللامعة للنظام الإسلامي والفكرية الإسلامية.والفقه الإسلامي وتطبيقاته فقه وسطي يجمع بين الشرعية الثابتة والواقع المتغير أو يجمع بين فقه الأحكام وبين فقه الواقع ،ومن هنا فإن الله سبحانه وتعالى جعل وسطيتنا جعلا إلهيا (جعلناكم أمة وسطا) سورة البقرة آية 143 .

ولمزيد من الفهم والإدراك لفكر الكاتب الإسلامي د.محمد عمارة ، نلقى الضوء على مصطلح الوسطية: ما المقصود منه ؟وما هي ضوابطه ؟وهل له أصل تاريخي؟وما الذي يسعى إلى تحقيقه ؟ لنفهم من خلاله طريقة تعامل هذا المفكر مع القضايا الفكرية المختلفة .

تعريف الوسطية :

يقول محمد الحبر يوسف :والحق أن الوسطية في مفهوم الإسلام منهج أصيل ووصف جميل، ومفهوم جامع لمعاني العدل والخير والاستقامة ،فهي حق بين باطلين واعتدال بين تطرفين وعدل بين ظلمين .
ضوابط الوسطية :

هذا وقد حدد الدكتور يوسف القرضاوي بالمجلس الأوروبي للإفتاء ضوابط المنهج الوسطي قائلا: "يقوم تيار الوسطية على جملة من الدعائم الفكرية، تبرز ملامحه وتحدد معالمه، وتحسم منطلقاته وأهدافه، وتميزه عن غيره من التيارات، تتمثل فيما يلي:

1-الملائمة بين ثوابت الشرع ومتغيرات العصر.

2- فهم النصوص الجزئية للقرآن والسنة في ضوء مقاصدها الكلية.

3- التيسير في الفتوى، والتبشير في الدعوة.

4- التشديد في الأصول والكليات، والتيسير في الفروع والجزئيات.

5- الثبات في الأهداف، والمرونة في الوسائل.

6- الحرص على الجوهر قبل الشكل، وعلى الباطن قبل الظاهر، وعلى
أعمال القلوب قبل أعمال الجوارح.

7-الفهم التكاملي للإسلام بوصفه: عقيدة وشريعة، دنيا ودين، ودعوة ودولة.

8- دعوة المسلمين بالحكمة، وحوار الآخرين بالحسنى.

9- الجمع بين الولاء للمؤمنين، والتسامح مع المخالفين.

10- الجهاد والإعداد للمعتدين، والمسالمة لمن جنحوا للسلم.

11- التعاون بين الفئات الإسلامية في المتفق عليه، والتسامح في المختلف فيه.

12- ملاحظة تغير أثر الزمان والمكان والإنسان في الفتوى والدعوة والتعليم والقضاء.

13-اتخاذ منهج التدرج الحكيم في الدعوة والتعليم والإفتاء والتغيير.

14- الجمع بين العلم والإيمان، وبين الإبداع المادي والسمو الروحي، وبين القوة الاقتصادية، والقوة الأخلاقية.

15- التركيز على المبادئ والقيم الإنسانية والاجتماعية، كالعدل والشورى والحرية وحقوق الإنسان.

16- تحرير المرأة من رواسب عصور التخلف، ومن آثار الغزو الحضاري الغربي.

17- الدعوة إلى تجديد الدين من داخله، وإحياء فريضة الاجتهاد من أهله في محله.

18-الحرص على البناء لا الهدم، وعلى الجمع لا التفريق، وعلى القرب لا المباعدة.

19- الاستفادة بأفضل ما في تراثنا كله: من عقلانية المتكلمين، وروحانية
المتصوفين، واتباع الأثريين، وانضباط الفقهاء والأصوليين.

20- الجمع بين استلهام الماضي، ومعايشة الحاضر، واستشراف المستقبل .

أما عن تاريخ هذه المدرسة فتعتبر الوسطية امتدادا لمنهج المدرسة الأشعرية والماتردية في إعمال العقل في النصوص الشرعية وفي التعامل مع متغيرات الواقع وفقه تنزيل النصوص على الحوادث المختلفة .

ويجهد تيار الوسطية أن يقدم رؤيته للاجتماع السياسي للمسلمين على مثالٍ هاجسه تطهير الصورة ،وتظهيرها ،على خلاف ما شاع بعد أحداث الحادي عشر من أيلول (سبتمبر)، فيقدم صورة دولة إسلامية مأمولة تتجاوز دول الجور والاستبداد، إلى دولة العقل والحريات، يكون للمجتمع المدني القوامة عليها، ويدفع مخاوف "الآخرين" المخالفين، غربيين كانوا أو محليين، من نموذج وصورة الدولة الإسلامية التي تنتصب صورتها راهنا على وقع عنف "السلفية الجهادية"، في أكثر من مكان، وصورة المجتمع الإسلامي، الذي تبشر به، والخالي من المخالف في الدين، فضلا عن المخالف في السياسة والاجتماع .

وتيار "الوسطية الإسلامية" الساعي حديثا إلى التوائم مع الحداثة الغربية وليبراليتها السياسية في دعواه بقبول مسائل: الديمقراطية، والتعددية السياسية .. يجهد في الوقت ذاته في أن يجيب على تحدي واقع الحداثة، الذي يخترق مجال الاجتماع السياسي لمجتمعات المسلمين، بنزعة تبدو تجديدية، تتجاوز خصوصية اجتهادات القدماء، لارتباطها بواقعهم المخصوص، متمسكاً بأصالته من ناحية، ساعياً للاحتفاظ بمنجزات الحاضر الحداثي من ناحية أخرى .

فالمطلوب (كما يرى هذا التيار ) إذا الإفادة من العلوم والتقنيات المعاصرة، فالإسلام دين تعددي منفتح على كل ما هو نافع وجميل مما تمخضت عنه تجربة إنسانية، أوافقنا أهلها في الملة أم خالفونا، الحكمة ضالة المؤمن. كما أنه يدعو إلى دولة مدنية، تقوم على خدمة كل مواطنيها على حد سواء، ومن إرادتهم العامة تستمد شرعيتها عبر ما هو متعارف من مقومات النظام الديمقراطي باعتبار آلياته الترجمة المعاصرة الأوفق للشورى الإسلامي .

مختارات من أقواله:

وبعد معرفتنا للمحة مختصرة عن هذا التيار نصل من خلالها إلى إدراك طريقة تفكير أتباعها بشكل عام،وآرائهم حول قضايا الأمة بشكل خاص ، ومعرفتنا أيضا أن المفكر محمد عمارة هو أحد أتباع هذه المدرسة،وأن أفكاره لا تخرج عن أن تكون دليلا واضحا على التزامه بالفكر الوسطي كمنهج ثابت في تعامله مع القضايا الفكرية.. أبدأ هنا باستعراض بعض نماذج ومقتطفات من كتابات الدكتور عمارة المتعلقة بالتنوير والإحياء والإصلاح والتجديد في سبيل تحقيق نهضة المسلمين،... فكر إسلامي منتشر في مؤلفاته أو في المقالات في المجلات أو على صفحات الإنترنت، وكما أشرت فهي كثيرة ومتنوعة إلا أن مكتباتنا العامة لا توفر قدر الربع من كتب هذا المفكر الكبير _على أهميتها _ وحقيقة أنه لو توافرت جميع الكتب ما استطعت الإحاطة بها ،فهو كما قال الدكتور محمد عباس :(الدكتور محمد عمارة _ولا أزكيه على الله_ فارس أكاد لا أرى من يفري في ميدان جهاد الفكر _الآن _ فريه، وهو موسوعة فلسفية تاريخية وإسلامية تكتسح كل يقف أمامها من العلمانيين والتغريبيين الملحدين، حتى أنهم أصبحوا يفرون جميعا من أي حوار أو مواجهة معه ،فنتيجة الصراع بين فيل ونملة أو بين ريح وإعصار معروفة مسبقا ) .

