الخميس ١٣ نيسان (أبريل) ٢٠٠٦
بقلم رابح خدوســي

احتراق العصافير - القسم الأول من ثلاثة

الاهداء: إلى والدي الكريمين مع حبي وتقديري وعرفاني...

الشارع الطويل يخترق المدينة... الساحة فسيحة كليالى الصيف، الممرات تكبر... تحمل في جوفها هموم الرياح المحتوية آلاف الآهات... أعمدة الكهرباء ترتعش من البرودة التي حملها التيار عبر المياه والأوحال،،، شرفات المنازل تبكي أيامها،، مضت ألف ليلة وليلة وصفير الحبال لم ينقطع،، الأفاعي تمزج لعابها في الدواء لعلاج الطاعون الذي استبد بالطلول الحالمة، المحترقة ضمأ...
أبواب الدكاكين موصودة كتب عليها بالشمع الأحمر(ممنوع البيع ما عدا في المناسبات وأيام الحصاد وليالي الشتاء....).

شقوق الجدران في مناجاة.... تخاطب بعضها بالزفرات وأبناء الحجارة يهتفون... القدس...والهلال...
- عمي يا سين، عمي يا سين.
يلتفت الشيخ نحو مبعث الصوت وعيناه على نهاية عصاه.
- عمي ياسين، ماهي الأخبار؟
ينظر الشيخ ياسين متفقدا المكان ثم يقول:
-  الأرض تدور...والتفاح يزهر..
ويواصل سيره بين الأزقة... في الدرب المتواصل فيلاحقه صوت آخر:
-  عمي ياسين، زوّدنا بالليمون والمقابل كالعادة.
اهتزت الأرصفة واصطك الزجاج والأسنان لاقتراب الأزيز، فجثا الشيخ ياسين على ركبتيه ينظر إلى السماء،،، وتمر عربة تتبعها فرقة عليها خوذ كنكع الأمانيت(1). الحي يصدع بالنباح والمصابيح يخنقها الدخان الأزرق...
احتضنت الأمهات الصبيان، وصلى الأطفال مردّدين دعوات الرحمة على شهداء الفداء وعلى الشيخ ياسين،،

ويحل الظلام ممزوجا بالصقيع الأحمر، فتعتزل عائلة ياسين الكلام،، ويرسل الفلاح إلى بستانه نفحات...
- "أيتها الجذور المتربة، هل حان ميعاد الحمل... لقد صنعوا من فروعك التوابيت، هل حان ميعاد الحمل؟".
وتمتد الجذور لتخترق القبور، في المنافى والشواطئ فيرتاح الفلاح ويتمدد على حصيره المتآكل الأطراف...

يرضع الصبي حليبا أحمر من صدر أمه المنتفخ فتجحظ عيناه وينتفض على ثيابها الممزقة ،ثم يعلن كل الأطفال الذين شاركوه في حب أمه.
وتسكن الفتاة في الزاوية الشرقية للغرفة تكمل حياكة الصدار الذي وعدت به خطيبها الفدائي...
يتلعثم الصبي في سؤاله:
- أبي، أبي أين جدي...أين جدي؟؟
وتلتقي الأنظار والمآقي، يتناسى الفلاح السؤال ويتذكر الحقل والأشجار والعصافير المعشعشة، التي فضّلت الاحتراق على فراق فراخها، والرصاصات التي اخترقت خلية النحل المركزة على جذع شجرة الزيتون،،

