قصة قصيرة من العراق

الدواة المكسورة

، بقلم هدى الدهان

بنظرة أب يمسك باللعبة المحببة لقلب ابنه بيد، و يهدد بالحرمان منها باليد الأخرى و بنبرة راهب يحث على عبادة الخالق خوفا من الجحيم، بادرها بالحديث وقد دخلت غرفة الجلوس ، لأنها رأت نورها مضاء وكانت قد اطفأته منذ غادرتها اخر مرة فالنور حياة و الاحياء وحدهم هم الذين يحتاجونه وليس في غرفة الجلوس غير اقلامها واوراقه ..

متى كان اخر سطر كتبته و اضفت عليه روحا بشكل كلمات ملؤها علامات استفهام دارت في مخيلتها و لم تجرؤ حتى على كتابتها الابين السطور ؟ لاتذكر ...
التفتت لتتلقى كلماته بنظرة رضا ترسمها عينيها ...ابتدأ حديثه اليها بسؤال :-
- " مارأيك الان في ان نستهل ثانية كتاباتنا معا ، بعد ان شاءت ظروف الحياة ان تباعد بيننا بينها ؟ منضدة الكتابة و مقعدك المعتاد مازال شاغرا بأنتظارك ..واوراقنا البيضاء و اقلامنا الرصاص و فنجان قهوتك و نارجيلتي وكوب الشاي الاخضر كلها بأنتظارك "

عجيب كيف يقرأها هذا الرجل ،يعرف كل مايريح العبء عن جسدها وما يشتهيه وما يحبه ومايرغب فيه ..الم يعلموه ان الجسد بلا روح تعيش فيه لامكان له بين الاحياء ولايزوره الاحياء الا في صباحات الاعياد ليتخلصوا من احساسهم بالذنب بانهم يفرحون و غيرهم لايعيش الفرحة ...يذكرونهم ساعة و يفرحون العيد كله .....
رأته قد اعد لها جلستها المفضلة ...منضدتها بخشبها القاتم و مقعدها الاثير و اوراق بيضاء مخططة اشتراها من النوع الذي يفضله هو ...لماذا كان يريد لكلماتها تسير بها على خطوط مستقيمة بلا عبث الطفولة ؟ واقلام الرصاص كم تحبها و لاتجيد الكتابة الا بها ، ربما لانها لاتريد ان تخط سطرا بدون ان يكون لها خط اخر هو خط الرجعة عن هذا السطر و العودة عنه دون ان تشوه بياض ورقتها ..وفنجان قهوتها التي تعشقها مّرة ، تحبها كما هي ،كما الورود البرية و كوجوه امهاتنا في القرى ،خالية من الاصباغ و مليئة بالطيبة
و نارجيلته التي ينفث دخانها في الغرفة و كأن كلماته لا تكفي ان تُلقي بينهما غمامة يجعلها تراه كرجل بين الضباب في الشتاء و كحلم السراب في الصيف حتى ينفث من دخان نرجيلته في الغرفة فيزيدها عتمة رغم هذه الاضواء ....هل يدخن نرجيلته ؟ أم روحها هذه التي تغلي وجمر عمرها هذا الذي يحترق ؟
واكواب شايه الاخضر ..يالله كم يعشق تقريب الاشياء الخضراء اليه لينعم يمتعة احتضارها بين يديه .

التفتت اليه ...راسمة ابتسامة مهرج على وجهها ...ابتسامة عريضة اجادت مدها و تدوير انحنائاتها ....

كم تمر ايام عمرها سريعا ، بعنفوان جليد قد نفذ صبره ليحتضن الشمس و ليغمر الارض بعدها بنقاء مياهه ..كم تتوق لاحتضان ارض ...قبل ان تجف المياه .
متى ينسى هذا الرأس ذكرياته القريبة البعيدة ؟

حين تقدم طالبا يدها غمرها احساس بالنصر بالفوز ببلاد تقاتلت عليها جيوش لان عرافة قالت ان في قلب ارضها ذهبا . وفرحة الاستحواذ على ما تتهافت عليه الاخريات و الفوز به اكثر اثارة من الحصول على الذهب نفسه ..وقد كان لها ما أرادت .

كانت شارات انتصاراته تلمع ذهبا على كتفيه وسيوفا على الجدران قلدوه اياها من يدين لهم بالولاء في وطنه.

بعدها بأيام كان عرسهما ، اطلّت مرتدية ثوبا يكشف من صدرها الكثير و من ذراعيها اكثر قائلة انه سيتلألأ اكثر مع قلادته و اساوره الذهبية التي سيُلبسها اياها كعروس ..وحين فتح علبة المخمل دَهُشت لسوار صغير و قلادة انعم ..هذا فقط ؟

لكنه فتح علبة اخرى ..هذه المرة جاهدت ان لاتضحك ..ماهذا ؟ خلخال ؟ تذكرت جدتها و هي تذرع ارض الحديقة مباهية الجارات بخلخالها و رناته ..معقول ؟
لايهم ..تصورت انه اراد ان يهديها شيئا مميزا ، فرحت حين طلب اليها ان ترفع قدمها لتضعها على وسادة امامها ليجثو هو ويُلبسها اياه .......في داخلها تجسدت كلمة عز بكل بريقها ، رأته كفارس من القرون الوسطى يجثو خاطبا يؤدي ولاءه لمليكته مهديا اياها الغنائم عسى ان ترضى عنه ..ورضيت هي ......
انتبهت الى ثقل هذا الخلخال حين ارادت ان تنهض لتستقبل معه المزيد من المهنئين ...كان ثقيلا جدا ...ربما كمايقال ملء وزنه ذهبا ؟