هذا وقد قسمت الكلام عن هذا الموضوع إلى خمسة أقسام :

1 ) فكره في التنوير والتجديد والإحياء ...وما يتبعه من تجديد الخطاب الديني الذي تنادي به أمريكا اليوم ، وقضية تحرير المرأة .

2) رأيه في مشاريع النهضة المطروحة على الساحة ، والمشروع التحديثي .

3)الثورة سبيل للتغيير .

4 )فكره في موضوع الجهاد .

5) العلاقة بالآخر : (التعددية) .

التنوير والتجديد والإحياء :

يقول الدكتور محمد عمارة في كتابه الإسلام بين التنوير والتزوير :إن التجديد الإسلامي –وإن شئت فقل "التنوير الإسلامي " –الذي يستنير أهله بنور الإسلام ..ونور القرآن ..ونور الرسول ..ونور الحكمة –يرى في العقل سبيلا من سبل المعرفة،يستقل بادراك أشياء ،ولا يستطيع –كملكة من ملكات الإنسان المحدودة الطاقات والنسبي الإدراك –أن يستقل بإدراك كل الأشياء ..ولذلك تتزامل وتتكامل معه سبل وهدايات أخرى –"التجربة" ..و"النقل"الذي يأتي بخبر السماء و"الوجدان"-..أي أن للتجديد الإسلامي منهاجا في سبل المعرفة يجعلها أربع هدايات ..وليست فقط ،كما هو حالها في "التنوير –الغربي"،اثنتان :"العقل" و"التجريب " .
وقال في موضع آخر من الكتاب :ففلسفة "التنوير "،كما عرفتها أوروبا في القرن الثامن عشر الميلادي ،كانت حركة "إحياء-حضاري-لا ديني"،أحلت "العقل.. والعلم ..والفلسفة "محل" الله ..والدين "وخاصة في شئون الاجتماع الإنساني والعمران البشري ..بينما" التجديد الإسلامي "،على مر تاريخ الإسلام وحضارته ،هو " إحياء ديني " لأن "التجديد"آلية فكرية تزيل عن ثوابت الدين ومبادئه وأركانه –في العقيدة والشريعة والقيم –بدع الزيادة والنقص،وشوائب التصورات الغريبة ،فتعيد للمنابع نقاءها ،ليكون فعلها أفضل وعطاؤها أكثر وموردها أكثر صفاء..ثم هي أيضا –آلية التجديد الإسلامي –تطور وتنمي في الفروع بما يواكب المستحدثات ،ويظلل المساحات الجديدة في المتغيرات الدنيوية المتطورة والنامية أبدا...ففارق كبير بين "إحياء ديني "و"إحياء لا ديني " .
وفي مقال للدكتور عمارة بعنوان( رمضان وتأسيس التنوير الإسلامي) يقول:

وتميز "التنوير الإسلامي" بالتوازن الجامع بين أنوار الشرع وأنوار العقل ـ كانت الوسطية الإسلامية, التي رفضت ـ منذ قرون ـ غلو الإفراط, الذي وقف أهله عند ظواهر النصوص والمأثورات, متنكرين للعقل والعقلانية ـ والذين مثلوا في ثقافتنا تيار الجمود والتقليد ـ كما رفضت هذه الوسطية, كذلك, غلو التفريط, الذي توهم أصحابه تناقض المعقول مع المنقول, فانحازوا للعقل وحده دون النصوص والمأثورات.
ووجدنا حجة الإسلام الغزالي "450 ـ 505 هـ/ 1058 ـ 1111م" يعبر عن هذه الوسطية الإسلامية الجامعة, وهذا "التنوير الإسلامي" ـ الرافض لغلوي الإفراط والتفريط ـ والذي يجمع بين نوري الشرع والعقل, اللذين هما نور على نور: وجدنا الغزالي يعبر عن هذا "التنوير الإسلامي", فيقول: "إن أهل السنة قد تحققوا أن لا معاندة بين الشرع المنقول والحق المعقول, وعرفوا أن من ظن وجود الجمود على التقليد, واتباع الظواهر, ما أتوا به إلا من ضعف العقول وقلة البصائر. وأن من تغلغل في تصرف العقل حتى صادموا به قواطع الشرع, ما أتوا به إلا من خبث الضمائر. فميل أولئك إلى التفريط, وميل هؤلاء إلى الإفراط, وكلاهما بعيد عن الحزم والاحتياط, فمثال العقل البصر السليم من الآفات والآذاء, ومثال القرآن: الشمس المنتشرة الضياء, فأخلق بأن يكون طالب الاهتداء المستغنى إذا استغنى بأحد هما عن الآخر في غمار الأغبياء. فالمعرض عن العقل, مكتفيا بنور القرآن, مثاله: المتعرض لنور الشمس مغمضاً للأجفان, فلا فرق بينه وبين العميان. فالعقل مع الشرع نور على نور".

فبهذا "التنوير ـ الإسلامي" ـ المؤمن بالعقل والنقل ـ والجامع بين نورهما جميعا ـ صنعت الأمة الإسلامية حضارتها, المتميزة بين الحضارات, التي ـ لذلك التميز ـ تدينت فيها الفلسفة, كما تفلسف الدين!.. وغدا "العقل" ـ فيها: الأفق الذي يشرق فيه "الإيمان" .
وفي مقال آخر حول( الاستنارة بين الذات والآخر) يقول.. تمثل "الاستنارة": حالة كيفية ونوعية من "الوعي _ الفاعل" بحقيقة "الذات" و "الواقع" و "المحيط".. فلا بد فيها من الوعي "بالذات الحضارية والثقافية" والمعرفة الواعية "بالآخر الحضاري والثقافي" أيضاً..
والذين تقف ثقافتهم عند موروثهم الفكري لا تتعداه، هم _في أحسن الأحوال_ كمن ينظر بعين واحدة، فلا يبصرون إلا ذاتهم، أو كالأعمى الذي لا يدرك من الوجود غير جسده الذي يتحسسه بيديه!
وكذلك حال ثقافة الذين ضربت عقولهم في "المصانع الفكرية" للحضارات الأخرى، الذين جهلوا مواريثهم، وهوية أمتهم، وثقافة الحضارة التي يحملون أسماءها، وإلى شعوبها ينتسبون..
إنهم مستنيرون.. لكن استنارتهم لا ترى غير الآخر، ولهم وعي، لكن وعيهم لا يدرك الذات الحضارية التي يستظلون بعنوانها العقدي والوطني والقومي والثقافي.
ومن هنا، كانت الاستنارة الكاملة الفاعلة هي الوعي الحقيقي "بالذات الحضارية" و "بالآخر الحضاري"، وإدراك وإعمال قوانين الأخذ والعطاء، والتفاعل الصحي بين تيارات الفكر الإنساني، وثمرات العقول في مختلف الثقافات والحضارات ..