وتضم دلال أخاها "وائل" ويدها تمسح عن خده المخاط الجاف، أحس الصبي وائل بمتعة ،وامتدت أنامله تتحسس كفيها، كانت يده كالعصفور الصغير بين كفيها الناعمتين، تذكرت خطيبها والرعشة الشاملة التي اعترتها عندما مسك بيديها مودعا.
تطفأ الأضواء قبل موعدها المحدد لتستسلم للدجى الحالك الذي اقتحم المدينة دون استئذان، ثم يُطرق الباب بعد منتصف الليل بشدة،،، فيصرخ الصبي هلعا ويلتصق بجسم أمه يريد العودة إلى أحشائها.
وتهتز الباب مرة أخرى فيتأكد صاحب الدار أن (شهريار) في الانتظار، تمرّ في مخيلته صورة دلال باكية وهي تقول:
- "أبي العزيز، لا تتركني للأنذال، لقد وعدت خطيبي بالصدار.. إنه العلم الوطني،،، لا تتركهم يمزقونه"
حطموا الباب داخلين تسبقهم الأضواء الكاشفة، وأرعد الأول:
-  لماذا لا تفتح الباب؟
-  لأنكم غرباء...
تقدم الثاني تسبقه فوهة المسدس:
- أين ابنتك يا ابن ياسين؟
عند خالتها.
- لا تراوغ... واختر بين أمرين ابنتك أوحياتك؟
يقف الرجل منتصبا يخاطب الثلاثة:
- لقد دستم كرامة وطني وأنا صغير ،واليوم لن تتمكنوا من طعن شرفي مادمت واقفا على رجلاي.
قال الثالث والشرر يتطاير من عينيه:
-  ستندم أيها الـ...
قاطعة:
-  أرحب بكل ندم على أن لا أبيع ابنتي
للجزارين في سوق الليل...بل انتم ستندمون.
قهقه قائدهم قائلا:
-  لقد بعنا المسيح بقطع من الذهب ولم
نندم،،، هيا فتشا المنزل.
-  أحس صاحب الدار برائحة العصافير في
احتراقها، وتمنى من الأرض أن تبتلعه قبل رؤية ابنته دلال تذبح في فراشها الطاهر...
اندفع الجنديان إلى غرفة دلال في وحشية، صادفهما تيار الهواء البارد المنبعث من النافذة،، تسمّرت أرجلهم في أرض الغرفة،، كان الفراش الدافئ خاليا والنافذة مفتوحة عن آخرها.
أتقدت نار الخيبة في أعينهم فبحثوا عن سبل الإطفاء... وأمسك الصبي عن البكاء في الهزيع الأخير من الليل واستسلم للكرى يتوسط جثتي والديه الباردتين.

وجاء فجر الشهر الثامن بعد الحادث والمؤذن يبشر بعودة شيخ المدينة ياسين، فقامت المدينة لتراه بلحيته وعباءته البيضاوين والسبحة البنية المعلقة في ذراعه.

تكلّم كثيرا على غير عادته، عن الحب والإنجاب، والليمون و الزيتون... ثم أخرج صدارا صوفيا وألبسه لطفل صغير كان جالسا قرب الإمام، قائلا:

-  أشهدوا لقد بلّغت أمانة الشهيدة (دلال) وأهديت
الصدار ّأول طفل صادفني.
قالوا الكثير الكثير من البطلة (دلال) وعمليتها الجريئة ضد الأعداء، ولم ينتبهوا إلى الدمعتين الكبيرتين اللتين كانتا تغادران عيني الطفل (وائل) وتسقطان على المثلث الأحمر الذي يتوسط الصدار.

العودة إلى الذات

كانت كمية القهوة تقل في الفنجان شيئا فشيئا، الفقاعات تطفو على سطحها كأنها أمواج في بحيرة ضيقة، تضطرب كلما لامست شاربيه، فتبتل شفتاه وأسنانه، وتستمد ملامحه من لونها الفاحم القدرة على التأمل والتفكير في أيامه السالفة وكم سكب خلالها من قهوة في وعائه.