استقبلت المدعوين....رقصت.....فرحت ....كانت فرحة جدا به ...ارادات ان تحلم و تطير باجنحة الحلم ولكن ثقل هذا الخلخال كان يشدها الى الارض
انصرف الجميع ..وبدأت رحلتها
تسلقت درجات السلم ملقية بنفسها على كتفه ...هذا الكتف الذي حمل العتاد في المعركة ورفقاء السلاح شهداء بعد هدوء القصف ...هذا الكتف هل ستهتز شاراته لغنج انثى ،هل سيؤثر فيه دلال الانثى وهي تلقي بخصلات شعرها عليه ؟ دخلت غرفة نومهما ..وبخجل الانثى أطفات النور .
بانعكاس النور القادم من غرفة الجلوس على وجهه تبينت نظرات عدم الرضا تتزايد و تتحول الى عبوس .دنا منها ..شدّها اليه همس في اذنها قائلا :
- " لاتطفئي نورا اضيئه أنا ..ابدا ...وعيت ماقلت لك ؟"

سحبها الى جسده بساعده القوي وفتح الباب و اخرجها معه . تثاقلت في مشيها ...شيء يشدها للارض ..آه ..هذا الخلخال ..احست نفسها كسجين ربطوا برجله كرة حديدية تثبته للارض و تدل حراسه على مكانه كلما تحرك مذعورا كحيوان في فخ .
بخطوتين اجتاز غرفة نومهما و ادخلها غرفة الجلوس المضيئة ...احتضنها اول مقعد وبدات الشارات الذهبية تتحرك لتحرز نصر آخر.
بذكاء رجل و بخبرة قائد ..

مناورات تبعها تقدم في ارض المعركة ......و......لم تنطل علية حيلة طلب الهدنة .

بهجوم ذكي بلا كلمات وبلا شعارات
آه كم تاقت ان تسمع ولو شعار واحد حتى لو كان اجوفا. أي كلمة أي وعد ...فمه كالبئر الجافة كل شيء جاف كصحراء شاسع و موحش مثلها .
لم تعد تسمع شيئا ...حتى صوت الخلخال خنقه أم ان قدمها تثاقلت عن ان تهب للمقاومة و الدفاع عن وطن ؟

واجتاحها جيشه
احست بمرارة الاحتلال حين رات راية النصر ترفرف في عينيه ووجهه ..ليتها تعلمت كيف تزرع لغما ..ليتها ...
..ذبح القرابين
انتهى من معركته..كللّها بالنصر
وان الاوان ان يستريح و يستمتع بنصره
ومن يومها تعلمت الطاعة و الا.......

كل هذه الصور تطوف بها بهذه الغرفة كلما دخلتها. كم تتوق لتعود كما كانت تكتب قصصا تحب ابطالها و يبادلونها حبا باخلاص لتحتضن يدها القلم و تتركه يقطّر على الورق ما احتبس في الشفاه و اختنق بعبرة القلب .
كانت تسمع عن عصر الجواري فاذا بها تصبح جارية العصر ...متى اعتادت ان تقول نعم ؟ علمها ان هي قالت نعم دائما فانهما سيبقيان كما لوقرات الكلمة من اخرها . حتى تشبيهاته معها تبدأ و تنتهي به
..دنياها كلها تبدأ بنظرة من عينيه وتنتهي يتنفيذ ما تنطق به شفاهه ...اوما لاتفصح عنه حروفا رجولته المستفيضة و التي عليها ان تلبيها وتُزيد.
هل احبته فعلا ام انها كالفرس الجموح سهلة القياد لمن يطعمها اولا بعد جوع العمر ؟ ام لانها تحب الابطال وبريق سيوف الابطال ؟ ومادامت لاتجيد القتال فعمق الجرح من سيف مسلول سيكون اكبر . اما آن لنزيفها ان يتوقف ؟

سئمت صحراءه وان كانت مليئة بكل نبل العرب و شهامتهم و تتوق لرائحة الطين المبلل بالمطر و اوراق الاشجار وان تناثرت على الارض تعبث بها الرياح من كل جانب . ربما حينها تُحس انها تحيا بذاتها لابرضاه عنها و خوفها منه .
جلست قبالته ...نظرت الى اوراقه و اقلامها ممدة امامها على المنضدة تناديها ان تربت عليها .

يريدها ان تكتب والان ! آه لو يعلم ان الروح لاتذرف الدمع بأمر ولايمكنها ان تكتب فقط لانه اعد جلستهما معا و انها تحن ككل انثى لحديث يبادلها عباراته ..حديث الحب الذي كلما بدأت بنسج حريره يقطعه بسكين أمراة قصت شعرها حزنا على وفاة حبيب .

ابعدت هذه الصور عن ذهنها غير مختارة واعادت رسم الابتسامة على شفتيها وجلست قبالته كما امر و ابتسمت كما يحب ،ابتسامتها اتاوة سلام سيعم بيتهما مادامت على محياها.

ويبقى سؤال في القلب و على شفاه ورقتها البيضاء
تُرى هل ستكتب يوما ؟


هدى الدهان

كاتبة عراقية

من نفس المؤلف