تجديد الخطاب الديني :

تمثلت أبرز معالم الحملة الأمريكية لتبديد الدين داخل المجتمعات العربية والإسلامية من خلال ما أطلقت عليه الإدارة الأمريكية "الإصلاح الثقافي "أو" التحديث الاجتماعي " ...فما هو رأي د. محمد عمارة بهذا الإصلاح ؟

رأى عمارة أن المطالب الأمريكية بتجديد الخطاب الديني لا تقوم على أسس موضوعية وإنما على منطق واحد وهو حماية المصالح الأمريكية في المنطقة ...ومن خلال جملة من النصوص لساسة ومثقفين ورجال دين أمريكان _استشهد بها عمارة _وصل إلى أن الدوافع الأمريكية الكامنة وراء المطالبة بتجديد الخطاب الديني الإسلامي تتمثل في نقل الحرب إلى داخل الإسلام،لتغيير خطابه الديني ليصبح خطابا للإسلام الحداثي –بالمعني الغربي للحداثة –الذي يقيم قطيعة معرفية كبرى مع تراثه ومنهاجه الشامل في الحياة،ويقف عند حدود الشعائر والقلوب والمحاريب ،ويتسامح مع السياسة الأمريكية والاستعمار الاستيطاني ويفقد معانيه الكفاحية في تحرير الأمة ونهضتها .
لم ينكر محمد عمارة ضرورة تجديد الخطاب الديني الإسلامي ،وإعادة النظر في كثير من قضاياه الفكرية ومفاهيمه الحاكمة ،والممارسات السلوكية المرتبطة به ،ولكن ليس لأن المصلحة الأمريكية تدعو إلى ذلك من خلال تبديد دور الإسلام وحضوره في المجتمعات المسلمة ، وليس استجابة لدعوات "العملاء الحضاريين"لعلمنة الإسلام وتفريغه من محتواه الكفاحي ،وتحويله إلى صيغة نصرانية أخرى، ولكن لأن التجديد الديني سنة كونية وقانون تاريخي على مر القرون السابقة ،ولأن دواعي الموضوعية تدفع إلى التجديد ،كي يستعيد الإسلام فعاليته العميقة في إصلاح المجتمعات الإسلامية وحل المشكلات المعاصرة التي تواجه المجتمعات والإنسان المسلم .
وفي حوار معه صرح بأن" التدخل في التعليم الديني ضرب في العظام واختراق وتجاوز للخطوط الحمراء وهذا سوف يولد رد فعل عنيف ضد الولايات المتحدة الأمريكية،وهذا ما لا نتمنى حدوثه سواء الفعل أو رد الفعل ".

قضية تحرير المرأة:

يقول الدكتور محمد عمارة في كتابه(هل الإسلام هو الحل ):"... أن انفساح الآفاق أمام ما تنهض المرأة به من أعباء المشاركة في العمل العام مرهون بزيادة ما تحرزه من أهلية وقدرات وصدق رسول الله عندما فتح الآفاق –آفاق التقدم والمسئولية –أمام النساء عندما بايعنه على ما يستطعن ويطقن –"فيما استطعتن وأطقتن ".

وإذا كانت بعض البيئات والمجتمعات الإسلامية تسود فيها عادات وتقاليد وأعراف تحجب المرأة عن المشاركة فيما هي أهل له وقادرة عليه من ميادين العمل ..فإن المنهاج الإسلامي يدعو إلى تطوير هذه العادات والتقاليد والأعراف نحو النموذج الإسلامي لتحرير المرأة في تدرج لا يقفز على الواقع ولا يتجاهله ..كما يدعو هذا المنهاج إلى رفض إلباس هذه العادات والتقاليد والأعراف لبوسا إسلاميا يحملها ،بالزور والبهتان ،على حقيقة الإسلام ..
وكذلك الحال مع البيئات والمجتمعات الإسلامية التي اقتحمها النموذج الغربي "لتحرير "المرأة، ذلك الذي أرادها "ندا"للرجل ، وتجاهل "تميز الأنوثة "في تقسيم العمل الاجتماعي بين الرجال والنساء كما تجاهل القيم الإسلامية وضوابط الشريعة في الزي والسلوك على النحو الذي أهان المرأة واستباح حرمتها ،وأهدر -مع حقوقها –حقوق الله ..إن هذا النموذج الغربي في" تحرير المرأة"،لا بد من إدانته، وطي صفحات فكره وممارساته من واقعنا الإسلامي ،وتطوير هذا الواقع في اتجاه الالتزام بمنهاج الإسلام .

إن المرأة المسلمة مدعوة إلى استلهام نموذج المرأة التي حررها الإسلام ،فجعل من أسماء بنت أبي بكر الصديق :الأنثى التي تشارك في صناعة الأحداث الكبرى في تاريخ الدعوة ودولتها ..والتي ترعى فرس الجهاد لزوجها الزبير بن العوام..وتزرع أرضه ..وتقاتل معه في الغزوات ..وتحافظ على عرضه ،بل وغيرته الزائدة !..وتربي ولدها عبد الله على الفداء والاستشهاد ..وتسهم معه ،بالشورى ،في أحداث ثورته ..وتتصدى لطغيان الحجاج بن يوسف ،على النحو الذي غدا مضرب الأمثال في تاريخ البطولات" .

ويفرق د.عمارة في كتابه (الوسيط في الذاهب والمصطلحات الإسلامية )بين التحرير الإسلامي للمرأة وبين التحرير الغربي فيقول :...فلسفة التحرير الإسلامي للمرأة قد راعت تمايز التكوين الطبيعي في إطار المساواة الإنسانية تحقيقا لتكامل الذكر والأنثى ،ابتغاء لسعادتهما جميعا !..
أما فلسفة التحرير الغربي ،للمرأة ،فإنها اعتمدت" النّدية " فجعلت معركة الأنثى ضد الذكر ..وظنت أن تحررها كامن في " استرجالها " فقادتها إلى حال القط الذي قلد أسدا ،حتى حرم من ميزات القط دون أن يكتسب ميزات الأسود ،متناسية أن فلسفة التكامل تقتضي التنوع بين المتكاملين..

*رأيه في مشاريع النهضة (المطروحة على الساحة ) والمشروع الحداثي:
يرى محمد عمارة أن الأمة -في عصرنا الحديث –وجدت نفسها أمام خيارين في النهضة ونموذجين للتنوير
أـ التنوير الغربي ـ الوضعي, وأحيانا المادي ـ الذي أقام قطيعة معرفية مع الموروث الديني, وذلك عندما أحل فلاسفته العقل والعلم والفلسفة محل الله والكنيسة واللاهوت, وأعلنوا أنه لا سلطان على العقل إلا للعقل وحده... "فبعد أن كان المسيحي حريصا على طاعة الله وكتابه, لم يعد الإنسان يخضع إلا لعقله... أصبح الإنسان وحده مقياسا للإنسان, وأصبح حكم الله خاضعا لحكم الوعي البشري, الذي يطلق الحكم الأخير باسم الحرية...
وجدت أمتنا ـ وهي تتحسس طريقها لليقظة والنهوض ـ نفسها أمام هذا الخيار للتنوير الغربي ـ الوضعي, العلماني ـ الذي يقيم قطيعة معرفية مع الدين ..