كرر قوله عدة مرات:
-  شربت نهرا من القهوة ولم أصل إلى فكرة
واحدة تريحني في هذه الحياة.
الأحلام تحترق في ذاكرته احتراق السيجارة أمام منخاريه الواسعين، يتحدى المرئيات ويراهن الزمن، ثم يبتسم في حسرة، تسرى حرارة الابتسامة في أوصال زوجته فتخاطبه:
- هذه المدينة يا علي (اخدم بكري ولا روح تكري).
ينظر إليها نظرة بلهاء قائلا في نفسه:
- لويزة زوجتي أصبحت منذ أسبوع فقط من سكان الحضر، تتنفس هواءهم في صمت، وكأنها عاشرت المدن منذ هجرة آدم وحواء إلى الأرض...!
-  كيف حال البنت حليمة؟
-  هي أمامك في الفراش، لم تنخفض درجة
الحرارة عندها، مسكينة كادت أن تلفظ أنفاسها أثناء الليل؟
ويسألها الأدب منزعجا:
-  هل كانت حالتها خطيرة إلى هذه الدرجة؟.
-  لا، ليس بسبب المرض، رأس أخيها عاشور
الذي توسّد صدرها مدة من الليل.
يتنفس الأدب الصعداء وعيناه تنتقلان بين أبنائه النائمين على أرض الغرفة، ثم يقول متنهدا:
-  العائلة كبرت يا لويزة ،والغرفة ضاقت.
وترد عليه زوجته في دلال مقصود:
-  وستكبر أكثر، ثم إلى متى ونحن كالسمك
المصبّر، لقد آن الأوان لتفعل ما فعل جارك...
سأل منفعلا:
-  ماذا فعل أيتها المرأة؟
-  ألا ترى الفيلا والسيارة ووو...؟
قال لها زوجها:
- لا تنسي يا لويزة أن جارنا من مجاهدي حرب التحرير.
-  وأنت ألست مجاهدا؟
سأل علي نفسه وذكريات الثورة تمر أمامه:
-  أين هم المجاهدون الذين كانوا يترددون على البيت طيلة الحرب، الذين جاؤوا أول مرة إلى قريتنا وقالوا: إننا نحارب الكفار من أجل العيش في ظل الكرامة والحرية، هل استشهدوا جميعا؟ غير معقول، إنهم كثيرون، ما هذه التناقضات التي أراها تنبت على صدر أمتي، أين هي العدالة الاجتماعية التي تمناها كل شهيد قبل وفاته،،،
كرّرت سؤالها؟
- ألست مجاهدا، ألم تكن ممن حملوا الثورة على أكتافهم؟
- ليست لي وثيقة تثبت ذلك يا زوجتي العزيزة.
- ومعارفك القديمة؟
- آه منك ومن أسئلتك التافهة المتكررة،،، قلت لك مرارا: اصبرى وصابري ،لقد كوّنت ملفا للانضمام إلى صفوف المجاهدين في سبيل الحق.
قالت لويزة مستبشرة:
-  إذا سنشتري سيارة ونسكن "فيلا" مع حديقة عن قريب.
-  إنشاء الله، وإن لم يكن ذلك فسيعوضنا الله خيرا منه في الجنة.
ركّزت بصرها في عينيه مخاطبة إياهما في صمت، ثم ما لبث لسانها أن تحرك قائلا:
-  اليوم الاثنين، هل نسيت السوق الأسبوعي؟ لقدأصبح قريبا منك الآن