ب ـ وبين "التنوير الإسلامي" ـ الجامع بين الشرع والعقل, بين الحكمة والشريعة, بين آيات الله المنزلة وآياته المبثوثة في الأنفس والآفاق.
لقد اختارت مدرسة الإحياء والتجديد التي تبلورت من حول موقظ الشرق وفيلسوف الإسلام جمال الدين الأفغاني "1254 ـ 1314 هـ 1838 ـ 1897م" اختارت لأمتنا هذا الطريق, طريق الاستنارة والتنوير بالإسلام, وليس بالقطيعة المعرفية مع الإسلام. فهي قد رفضت غلو الجمود والتقليد, حتى ولو كان أصحابه قد امتازوا بتنقية العقيدة من البدع والإضافات والخرافات, لأنهم بمعاداة العقلانية الإسلامية لم يتجاوزوا مواقع التقليد, الذي جنى على حضارتنا العربية الإسلامية "فهذا الدين يطالب المتدينين أن يأخذوا بالبرهان في أصول دينهم ...

وفي نفس الوقت, رفضت هذه المدرسة الإحيائية التجديدية عقلانية التنوير الغربي, تلك التي تأسست على النزعة الوضعية والمادية, فوجهت شديد النقد لفلاسفة التنوير الغربي ـ من مثل فولتير "1964 ـ 1778م" ورسو "1712 ـ 1778م" ـ وقالت عن هذا التنوير: إنه قد بعث مذهب اللذة, والدهرية ...

ثم هي قد وجهت شديد النقد للمقلدين ـ من مثقفينا ـ لهذا التنوير الغربي, فالمقلدون لتمدن الأمم الأخرى ـ كما يقول الأفغاني: "ليسوا أرباب تلك العلوم التي ينقلونها, وإنما هم حملة, نقلة! لا يراعون فيها النسبة بينها وبين مشارب الأمة وطباعها, وهم ربما لا يقصدون إلا خيراً, إن كانوا من المخلصين لكنهم يوسعون بذلك الخروق حتى تعود أبوابا, لتدخل الأجانب فيهم, فيذهبون بأمتهم إلى الفناء والاضمحلال, وبئس المصير"!
وفي كتابه العرب والتحدي يقول :

•الحركات الإصلاحية الدينية السلفية :منعتها البداوة ..بداوة البيئة من أن تولي" التمدن "ما يجعله النموذج الصالح للتعليم والوافي باحتياجات النهضة الكفيلة بمواجهة الغزوة الأوربية المسلحة بحضارتها الحديثة ،وأيضا الوافي باحتياجات أمة تريد تعويض التخلف وتحصين وطنها لمجابهة ما يأتي به المستقبل من تحديات .

• ونهضة محمد علي _وخاصة بعد حصارها ،وفرض القيود على استقلاليتها _قد حرمتها المحافظة الدينية والجمود الأزهري من فرصة تأسيس "تمدنها "على أسس إسلامية خالصة ..فنفذ الغرب من هذه الثغرة ،فمال "تمدن "هذه النهضة ناحية "التغريب "فلم يكن الاستقلال الحضاري الذي نريد !..
فكان أن ظلت الأمة تبحث عن التيار الفكري الذي يجمع ،في أطروحته ،كل فضائل النهضة الحضارية ،وجميع شروط استقلالها ،وعندما تبلور هذا التيار في دعوة( الجامعة الإسلامية ) وحركتها التي قادها جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده ،حاربه دعاة "التغريب" وأنصار "الجمود" معا؟!..وحالوا بين فكره في النهضة وبين أن ينتشر أو يوضع في التطبيق!..
لكن ذلك لم يمنع من أن يكون هذا التيار –"السلفي-العقلاني المستنير"-هو أكثر تيارات التجديد التي عرفتها أمتنا حديثا ،استجابة لمتطلبات الاستقلال الحضاري لأمتنا العربية الإسلامية..

وفي مقال له نشرته صحيفة الوطن السعودية 14/4/2003 تحت عنوان قرن أمريكا ؟ أم قرن الإسلام؟ تحدث د.عمارة عن المشروع الحداثي الغربي وما يدور حوله ،والمشروع الإسلامي فقال:
"هل هذا القرن هو قرن "إمبريالية "الإمبراطورية الأمريكية ،بقيمها الغربية ورأسماليتها المتوحشة ؟
أم هو قرن الصعود والسيادة والظهور والتمكين للإسلام ،والنموذج الإسلامي في الحضارة والتقدم والتجديد ؟

في الإجابة على هذا التساؤل الذي كاد أن يقسم ساحة الفكر إلى" فسطاطين " تود هذه الدراسة أن تطرح هذه القضية من منظور جديد...وذلك من خلال إشارات إلى عدد من الحقائق والأفكار .
أولها :أن جنون القوة الذي تفرض به أمريكا مشروع هيمنتها ،سيجعل عمر هذه الهيمنة قصيرا ...خصوصا أن هذه الإمبراطورية الأمريكية تغلب على قيادتها عقلية رعاة البقر الذين تقودهم أساطير اليمين الديني البروتستانتي ...الذين يفتقرون إلى تاريخ حضاري يسلحهم بدبلوماسية الهيمنة التي تمتعت بها الإمبراطوريات الاستعمارية الأوربية السابقة .
كما أن" شعب " هذه الإمبراطورية الأمريكية ليس" أمة "بالمعنى العملي لمصطلح الأمة –وإنما هو خليط من الأمم والثقافات ،جمعته قيم حلم النجاح الاقتصادي والليبرالية السياسية ...حتى هذه القيم "حلم النجاح الأمريكي " فإنها تتعرض للتآكل بعد "قارعة" سبتمبر 2001
يضاف إلى هذا أن "رحم "العالم تتخلق فيه الآن أجنة مشروعات لمراكز قوى وأقطاب لن يطول عليها الحين حتى تفسد على الحلم الأمريكي تحقيق مقاصده في التفرد والانفراد.

وثاني هذه الحقائق: أن حال المسلمين اليوم ليست كحالهم مع مطلع القرن العشرين عندما أُخضعوا لمشاريع هيمنة الإمبراطوريات الاستعمارية الأوروبية - الإنجليزية... والفرنسية... والهولندية - فلقد بدأ القرن العشرون والدولة الإسلامية الجامعة" - الخلافة العثمانية - في سنوات احتضارها السياسي والإداري والحضاري... وبدأ النموذج الحضاري الغربي في ذروة تألقه وإبهاره لقطاعات واسعة من عقول النخب المفكرة في بلادنا، ...أما الآن، ومع مطلع القرن الواحد والعشرين فإن الوضع مختلف اختلافاً "نوعياً "وجذرياً."