(سامحني،، ما بك؟ ألا ترى؟ زد، إلى الأمام،،) كانت هذه الكلمات تخترق مسمعيه كلما امتدت خطاه نحو ساحة السوق، استعذبها وحشر نفسه في (كرنفال) من الأمواج البشرية، رأى نفسه صغيرا صغيرًا..
الدروب كثيرة وعباد الله أكثر، دفعته الأجسام المزدحمة إلى الاقتراب من أول صوت ينادي في مدخل السوق الأسبوعي:
-  (لكل داء دواء، هذا قرص يسكت الضرس، جرب، جرب بلا فلس).
فرح علي وقال يحدث نفسه:
-  هكذا يا شاطر، عالج مجانا حتى في السوق،
رغم انعدام المرض.
تحرك إلى اليمين ثم إلى اليسار وقال:
-  لأرى هذه المجموعة حول ماذا تلتف، ألقى
السلام فلم يلق ردا لأن الجمع كان منشغلا في رؤية المشهد الثاني من مسرحية سوقية واقعية.
(الأشخاص....مجموعة من الشباب).
-  قلت له، هيا أعد الساعة إلى مكانها.
-  ألم تصدق، قلت لك بأنني أعدتها منذ حين.
-  انزل بها من السماء، انتظر،،(يحاول تفتيشه)
-  ، ليس من حقك تفتيشي، من تكون أنت؟
هز علي رأسه قائلا في حسرة:
- أطفال اليابان عندما يلعبون يصنعون الساعات
الالكترونية وشبابنا يتعاركون من أجلها.
النداءات تدعوه من كل صوب كأنها إذاعات التبشير العالمية...
- الحوت موجود إذن البحر قريب.
قال علي العبارة السابقة في بلاهة عجيبة، ثم أردف سائلا في تعجب:
- لكن من أين تتغذى هذه المخلوقات البشرية؟ أين تعمل كلها؟
الحمد لله لست البطّال الوحيد، لكن النقود كيف يحصلون عليها يا ترى؟ أرى الأمواج البشرية في كل شارع تزاحم العمران ،وكأن أهل هذه البلاد في استقالة جماعية، أو أنهم يشيعون جنازة ميت اسمه العمل...!

أه، لو يعلمون بأن العمل شرف وعبادة لتحققت المعجزة.
تقدّم منه طفل في سن ابنه:
- عمي، كيس، كيس بدينارين فقط.
نافسه طفل آخر:
-  كيسي هذا أجود الأكياس، يحمل كثيرا من الأشياء.
-  أشار علي بيده قائلا:
-  لا،، لا أريد.
وجد نفسه في مهرجان جديد، في سوق الخضر، صراخ كصراخ الموتى يوم البعث ،بدأ العرق يتصبّب من جبينه على شعر لحيته الظريفة، ، امتلأ شهيقه بالغبار الممزوج بدخان احتراق البنزين في محركات السيارات، أحسّ بأنه في بداية الاختناق.. اشرأبّ عنقه يبحث عن شيء ما،ثم توجه مسرعا يشق الصفوف ويقتحم الأكتاف في حركة غريبة حتى وصل إلى مكان خال من وطأة المشاة، وجد كهلا يتربع على حصير فتذكر وصية ابنه قبل يومين:
- أبى، اشتر لي كتابا عندما تزور سوق الكتب...
فقال للكهل:

-  أعطني كتابا لطفل في السنة الأولى.
سلّم له بائع الكتب كتيبا صغيرا أصفراللون، كان عنوانه(قرعة الأنبياء).
-  امتقع لون وجه علي فأعاد الكتيب لصاحبه ويده تبحث في جيوبه عن شيء قد أفل، كرّ راجعا من حيث أتى، ينظر في الأرض المغطاة بالأقدام وإلى الوجوه فيراهاوكأنها مغطاة بلباس التهمة، كان يقول في نفسه:
-  هذا، لا، هذا سرق دارهمي، لا هو ...
عاد إلى كل مكان مرّ به، لم يعثر على شيء، استوقف انتباهه شيخ ذو لحية كثّة ،عليه ثياب بالية، يمشي في هدوء مشيرا بعصاه إلى الباعة ولسانه يردد
في صوت جنوني :
- (جاءتك يا تارك الصلاة، جاءتك الموت يا...)
شعر علي بالغربة ثم سارع إلى تنفيذ فكرة خطرت على باله:
جلس أمامها القرفصاء، ونظر نحو يدها التي كانت تحمل سبحة صغيرة، بنية اللون، أحلامه تتراصف في مخيلته تراصف حبات السبحة في الخيط، قصّ لها ما وقع له فبدأت تنظر فأله، وتقرأ طالعه:
-  ستعود إليك، ستعود إليك إذا اشتريت هذا
الحرز على بركة سيدي صالح.
-  قبض علي على يديها بقوة وفرائصه تهتز
انفعالا لأمر عجيب:
-  سيدي صالح، هل تعرفين مكانه؟
نطقت متنهدة في فخر ممزوج بالحسرة:
-  أنا، أنا ابنته الوحيدة.
وقف مندهشا:

-  أنت، أنت بنت سيدي صالح حقا،يا الهي، صحيح أنت أمي، التي قالوا أن فرنسا ألقتها في الوادي الكبير.
لم تغرب شمس ذلك اليوم حتى وجد على نفسه مع أمه وزوجته وأبنائه في طريقهم عائدين الى قرية سيدي صالح، ،،
وصار يردّد عندما وصل إلى مشارفها كلمات الشيخ:
- (جاءتك الموت يا تارك...)
ثم أحس علي بيد ناعمة تمر على جبينه في هدوء
ففتح عينيه قائلا في فزع:
- أين أنا؟ من جاء بي إلى هنا،،، هل كنت في حلم؟
كانت زوجته أمام سريره تقول له في حيرة:
- قم يا علي، إن كبش العيد قد فرّ من الحمام وهو على سطح العمارة، حاول أن تدركه قبل أن يلقي نفسه من عل.
نهض علي من فراشه بسرعة وخرج إلى شرفة شقته، رأى الكبش يتخبط في دمائه وسط الشارع وجموع الناس حوله، وسمع الأطفال يرددون:
- كبش علي انتحر.
تأمل علي ذلك المنظر في صمت، رأى فيه المتاعب التي تحملها المدينة في جوفها المتعفن، وتذكّر بيته الريفي الفسيح وبستانه اليانع، فقرّر الهروب من المدينة الغاضبة والعودة إلى ذاته.

جريمة بين الورود

-  أنت مشارك في الجريمة، قتلت فلذات كبدك.
تنقل عمّار بين أجنحة المستشفى يبحث عن نفسه وقد استعاد قليلا من الإدراك الحسي والنشاط الجسمي، بدأ شيء من النسيان يتسلل إلى ذاكرته ليبدّد الصور الحزينة التي علقت في خزينتها، غير أن كلمات المحقّق الذي زاره في المستشفى كانت قد سكنت تفكيره وصارت كابوسا يطارده في كل وقت.

-  أنت مشارك في قتل بنيتك يا عمّار.
عمّار يردد هذه العبارة القاسية من حين لآخر ليبدأ هذيانه التساؤلي، فينتهي بتناول أقراص مهدئة توقف ثورته في وجه الأحياء، الغضب والندم يمتزجان فيغرسان فيه حزنا عميقا عندما تصارحه نفسه بأن ابنته ليست أول ضحية له.
منذ بضع سنين عاد الجيلالي من وراء البحر، قاد سيارته في زهو بالغ وخرج من رحاب الميناء الذي كان يعج بالسيارات المحملة بالبضائع المختلفة القادمة من أروبا.

قال الجيلالي محدثا نفسه التواقة في زهو بالغ:
-  أعود من الخارج والسيارة ترافقني، هذه أمنيتي قد تحققت ،ولا تهمّ السبع سنوات التي قضيتها هناك.
استقبلته مدينته الصغيرة بالترحاب والإعجاب كأنه بطل دحر الأعداء في حروب طاحنة ،أو عالم رحّالة عاد من رحلة طويلة يحمل أسرار الأمصار... تحدث السكان ليلتها عن الجيلالي و"المرسيدس" الزرقاء بينما كان يسأل هو أترابه في الحي عن أعمالهم وما يكسبون فعرف أن يوسف مزارع ومراد أستاذ وعمّار ممتحن في السياقة.
اقترب من عمّار قائلا في تملق ساذج:
- إنك تشتغل مهنة ممتازة.
رد عليه عمّار على الفور مبتسما:
-  وأنت تملك سيارة فاخرة.
-  هل أعجبتك يا عمار؟
-  أجل، وقد عزمت أن تكون سيارتك صاحبة الورود يوم زفافي.