فالقرن العشرون وإن كان قرن اكتمال وعموم بلوى استعمار أوروبا للعالم الإسلامي... فلقد كان - أيضاً قرن اليقظة الإسلامية... يقظة العقل بالاجتهاد والتجديد... ويقظة السواعد بالحركات السياسية الإسلامية... وقرن التحرر الوطني الذي نهض فيه الإسلام بالدور الريادي في الربط بين تحرير الأرض وبين الاستقلال الحضاري، الأمر الذي أدى إلى أن يشهد ذلك القرار تصفية الإمبراطوريات الاستعمارية الأوروبية جميعاً.

كما كان القرن العشرين قرن إفلاس المشروع التحديثي الغربي فسقطت فيه "حداثته "التي أرادت إقامة قطيعة معرفية كبرى مع الموروث الديني، وجعل الإنسان سيد الكون، لا خليقة لسيد الكون... ومع نهاية هذا القرن العشرين ماتت - أيضاً في مهدها عبثية وعدمية وتفكيكية "ما بعد الحداثة" الغربية...
وهكذا نجد أنفسنا في العالم أجمع... وخاصة في العالم الإسلامي - مع مطلع القرن الواحد والعشرين - أمام "متغير نوعي بالمقارنة مع الحال في مطلع القرن العشرين.

لقد سقط النموذج الغربي، في التقدم والنهوض والتحديث، وارتفعت فوقه علامات الاستفهام حتى في بلاده ولم يبق من مقويات الهيمنة الغربية، لدى المشروع الأمريكي، إلا "جنود القوة الفرعونية" و"توحش مشروع حضاري مقبول" أو قابل للحياة.

ومع سقوط المشروع الغربي للتحديث وانكشاف تهميش عملائه في بلادنا أخذت معالم المشروع الإسلامي في التبلور وانحازت إليه جماهير الأمة على النحو الذي أسفرت وتسفر عنه انتماءات الجماهير... وحالات التنظيمات السياسية... ونتائج "صناديق الاقتراع. حيثما تكون هناك حرية في الاقتراع!
هذا هو رأي د.عمارة فيما هو مطروح اليوم من مشاريع ،فما على الأمة إلا أن تختار لنفسها ما يناسبها ويتلائم مع فطرتها التي فطرها الله عليها ،حتى تستطيع تحقيق ما تصبوا إليه .

الثورة سبيل للتغيير:

اهتم د.محمد عمارة بالكتابة عن الثورة ، وقد ظهر ذلك جليا في مجموعة من كتبه وخاصة الإسلام والثورة ومسلمون ثوار والمعتزلة والثورة ...،كما تكررت تصريفات الفعل( ثار) في أكثر من مكان ،فماذا تعني الثورة في فكر د . عمارة ؟

يقول د. عمارة في كتابه الإسلام والثورة :إن مرادنا بالثورة هي أنها العلم الذي يوضع في الممارسة والتطبيق من أجل تغيير المجتمع تغييرا جذريا وشاملا ،والانتقال به من مرحلة تطورية معينة إلى أخرى أكثر تقدما ،الأمر الذي يتيح للقوى الاجتماعية المتقدمة في هذا المجتمع أن تأخذ بيدها مقاليد الأمور ،فتصنع الحياة الأكثر ملائمة وتمكينا لسعادة الإنسان ورفاهيته ،محققة بذلك خطوة على درب التقدم الإنساني نحو مثله العليا التي ستظل دائما وأبدا زاخرة بالجديد الذي يغري بالتقدم ...
وقد اعتبر عمارة أن الإسلام عندما ظهر في شبه الجزيرة العربية ،في جوانبه المختلفة، كان أول ثورة كبرى ،وأعظم ثورة في التراث الحضاري للعرب والمسلمين ..

وفي نهاية الكتاب يخلص المؤلف إلى النتيجة التالية : "أن الفكر الإسلامي قد اجتمع وأجمع أعلامه ،في عصوره المبكرة ،على الانحياز للثورة كسبيل من سبل التغيير ،ولقد حدث ذلك عندما كان هؤلاء الأعلام ينطلقون من المصادر الأولية والجوهرية النقية للدين ومن تجربة الخلفاء الراشدين في الحكم على أساس من الشورى والاختيار ..فلما عرفت النظم الاستبدادية غير الشورية طريقها إلى واقع المسلمين ،وغلب الطابع الاستبدادي على تاريخ الحكم الإسلامي،أصبح هذا الواقع الشاذ لغلبته واستمراريته مصدرا من مصادر الفكر لدى تيار من مفكري الإسلام ...إن الانحياز للثورة في الفكر العربي الإسلامي أصيل أصالة فكرنا العربي الإسلامي ...كما أن العداء للثورة في هذا الفكر طارىء وغريب ، طارىء لأنه نبت للاستبداد السياسي الذي أصاب واقع هذه الأمة بعد دولة الخلفاء الراشدين ،وغريب لأنه بكل المقاييس لايتسق مع روح الإسلام ،ونزوع الإنسان العربي إلى مقاومة الظلم ورفض الخضوع للاستبداد والمستبدين .

وفي مقدمة كتابه مسلمون ثوار يقول :ففي هذا الكتاب نقدم " الإسلام :الثورة" ،لا كفكر نظري مجرد ،يمكن أن يختلف عليه البعض ..وإنما نقدم " الإسلام :الثورة " واقعا تجسد في مسيرة هذا الدين وواقع الذين آمنوا به عبر تاريخه الطويل والعريق ..ففي مختلف الميادين التي بَرَز َوبَرًز َفيها هؤلاء الأعلام الذين يقدمهم هذا الكتاب ،كانت حياتهم وإنجازاتهم –الفكرية والعملية-المصداق والتجسيد لثورة الإسلام ضد "الجمود "و"الرجعية" و"الخرافة " و"ضيق الأفق " و"الظلم الاجتماعي "و "الاستبداد ".....إلى آخر القيود التي تطمس الطاقات الحلاقة التي وهبها الله ،سبحانه للإنسان ..ذلك" الجرم الصغير"الذي انطوى فيه " العالم الكبير"،كما قال - بحق – أسلافنا العظام .

على أنا لو نظرنا إلى أعلام هذا الكتاب لوجدنا في طريقة العنونة لهم ما يدلل على مذهب المؤلف الفكري في هذا الموضوع ،فنجد مثلا :
أبو ذر الغفاري –انتفاضة العدالة الاجتماعية
علي بن أبي طالب –ثورة الفكر الاجتماعي للإسلام
العز بن عبد السلام- ضد الخرافة والظلم والجمود
جمال الدين الأفغاني –ثورة البعث والإحياء
رشيد رضا –التجديد بالمأثور .

وفي مؤلفاته عن عظماء الإسلام لم يغفل هذا الجانب ،فنراه عندما يترجم( مثلا) لعمر بن عبد العزيز يقول :...لم تكن التقوى عند عمر بن عبد العزيز :صلاة أكثر وصوما أدوم ومسبحة أطول، وإدارة ظهر للدنيا ومشكلات الحياة ،بل كانت أول ما كانت جهادا في سبيل إزالة الظلم، ونزع الثروات والثراء من أيدي المغتصبين وردها إلى الأمة ..كانت في إيجاز حمل هموم الأمة ،والجهاد كي يسود العدل بين الناس ...

ولقد أصاب المؤرخون كبد الحقيقة عندما قالوا :أن هذه الثورة الاجتماعية –(رد المظالم) – كانت هي المهمة الأولى والأساسية والكبرى لخلافة الخليفة عمر بن عبد العزيز ..فلقد قالوا: "إنه ما زال يرد المظالم منذ يوم استخلف إلى يوم مات!" أي أن ثورته وثوريته لم تعرف الفتور يوما ولم يصبها الانحراف عن طريقها القويم .
وبهذا ندرك مدى اهتمام د.محمد عمارة بفكر الثورة واعتباره طريقا للتغيير في سبيل إحداث نهضة شاملة للأمة .

فكره في الجهاد :

" الجهاد هو سياج حماية الدعوة الإسلامية ،وصيانة حريتها وحرية أهلها ،والسبيل إلى الحفاظ على حرية وعزة أمة الإسلام واستقلال ديار الإسلام ،وأداة ردع قوى العدوان التي تهدد حرية الدعوة والأمة والديار .." هذه الكلمات التي افتتح بها د.محمد عمارة موضوع الجهاد في كتابه ( هل الإسلام هو الحل؟ ) فهل له رأي خاص بموضوع الجهاد ؟هذا ما سنراه من خلال أقواله ، يقول د.محمد عمارة:

•لقد جاء القرآن الكريم ،على عكس كل الفلسفات والنظريات ومدارس التحليل النفسي والاجتماعي ، التي رأت في القتال والعنف والحرب غريزة أصلية ولصيقة بالإنسان ،وثابتا أزليا وأبديا من ثوابت النفس الإنسانية ..جاء القرآن على العكس من ذلك كله –ليقرر أن القتال إنسانيا ودينيا أمر مكروه وطارىء ،واستثناء تفرضه الضرورات ..فإذا حدث وفرضت الضرورات هذا الاستثناء الطارىء فإن مثله كمثل الجراحات الضرورية والمكروهة ،لا يخلو من خير إذا كانت مقاصده خيّرة ،وإذا دفع فسادا أكثر وأرجح ، وإذا وقف عند القدر الذي تحتمه الضرورات ، وإذا ضبطت ممارساته بالشمائل والأخلاقيات الإنسانية والشرعية التي لا بد وأن تتحلى بها فروسية هذا القتال ..

•ويتحدث عن تاريخ فرض الجهاد فيقول :وبعد أن هاجر الرسول ،عليه الصلاة والسلام، "أذن" الله- مجرد إذن-لهم في القتال وهو لم يأذن لهم في القتال ليكون وسيلة لفرض العقيدة والإيمان لأن ذلك مستحيل ،وإنما أذن لهم في ذلك سياسة يردون بها على الظلم الذي لحقهم، والذي تمثل في التضييق الشديد على دعوتهم والفتنة للمستضعفين منهم عن دينهم _والفتنة أشد من القتل _ وأيضا _وذلك هام ومهم _كحرب وطنية ضد أولئك الذين اقتلعوهم من ترابهم وأجبروهم على الهجرة من موطنهم الأصلي :مكة المكرمة ...ونحن نلحظ تركيز القرآن على هذا الجانب الوطني من جوانب الصراع المسلح الذي قام بين المسلمين والمشركين _يذكره دائما كسبب هام من أسباب شرعية القتال ،ويذكر به المسلمين كي يثير حماسهم للقتال،بل ويستفزهم به، يستفزهم لملاقاة الأعداء الذين أخرجوهم من الديار وسلبوا منهم حقهم الطبيعي والمقدس في العيش بالوطن الذي ولدوا وشبوا فيه !..

وفي سؤال له حول ما يدعيه بعض المستشرقين بأن الإسلام انتشر بحد السيف أجاب عمارة : لقد اختبرت هذه المقولة وجمعت كتب الغزوات التي بلغ عددها 70 غزوة، وهذا العدد قد يوحي بوجود عنف ولكني أحصيت عدد الذين قتلوا في تلك الغزوات من المسلمين وغير المسلمين فبلغ عددهم نحو 386 قتيلا، وهذا العدد ضئيل للغاية إذا ما قارناه بالحروب الدينية في أوربا، بين البروتستانت والكاثوليك والتي ذكر هنري كيسنجر أنها أبادت نحو 40% من شعوب وسط أوربا في أقل من قرن، في حين اكتسح الإسلام الشرق وظهر على جميع الأديان بحوالي 386 قتيلا فقط، فمعارك المسلمين لم تكن إلا ضد الفرس والروم وهي قوى محتلة مستعمرة ومهيمنة، ولم يحدث قتال بين المسلمين وبين شعوب البلاد التي كانوا يحتلونها، بل إن نصارى الشام حاربوا مع جيش أبي عبيدة بن الجراح، وكذلك حارب العرب المجوس مع خالد بن الوليد والمثنى بن حارثة، فالسيف في الإسلام كان ضد المستعمر، وعندما انتشر الإسلام أقام دولة ولم يقم ديناً.

فالسيف لم يكن لنشر الإسلام وإنما كان لتحرير الإرادة لتختار الشعوب ما تريد، وقد فتح المسلمون مصر ولم يدخل المصريون الإسلام إلا بعد 200 سنة بقناعتهم ودون إجبار من أحد، وقد فتح المسلمون خلال 80 عاماً أكثر مما فتحه الرومان خلال 8 قرون، لأن الجيل الذي قام بالفتوحات صنعه رسول الله صلى الله عليه وسلم على يديه، فكان يقاتل من أجل هداية الناس وتحرير إرادتهم وليس من أجل سفك الدماء أو إجبارهم على اعتناق ما لا يريدون.

وقد صرح د.عمارة بأنه ضد الحروب الدينية بقوله : ..صحيح نحن ضد الحروب الدينية لكنها موجودة وتمارس ضد المسلمين،مثلما نحن ضد الحروب بصفة عامة إلا أن ذلك لا يلغي وجودها بل ويفرض علينا القتال كما يقول الله في القرآن "كتب عليكم القتال كما كتب على الذين من قبلكم" فالمسلمين لا يريدون أن يقاتلوا إلا إذا اعتدي عليهم أو على دينهم..هناك فارق دون شك بين ما نريد وما هو واقع وموجود..

هذا هو رأي د. عمارة في موضوع الجهاد ،وباختصار فهو يرى أن القتال استثناء تفرضه الضرورات ،وسياسة يرد بها الظلم ،وحرب وطنية ضد أولئك الذين اقتلعوهم من ترابهم،ومعارك المسلمين لم تكن إلا ضد الفرس والروم ...فهل يمثل رأيه رأي الإسلام في هذا الموضوع أم هو رأي خاص يتناسب مع ما يدعو إليه من وسطية ؟
نُشر مقال في (موقع المختصر للأخبار) بتاريخ 11/3 /2005 - بعنوان من يدافع عن الإسلام ...جاء فيه :

الإسلام في هذا العصر ربما لا يشكو من نقص في أعداد المدافعين عنه والمتحدثين باسمه... بقدر ما يشكو من الأعداد الكبيرة من المحامين الفاشلين الذين يتسلحون بحجج ومنطق ضعيف، وما أنصف الإسلامَ من دافع عنه بحجة ضعيفة كما يقول "ابن تيمية". ولكن المشكلة الكبرى التي يلمسها المراقب ليست في الفشل في الدفاع عن الإسلام فقط وإنما تحول الجهود الضخمة من عدد من المتبرعين بحسن نية إلى عبء يخلق مشكلات علمية إضافية وتجعل كل قضية تسير باتجاه التضخم السلبي وتشيع حالة من التعقيد والتداخل في المفاهيم، وتفلت المعايير تضيع معه حقيقة الإسلام، تبدو معها مهمة الفرد المسلم العادي لاستيعاب حقيقة الدين دون تحيز مخل لفئة أو تيار أو بيئة اجتماعية أشبه بالمستحيل... فكيف بالآخر غير المسلم؟! لهذا فإن تنقية الإسلام من المفاهيم الخاطئة والدفاع عنه مهمة لا تبدو سهلة مع التعقيدات المتزايدة للحياة المعاصرة وعدم شيوع معايير علمية دقيقة تفصل بين الرأي الشخصي والرأي الذي يمثل الإسلام حقيقة...

ننتقل[الآن] لعرض المشكلة في سياق آخر في كيفية تحديد أو من يملك الرأي المعبر عن حقيقة الإسلام خاصة في قضايا علمية لها علاقة بالآخر والخطأ في فهمها مكلف جداً على الأمة ويؤدي إلى تشويش رؤية الآخرين للإسلام. الطرح العاطفي ودعوى الاعتدال ليس كافياً في التعامل مع القضايا ما لم تكن هناك قدرة على تصور طبيعة المشكلة علمياً ففي موضوع الجهاد مثلاً وهو من أعقد القضايا التي تواجه الفكر الإسلامي في هذا العصر لأنها تجمع بين التعقيد النظري والعملي مما يجعل مساحة الخطأ في هذا الموضوع عالية ومكلفة، خاصة مع ظهور كون جديد في أنظمته وروابطه بعيد جداً عن الظروف التي نشأ فيها التراث الفقهي حول هذه المسألة والتي تراكمت عبر قرون مما يحتاج معه لوقفة مطولة من الباحثين تمنع العبث بهذا المفهوم، لأنه يحدد علاقتنا بالآخر فمن يمثل رأيه الإسلام في هذا الجانب ؟

د. محمد عمارة كان ضيفاً على برنامج الشريعة والحياة في الأسبوع الماضي واتهم الغرب بأنه يسلط الضوء على الجزئيات الصغيرة ويريد تضخيمها لتشويه مجمل الإسلام في معرض حديثه عن القتال في الإسلام وقال: إنه انتقد المودودي وسيد قطب لأكثر من 20 سنة لأن لهما رأيا مخالفا له في هذا الموضوع. هل الغرب فعلاً متحامل وضخم أفكار المودودي وقطب أم إن لهما فعلاً حضورا داخل الحركات الإسلامية يفوق حضور أفكار عمارة ومن يوافقه الرأي من المفكرين الذين كرر في البرنامج كثيراً أنهم يمثلون الوسطية والاعتدال وأن الغرب يتجاهلهم. أظن الضيف الفاضل يغالط نفسه هنا ويريد إسقاط الإشكال على الغرب وهذا نوع من الهروب من مواجهة المسألة علمياً وواقعياً بموضوعية بعيداً عن الحماس والطرح العاطفي. والموضوعية العلمية تفرض علينا أن نقول إن آراء المودودي وقطب في هذه المسألة أقرب للرأي المشهور فقهياً وهي ليست أفكاراً خاصة بهما كما يحاول تصويره عمارة هنا. إننا في الواقع نواجه مشكلة ضبط علمي لمساحة وطبيعة الخطأ عند كل فريق ومن يتحفظون ويخالفون أفكار المودودي وقطب تبدو مشكلتهم أنهم لا يملكون تصوراً عن طبيعة وأسباب التوتر الذي تحمله أفكارهما. إن خطورة أفكارهما خاصة عند قطب أنهما يقدمان خلاصة أفكار إسلامية قد لا تكون أخطاء بذاتها ولكن سياق عرضها يبدو فيه شيء من التعالي على مشكلات الواقع وتعقيداته. إنه إسلام بلا صداع وأوجاع معرفية وفقهية يغري الفئة المتحمسة من الشباب ويحلق بهم في واقع لن يجدوه أبداً في المجتمع الإنساني ومن لا يمتلك أرضية فقهية شرعية وشيئا من العمق المتصور لإشكاليات الواقع تدعمه رؤى فلسفية في السياسة والاجتماع يتضرر من أفكارهما لأن فائدتها تنصب على بث الحماس وإعادة الثقة في الإسلام... لكنها لا تسعف في الواقع ومشكلاته كثيراً... إن دورها صنع التوتر الذي قد يكون إيجابياً عندما يصحبها قدر من الفقه والعقلانية في التعامل مع المتغيرات وقد يكون كارثياً مدمراً للمجتمع عند التحليق مع أطروحاتهما دون فقه وتعقل باسم الدفاع عن الإسلام!.
هذا هو رأي عمارة وذاك هو رأي غيره ،فمن يا ترى رأيه يمثل رأي الإسلام حقيقة ؟

فكره في العلاقة مع الآخر :(التعددية )

يرى د.محمد عمارة أن الرؤية الإسلامية العقدية والفكرية –والتي تجسدت في تاريخنا الحضاري واقعا معاشا عبر القرون –ترى أن الأصل والسنة والقاعدة والقانون ،هو التنوع والتمايز والاختلاف ..فالواحدية والأحدية فقط للذات الإلهية ومن عدا وما عدا الذات الإلهية يقوم على التعدد والاختلاف ..ذلك هو القانون التكويني الذي يسود ويحكم كل عوالم المخلوقات ،في الإنسان ..والحيوان ..والنبات ..والجماد ..وفي الأفكار والفلسفات "الأيديولوجيات" وفي الشرائع والملل والديانات.

وفي تعريفه للتعددية يقول "التعددية ":تنوع ،مؤسس على "تميز ..وخصوصية ".. ولذلك فهي لا يمكن أن توجد وتتأتى –بل ولا حتى تُتَصور –إلا في إطار "الوحدة ..والجامع"
..ولذلك لا يمكن إطلاق " التعددية " على" التشرذم " و"القطيعة "اللذين لا جامع لآحادهما ، ولا على "التمزق " الذي انعدمت العلاقة بين وحداته –وأيضا لا يمكن إطلاق "التعددية " على "الواحدية "التي لا أجزاء لها..
والتعددية ،ككل الظواهر والمذاهب الفكرية ،لها "وسط- عدل-متوازن "،ولها طرفا "غلو"، أحدهما "إفراط " والآخر "تفريط "..و "وسطها –العدل –المتوازن "وهو الذي يراعي العلاقة بين "التميز..والتنوع ..والتعدد" وبين "الجامع ..والربط ..والوحدة "،بينما يمثل التشرذم "غلو القطيعة والتنافر " الذي لا جامع له ..كما تمثل "الوحدة "،المنكرة للخصوصية، "غلو القهر "المانع من تميز الفرقاء واختصاصها ..

فإقامة العلاقات الدولية بين الأمم والشعوب والدول والحضارات على قاعدة المساواة في الكرامة، والعدالة في تبادل المنافع وفق الرؤية الإسلامية هو امتثال لحكم الله، فالتكريم الإلهي هو لبنى آدم وليس لشعب أو جنس،ولا حتى لأبناء دين معين.
"ليست للإسلام وأمته وحضارته وعالمه مشكلة مع علاقات دولية عادلة ونظام عالمي رشيد..بل إن مشاركة المسلمين في إقامة هذه العلاقات الدولية العادلة والنظام العالمي الرشيد هو تكليف إلهي فرضه الله، سبحانه وتعالى، على المسلمين..
فالتعددية في الشرائع - ومن ثم في الحضارات-..وفي اللغات والألوان - أي القوميات والأجناس -.. وفي القبائل والأمم والشعوب..هذه التعددية - بالنص القرآني ..وفي التصور الإسلامي - سنة إلهية وقضاء تكويني لا تبديل له ولا تحويل...

وإقامة العلاقات بين فرقاء هذه التعددية "بالمعروف"، ووفق (ما يتعارف عليه الناس)". ..هو التكليف الإلهي بإقامة العلاقات مع الآخرين..
"ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفين* إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم" (سورة هود 118 -119)...

إذا فالتعددية هي الأصل والقاعدة والقانون ..والعالم يجب أن يكون" منتدى حضارات" لا حضارة واحدة تصارع وتصرع غيرها .
وينتقد د.عمارة كتابات كل من سيد قطب والمودودي في هذا الموضوع فيقول :أنا أؤمن أن في كتابات سيد قطب وفي كتابات المودودي ومن جاء بعده كلاما مغلوطا حول قضية التعددية ،تصورا أن ظهور الإسلام على الدين كله يعني حلول الإسلام محل الديانات الأخرى، وهذا ليس صحيحا ..وأنا أرى أن ظهور الإسلام على الدين كله يعني ظهور "الحلول الإسلامية "و"البدائل الإسلامية "في الحضارة والتقدم ...

وسئل كيف نتعامل مع الآخر وما هو الخطاب الأمثل الذي يجب أن نتحدث به؟ فأجاب :-نحن مطالبون بتبليغ الدعوة وإقامة الحجة وإزالة الشبهة ،كما أننا في حاجة إلى تقديم الإسلام بشكل منظم وموضوعي ،لذلك أقترح عمل مشروع ألف كتاب إسلامي ،ويتم اختيار هذه الكتب من فكر الإحياء والاستنارة على مدى القرنين الماضيين بحيث تكون مكتبة تستطيع أن تجيب على علامات الاستفهام والأسئلة التي تملأ الفراغات الموجودة سواء كانت في العقيدة أو السيرة والسنة .

ومن جهة أخرى فالإسلام (كما يرى عمارة ) لا يضع كل عالم الكفر في سلة واحدة ، ولا في مرتبة واحدة ،وإنما يميز بين المشركين وبين أهل الكتاب ،ولا يضع المشركين جميعا في سلة واحدة ,وإنما يميز بين المحاربين منهم وبين المعاهدين ...ف"ليسوا سواء ..." (سورة آل عمران -113 )هو عنوان المنهاج الإسلامي في هذا المقام .

وفي كتابه الإسلام والوحدة القومية يقول :إن استبعاد الطائفية والشقاق الديني من صفوف الأمة الواحدة والقومية المتحدة لا يعني انتفاء الخلافات والتناقضات بين الشرائع الدينية لأبناء هذه الأمة ،ولكنه يعني إقرار حقيقة : إنها أمة واحدة ،تضع الخلافات الدينية والتناقضات المذهبية في إطارها وحجمها ،وتعالجها ، كما تعالج سائر خلافاتها بالحوار ، حوار الحكمة والموعظة الحسنة ،اللائق بأبناء أمة جعل الله " المودة والرحمة " طابع العلاقة بين أبنائها . وجعل بعضهم " سكنا "يسكن إليه البعض الآخر ،رغم اختلاف المذاهب والشرائع الدينية .

الخلاصة :

و بعد عرض هذه الصفحات عن الدكتور محمد عمارة ،والتي ظهرت فيها طريقة تفكيره _بشكل جلي _ من خلال ذكر طائفة من أقواله ، نخلص إلى النتائج التالية :

1. المفكر_ كما وصفه محمد عباس_" موسوعة فلسفية وتاريخية وإسلامية تكتسح كل من يقف أمامها من العلمانيين والتغريبيين الملحدين " فقد ألف الكتب والدراسات الكثيرة ،وحقق الكثير من الأعمال ،وله مقالات كثيرة ومتنوعة على صفحات الإنترنت ،وغيرها .

2. ينتمي عمارة إلى المدرسة الوسطية التي عبر عنها بقوله :وسطية جامعة تجمع بين عناصر الحق والعدل من الأقطاب المتقابلة فتكوّن موقفا جديدا مغايرا للقطبين المختلفين .فنجده في كثير من القضايا يوازن بين طرفين متوازيين ،مثل أن يذكر تنوير إسلامي في مقابلة تنوير غربي وضعي ،ودعاة التغريب في مقابلة أنصار الجمود ...

3. وبناء عليه :يكثر في كتاباته من استخدام مصطلحي : (غلو الإفراط )و(غلو التفريط ) ويقصد بالإفراط الوقوف عند ظواهر النصوص والمأثورات ،ويسميهم أحيانا تيار الجمود والتقليد، ويقصد بغلو التفريط الانحياز للعقل وحده دون النصوص والمأثورات، ويقوم هو بدوره في نقد هذين التيارين ،ليصل إلى رأي يمثل الوسط في كل موضوع من المواضيع المطروحة .

4. اتسمت كتاباته بوجهات نظر تجديدية وإحيائية في سبيل الإسهام في حل المشكلات الفكرية ، ومحاولة تقديم مشروع حضاري نهضوي للأمة العربية والإسلامية ،ويأمل أن تتحقق أغراض وأهداف ( التيار السلفي العقلاني المستنير) _كما يسميه في أكثر من مكان _ الذي قاده جمال الدين الأفغاني .

5. يكثر في كتاباته من ذكر مصطلح العقلانية ،والذي أصبح عنوانا لمذهب فكرىٍّ يرى في فعل التعقل مفتاحاً لحل مشكلات الإنسان مع الإنسان والكون ..وقد تكون هذه الكثرة لاستخدامات هذا المصطلح ومشتقاته جاء نتيجة لتأثره بالفكر المعتزلي في فترة من حياته .

هذه خلاصة أفكار الدكتور محمد عمارة التي عرضتها من خلال هذا البحث ،فإن أخطأت فمن نفسي ،وإن أصبت فمن الله ،وهو الموفق ، والهادي إلى سواء الصراط . .


فايزة أحمد سليم

كاتبة فلسطينية مواليد القدس عام 1966

من نفس المؤلف