سرّ الحاضرون بالسيارة الزرقاء التي اكتنفت العروس البيضاء يوم الفرح، لم يتمالك عمّار نفسه من الفرحة فاعترف لأصدقائه بأن مساعدة الجيلالي لن ينساها ما دام حيا، وزاد في ابتهاجه الهدية التي قدمتها له زوجته بعد سنة، كانت ثمرة متحركة سمّاها عمّار(منى)، جميلة لطيفة، يكاد وجهها يضيء نورا، وصوتها المترجرج ينبعث كأنه لحن ملائكي ينساب من السماء،فيملأ البيت رحمة ومودة وسعادة لا مثيل لها.

غاية ممتعة أن يطمئن الإنسان إلى نفسه المضطربة، وأن يستعذب طعم السعادة التي لا تستقر في مكان، كأنها نسيم يمرّ دون توقف، أو طائر خفيف الحركة، يمر أمامك مسلما ومودعا في آن واحد.
الفكرة تنفذ ما دام التصميم عليها أمر محقق، لا تراجع فيه، جاء الجيلالي وهو يقول ذلك في نفسه المتفائلة بتحقيق غايته مهما كان نوع الوسيلة:

-  لقد عزمت على أداء امتحان السياقة يا عمّار.
-  ألم تتحصل عليها من قبل؟
-  أريد شهادة في الوزن الثقيل وأرجو المساعدة.
-  لا تخش شيئا، بلا رجاء فأنت فائز من الآن.
رأى الجيلالي المستقبل يبتسم له، وغمره الفرح فأوسع عمّار تقبيلا،
قدّم له ملفه الهزيل، وبعد أيام معدودة جاء دوره في الامتحان،إثر رسوب الكثير من المتدربين الذين انصرفوا ووجوههم مسودة من الغيض.

سأل وهو يغلق باب شاحنة الامتحان:
- لماذا يا عمّار، تتعمد إخفاق الأكفاء من المترشحين؟
-  لأنهم تعمّدوا غلق جيوبهم قبل الامتحان،، هيا لنبدأ الأسئلة:
-  هل تتذكر بأنك صاحب السيارة التي قدمت عليها أم منى؟
الجواب:
-  نعم يا سيدي المهندس، ونوعها "مرسيدس"
ثم أردف الجيلالي جوابه بابتسامة عريضة، فاستفسره عمّار قائلا:
-  السؤال الثاني (لماذا تبتسم الآن؟)
-  لأنني أجبت عن السؤال الأول بنجاح.
ربت عمّار على كتفه قائلا:
-  نكتة قديمة ومع ذلك فاني أهنئك، تعالى معي الآن نشرب كأسا صفراء نخب حصولك علىرخصة السياقة.

شرع الجيلالي في عمله الجديد بإحدى المؤسسات يسوق الشاحنة ،كما شرعت (منى) صغيرة عمّار، ممتحن رخصة السياقة، في عامها الدراسي الأول.

اليوم عطلة والجيلالي يتنقل هنا وهناك، يحمل على الشاحنة بعض اللوازم الخاصة، شرطة المدينة ترصده في صمت.

وفي ابتسامة الصبح خرجت فتاة في عمر الزهور
مبتسمة للحياة المجسدة على وجه صاحب الدكان،
وقبل أن تعبر الممر الأبيض عائدة إلى البيت مرّت عليها الشاحنة الهاربة من مطاردة الشرطة ،التي كانت تحاول إيقافها.
تضحك الدنيا للإنسان الغافل أياما وأعواما، وفي ساعة يأتي القضاء بغير لطف فيتغير الزمن وتمحو لحظة الشقاء السوداء بياض عقود من العمر.

لم تعد (منى) بالحليب إلى البيت فخرج أبوها عمّار ، يستعجلها لكنه لم يجد سوى الحليب الساري ملونا بالحمرة،، وشرب مرارة الخبر المريع كما شرب قبل ذلك نخب حصول الجيلالي على رخصة السياقة...

انقر هنا للانتقال للقسم الثاني من المجموعة

الاهداء: إلى والدي الكريمين مع حبي وتقديري وعرفاني...

أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى