أهمية التوعية المعلوماتية في بناء شخصية الفرد منذ الطفولة

الأطفال مستقبل الأمة الباحث السوري : هشام محمد الحرك - مصياف

الأطفال جيل الأمة الصاعد، جيلها الواعد بغدٍ أفضل، ذلك ما أثبتته الأحداث على يد أطفال الحجارة، وبسواعد المتظاهرين الغاضبين للحق العربي في كل المناسبات في فلسطين وفي معظم البلاد العربية، وأبرزهم أبطال انتفاضة الأقصى داخل الأرض المحتلة وخارجها.

هؤلاء الأطفال الأبطال وأقرناؤهم في شتى أرجاء الوطن العربي بحاجة إلى الرعاية الفعالة نفسياً واجتماعياً وأشمل من ذلك فكرياً وثقافياً.

العرب في دوامة إعصار القرن:

فأطفالنا اليوم يعيشون في عالم عربي ممزق، ضعيف، مسلوب الإرادة السياسية والاقتصادية، ممنوع من التوحد، فَرَضَت عليه قوى خارجية وأخرى داخلية أن يعاني من الضعف وهو قوي، وأن يتقبل الهزيمة وهو قادر على النصر، يستجدي التكنولوجيا والتقنية الحديثة وهو الذي أبدع في الماضي العلوم والابتكارات، كما أبدع في الحاضر من خلال نزيف عقول أبنائه وإنجازات علمائه في الخارج. إننا كعرب نواجه حرباً نفسية شعوبية ضارية لاتقارن بحروب الاستعمار القديم، فالحرب النفسية ضدنا تتولاها وسائل إعلام متفوقة وكاسحة لآفاقنا، دخلت بيوتنا محاولة دخول عقولنا، تريدنا أن نستسلم لقوى الشر ولأوهام العولمة، دون أن تمكنا من التقاط الأنفاس وترسيخ الصمود.. تريدنا أن نقنع باستحالة النهوض من الكبوة وأن نقنع بالتشرذم وباستحالة الوحدة، وهكذا تفرض علينا أن نترك مصيرنا يحدده غيرنا وفق مصالحه وأهدافه.

لقد قرأ أعداؤنا تاريخنا جيداً، وعرفوا فيه مراكز القوة في حضارتنا العربية الإسلامية، وأدركوا قدرتنا على تجاوز النكسات والهزائم، فأخضعوا اقتصادنا، وحاصروا قرارنا السياسي والقومي، سعياً لتصفية حضارتنا العربية الإسلامية ولإلغاء رابطتنا القومية.
إن محور التحدي على أمتنا اليوم يتمثل في إسقاط انتمائنا القومي ونزع هويتنا العربية من نفوسنا، وتشويه إيماننا بعقيدتنا ونحن أمة الدعوات السماوية وحملة الرسالة المحمدية للإنسانية، اعتبروا الإسلام منافساً لمدنيتهم وحائلاً دون إقامة حكم الصهيونية والماسونية للعالم، أو ما يطلقون عليه النظام الدولي الجديد.

واليوم والحال كما عرفنا... أليس من واجبنا، من واجب جيل الكبار، أن يحمي الطفولة العربية، الجيل الصاعد، يحميه من تأثيرات الإعصار الصهيوني الهائج، إعصار القرن، ويسلحه بالوعي الفكري والثقافة المعلوماتية القومية.

المعلوماتية القومية:

مصطلح المعلوماتية ارتبط بالتقدم التكنولوجي المتصاعد القائم على تقنية الحاسب الآلي وما يتصل به من برامج ووسائل اتصال واسطوانات ممغنطة تحوي شتى أنواع المعرفة والمعلومات. ومع التوسع في استخدام تكنولوجيا المعلومات من خلال الوسيط الإلكتروني من وسائل التواصل وانتشار استخدام شبكات الإنترنت للوصول إلى محتويات ملفاتها ومواقعها من معلومات، أصبح الإقبال على تلك الوسائط واسعاً في المجتمعات المتقدمة، تبعتها المجتمعات النامية في محاولة للحاق بالركب واكتساب المعرفة.
لقد أدى انشغال العالم العربي في البحث عن إقامة البنية التحتية الاقتصادية والاجتماعية وحماية الدولة القطرية، أدى إلى هبوطٍ ملحوظ في الثقافة المعلوماتية الوطنية، حتى أدرك ا لمجتمع الرسمي والأهلي ضرورة الاهتمام بالثقافة وببناء الفكر في ذات الإنسان العربي حتى يرتقي به من حالة العجز الحضاري والإخفاق السياسي العربي العام، إلى إمكانية مواجهة الاختراق المعنوي للفكر القومي وللهوية العربية، وليحبط بالوعي عملية تغريب الإنسان العربي وإبعاده عن أصوله، التي وصلتنا من خلال طرح مشروعات وأفكار تربط العالم العربي المشتت بالعولمة الأمريكية لصالح الصهيونية العالمية وتذيبه في آلية النظام الدولي الجديد وفي مجتمع القرية الكونية الموعود.
وهذا يدعونا إلى التأكيد على ضرورة حماية العقول العربية من الاختراقات وخاصة العقول المتفتحة، عقول الأطفال، بوضع استراتيجية قومية عربية للأمن الثقافي والفكري العربي، ولعل في جنوح بعض الأنظمة العربية نحو العدو الإسرائيلي والتحالف مع القوى الصهيونية الخطر الأكبر على الثقافة وعلى الفكر القومي العربي، مما يستوجب منا جميعاً وقفة معالجة وتصويب.

أدوات الثقافة المعلوماتية:

ومما هو بديهي أن يسعى الأطفال من سن الوعي للإقبال على ما يتوفر لهم من وسائل المعرفة، فيتابعون بنهمٍ برامج التلفاز وألعاب الفيديو والكمبيوتر، وهنا تكمن مشكلة التوجيه المعرفي وضرورة السيطرة على المادة المعلوماتية المعروضة في تلك الوسائط، والتي يمكن أن تكون سلبية وخطيرة بقدر ما هي مفيدة ونافعة.

ويتضح الضعف في المعلوماتية العربية خلال استعراضنا للشبكات العاملة في فضاء الإنترنت فنجد أن ما يزيد على 99% من البرامج والمواد المعلوماتية باللغات الأجنبية وأولها ما نسبته 48% الصينية ثم اليابانية فالإنجليزية - أمريكية وبريطانية وأخرى تابعة لتلك الثقافة- وتتوزع النسب المتبقية على اللغات الإسبانية والفرنسية والألمانية، ومن ثم النسبة الصغرى اللغات والثقافات الأخرى، ومنها العربية التي لا تكاد تصل إلى نسبة 1%. مما يثبت لنا وجود ما يمكن أن نطلق عليه " فجوة المعلومات".

فجوة المعلومات:

إن معاناة الوطن العربي من ( فجوة المعلومات ) يتعارض مع ما تملكه أمتنا من حضارة ومعلومات إنسانية وعلمية، لقد برزت تلك الحقيقة في النقص القائم في شبكات المعلومات العربية وعدم فاعلية مراكز البحث العلمي والمؤسسات المعلوماتية العربية في هذا المجال بالشكل المؤثر المطلوب، ولعل ذلك يشير إلى عدم وجود استراتيجية واضحة لعمل الحقل المعلوماتي العربي وغياب الحوافز التشجيعية والمكافآت للقادرين على البحث العلمي وإثراء المعرفة.

والمتصفح للمواقع على شبكة الإنترنت يتضح له مباشرة ذلك التفاوت بين الكم المعلوماتي الأجنبي والعربي، ولولا المتبرعون من المثقفين والمفكرين العرب بإقامة مواقعهم وصفحات خاصة بهم لكانت المساحة المعلوماتية العربية أكثر فقراً.
وهذا منبع الخطر على البنية الثقافية والفكرية للجيل الصاعد الذي لا يجد بديلاً معلوماتياً عربياً كافياً يغنيه عن التلقي المعرفي من المصادر الأجنبية التي تحمل في معظمها أفكاراً لا تنصف الأمة العربية، بل قد تكون معادية تشوه صورة العرب وتزور التاريخ وتبدل الحق بالباطل.

واقع الثقافة العربية:

وفي واقع الأمر إن نظرة الثقافة العربية إلى الثورة العلمية والتقنية وثورة المعلومات نظرة تتصف في مجملها بالحيادية الساذجة أو الجهل بما يدور في هذا المجال، وبعضنا يتحدث عن التقنية ووسائل الاتصال وكأنها معجزات كونية هبطت من كوكب آخر من الفضاء البعيد، ونحن نتحدث اليوم عن ذلك دون أن يساورنا الشك بأن هناك عقولاً عربية مبدعة خارج الوطن ساهمت في طليعة التطور ولديها المقدرة على العطاء العلمي والثقافي وإغناء مصادر المعلومات التكنولوجية بالعلوم العربية وبسير تاريخ الأمة العربية والإسلامية.

مخاطر المعلوماتية على اللغة العربية:

ومن أحد ملامح ظاهرة المعلوماتية على المتلقي العربي وخاصةً أبناء الجيل الصاعد، هو ذلك التداخل الثقافي الذي أفرزته وفرة وسائل الاتصال باللغات الأجنبية، حيث استطاعت الدول القوية بأدواتها وخبرتها ومنسوجها الثقافي أن تغزو الشعوب الضعيفة التي تفتقر إلى قوة الثقافة وقدرة التعامل مع التكنولوجيا الحديثة، فيسهل إذابتها في عناصر الثقافات القوية، واللغة الأجنبية هي أحد أهم المفردات التي تفرضها الثقافة الغازية على المجتمعات النامية لتصبح مفردات تلك اللغات عنواناً رئيسياً في كثير من العلوم، وبذلك تفقد اللغات الضعيفة التي لا تستند إلى ثقافة أصيلة ونسيج ثقافي متماسك وجودها وتصبح من اللغات الميتة، وهذا ما تواجهه لغتنا العربية، التي لولا القرآن الكريم وارتباط لغتنا بالإسلام لاندثرت وأصبحت من لغات الماضي، والخطير في الأمر أن اللغة الأجنبية أخذت تصبح شيئاً فشيئاً مفتاحاً لدخول العالم الجديد، ومظهراً للتقدمية خصوصاً عندما تفقد المجتمعات إيمانها بثقافتها وتتنصل من أصالتها هروباً من واقعها المتخلف، كما توحي الشعوبية الجديدة بذلك في حملاتها ضد أمتنا، مؤكدةً أن اللغة الإنجليزية خاصةً ليست مجرد وسيلة للتخاطب، وإنما بالدرجة الأولى آلة للتفكير والنقد والتعلم.

- الدور الذي يمكن أن يؤديه الأطفال:

من خلال تتبعنا للساحة التعليمية على امتداد الوطن العربي، نلمس تلك الطاقات الكامنة والإمكانات القابلة بالرعاية للتطور والعطاء لدى الأطفال العرب، مما يجعلهم قادرين على القيام بدورهم المطلوب في النهوض بأمتهم إذا ما توفرت أمامهم الفرصة، وإذا ما توفرت لديهم أساسيات العلوم والمعارف المتعلقة بالوطن العربي وبمسيرة الأمة عبر التاريخ، لتكون تلك المعلومات قاعدة ينطلقون منها وعلى ثوابتها في مواجهة المستقبل.

وكما هو معروف أن عصر المعلومات هو عصر وجود وسائل تكنولوجيا المعلومات - كالكمبيوتر والأقمار الصناعية والهواتف الخلوية وغيرها، والتي في مجموعها تعتمد في فاعليتها على الإنسان، ذلك الإنسان المتمكن من العلم والمتمرس في الاستفادة من تلك الآليات وتفعيلها، وبالتالي تسخيرها لتقديم المعرفة لمستخدمي الأجهزة المعلوماتية.

وفي هذا الجانب يشير تقرير دولي صدر في باريس عام 1996عن منظمة OECD - ORGANISATION FOR ECONOMIC CO-OPERATION AND DEVELOPMENT - يقول بأن أكثر من نصف الإنتاج في الدول المتقدمة خلال السنوات السابقة للتقرير اعتمد على الاقتصاد المعرفي Knowledge Based Economy، أي الاقتصاد القائم على العامل الإنساني المسيطر والمستخدم لتكنولوجيا المعلومات.

- موقع العرب في مجتمع المعلومات:

من حسن الطالع أن يقرر الملوك والرؤساء العرب في السنة الأولى من القرن الحادي والعشرين تسجيل موضوع تكنولوجيا الاتصال والمعلوماتية بنداً قائماً في أطر كل اجتماعاتهم القادمة، الأمر الذي يوحي بوجود وعي بما تحمله الألفية الجديدة من تحديات، وبما يمثله هذا القطاع الاستراتيجي باعتباره إحدى الحقائق الجوهرية للتنمية الشاملة، وتوجهٌ ينصرف إلى دعم موقع الأمة العربية في العالم، وتعزيز حضورها الثقافي، إلى جانب تمكين اللغة العربية من التأثير الفاعل والانتشار العالمي، بصفتها لغة علم ومعاملات.

- توجهات عربية لرعاية حقوق الطفل:

وفي مثل هذه الأيام من العام الماضي وبالذات في الفترة من 2-4 يوليو / تموز 2001 عقد المؤتمر العربي رفيع المستوى لحقوق الطفل اجتماعاته في مقر الأمانة العامة لجامعة الدول العربية، وأصدر قرارات وتوصيات عدة بشأن النهوض بالطفل العربي، محملاً الحكومات العربية والمواطنين والأسر والمجتمع المدني مسؤولية رعاية النشء من كل الجوانب لتأمين النمو السليم نفسياً وجسدياً وعقلياً لهم.

وقبل ذلك سبق أن أصدرت الدول العربية عدة قوانين واتفاقيات عربية عدة ، منها الميثاق العربي لحقوق الطفل عام 1983 والخطة العربية لرعاية الطفولة وحمايتها وتنميتها في عام 1992 والخطة العربية لثقافة الطفل لعام 1993 والبيان العربي لحقوق الأسرة لعام 1994.. وهكذا يبدو أن الشعور لدى الجهات العربية في تجاه الطفولة واليافعين يتصف بالاهتمام، رغم أن قرابة 11 مليون طفل ويافع عربي لا يحصلون على حقهم في التعليم الأساسي ونحو10 مليون طفل ويافع يعملون لكسب قوتهم أو لمساعدة عائلاتهم، وهؤلاء محرومون أيضاً من حقهم في النمو السليم، ورغم الإيجابية في التحاق الفتيات بالتعليم الأساسي بنسبة 80% في خمس عشرة دولة عربية، يجدر بنا أن نؤكد مع المسؤولين العرب عن الطفولة على ضرورة إعطاء الطفل العربي الأولوية في السياسات العربية والوطنية لكونهم عنصراً فاعلاً وضرورياً في صناعة حاضر وطننا العربي ومستقبله - وذلك بأن تنهض الحكومات العربية بواقع الطفل العربي وفق برامج استراتيجية محددة برؤية مستقبلية لما يجب أن يكون عليه المجتمع والوطن.

إن أطفال الوطن العربي يشكلون ما يزيد على نصف عدد سكانه، مما يجعلهم أعظم ثروة تملكها الأمة، وأغلى رصيد لمستقبلها، وإن نسبةً كبيرة من هؤلاء الأطفال يعانون من الممارسات الوحشية في فلسطين ويواجه الأطفال العرب الضغوط والأوضاع القاهرة التي يعيشون تحت وطأتها في الأقطار التي تعاني من الحصار الخارجي ومن العقوبات الجائرة التي تفرضها دول الاستكبار العالمي، وكذلك يعاني الأطفال العرب من الضغوط النفسية في البلاد التي شهدت صراعات سياسية وعسكرية ونزاعات مسلحة.

إنجازات على الطريق:

ورغم الصورة القاتمة حول واقع العرب اليوم وخاصةً في مجال الاستفادة القومية والثقافية من ثورة المعلومات العالمية، إلا أن التفاؤل يشع من خلال جهود بعض الحكومات العربية التي وعت خطورة الغزو الفكري والثقافي لمجتمعنا العربي وتأثيرات ذلك الغزو المباشرة على أطفالنا -على الجيل الصاعد الذي يعول عليه في المستقبل القريب بأن يتقلد المسؤوليات في كل المجالات.

- عصر المعلومات والتعليم:

إن تطور الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات قادت الإنسانية إلى عصر المعرفة الذي جعل كل إنسان طالب علم، حيث سيطرت التكنولوجيا على مجالات الحياة ممثلة بالحاسب الآلي (الكمبيوتر) وكانت السيطرة فيها لأصحاب العقول وأصحاب العلم والذكاء، الذين أصبحوا سادة الأجهزة الإلكترونية والبرمجة والأنظمة المعلوماتية DATABASE SYSTEMS. تلك الأنظمة ساعدت على التحرر من النظرة الضيقة إلى المنهج التعليمي للجيل الصاعد، متأثرةً بالتغيرات التي حدثت والتي تحدث في العالم، فكانت تلك التغيرات أهم العوامل والدوافع لتطوير المناهج التعليمية بما يماشي خصائص نمو الطفل وحاجاته وميوله واتجاهاته وقدراته ومهاراته واستعداداته.

فقد أصبح المطلوب اليوم من المنهج التعليمي أن يشمل كل أنواع النشاطات التي يعيشها الطفل في البيت والمدرسة والمجتمع، وبهذا المفهوم يأخذ المنهج من الحياة مرونتها الحياتية والمعلوماتية.

إن المادة التعليمية المطروحة في الكتاب المدرسي تبقى محدودة بما يتعلمه التلميذ من معلومات علمية، لذا على المنهج التعليمي التربوي في مفهومه المتجدد أن يشمل الاهتمام بـ:

  1. أنواع الأسلوب العلمي في التفكير.
  2. أساليب التخطيط وأهميته في نشاط الطفل الفرد وأقرانه.
  3. إصدار الأحكام السليمة على الظواهر.
  4. دراسة المشكلات الشخصية والاجتماعية، والوصول إلى حلول لها.
  5. التدريب على التنظيم وربط الأفكار والمعلومات بما يسمح بحرية التعبير وإبراز المواهب والقدرات.

ومن المسلم به أن المدرسة تسهم بقدر كبير في تشكيل شخصية الطفل، بل وترسم ملامح شخصيته المستقبلية التي سيكون عليها عند تحوله إلى مرحلة الشباب والرجولة.
والمطلوب أيضاً أن يتمثل الدور الذي تقوم به المدرسة في تكثيفها للعطاء الثقافي ونقل التراث وفقاً لخطط ومنهج معلوماتي يتوافق مع خصائص المراحل السنية في حياة الطفل، مع استخدام الأدوات والمعلومات في بيئة تستثير النشاط لدى الطفل وتزكي رغبته في التعلم مع ترسيخ الأصالة والانتماء الوطني في نفسه، وبأن يكون ذلك المنهج واقعياً يستمد وجوده من المجتمع متوافقاً مع التغيير والتجديد الذي يحفز الطفل، وفي حصيلة ذلك تتكون وتنمو روح الولاء لدى الطفل نحو أمته ووطنه.

- مناهج التعليم:

وبنظرة متفحصة لمناهج التعليم العربية الحالية نجد أنها في معظمها متخلفة عن الركب العالمي، كما أنها غير مؤهلة لخلق جيل عربي قادر على مواجهة صراع الحضارات، رغم أنه من المؤكد وجود توجيهات عليا وتوجهات متعددة للمناهج المدرسية لإجراء التعديلات والتطوير بما يتيح للأجيال القادمة أن تتحمل مسؤوليتها المستقبلية والمساهمة بالشكل الفعال في معالجة مشكلات الأمة وتحقيق أهدافها.

وقد ركزت بعض المناهج العربية على ترسيخ القطرية في مجتمعها دون التركيز على الانتماء القومي، في حين أن الصراع الذي تواجهه الأمة العربية والإسلامية يتطلب من جميع الأقطار العربية الاهتمام والتأكيد على التمسك بالأصالة والانتماء القومي والديني والالتزام بالقيم والعادات العربية الحميدة والاستفادة من تراث الأمة الفكري والعلمي، واعتماد الأسس التالية في المنهج المدرسي العربي الذي نتمنى أن يصبح موحداً:
تقمص الانتماء الوطني القومي والانصهار في البنية القومية للأمة، وبالتالي نبذ تجذير القطرية والإقليمية.

- إدراك رسالة القومية والإنسانية.

يعرف تاريخه ويدرك مكانة أمته التاريخية والإنسانية والحضارية.
ربط الأصالة التاريخية بالتطور الحضاري العالمي الحالي من خلال مساهمات الإبداع العلمي العربي بمنطلقات الحضارة المعاصرة.
ترسيخ قيمة العمل والإنتاج والخلق والإبداع.
ولا ننسى هنا أن نشيد بمحاولات تطوير المناهج الدراسية لما يخدم المستقبل العربي، ويساهم في بناء جيل صالح يقوم على التوعية المعلوماتية للأبناء من الطفولة، ومن ذلك أيضاً توفير برامج وقنوات تلفازية تعليمية في بعض الأقطار.

هذا ما شهدته الجهود التربوية في عددٍ من الأقطار العربية الخليجية وسورية ومصر ولبنان وبعض دول المغرب العربي، وأذكر من تلك الجهود: إنشاء مدارس للمتفوقين في سورية لكونهم ثروة وطنية قومية، تسعى تلك المدارس إلى تنمية قدراتهم بما يتلاءم مع استعدادهم العقلي ومستوى تحصيلهم الدراسي. وكذلك في لبنان، حيث أعطت الهيئة اللبنانية للعلوم التربوية اهتماماً بيناً للمناهج الدراسية في القطر اللبناني. والجهود المماثلة في الأردن والإمارات وغيرها من بلاد العرب والتي أصبحت المعلوماتية فيها مادة تدرس في مراحل المدارس المتوسطة والثانوية مع وجود فرص لإدخالها في المرحلة الابتدائية العليا باعتماد تعامل التلاميذ مع أجهزة الحاسب الآلي.

الاستراتيجيات التربوية والتعليمية:

1) إدخال مفاهيم التكنولوجيا الحديثة في المساقات الدراسية للمراحل الدراسية التعليمية العليا.

2) تحديث المختبرات والمنشآت التدريبية من خلال التركيز على استخدام تكنولوجيا المعلومات.

3) توفير معدات التكنولوجيا التعليمية وتطوير استعمالاتها.

4) تطوير إمكانات المعلمين التكنولوجية وتأهيلهم لتدريس التكنولوجيات الحديثة.

5) التنسيق مع مراكز البحث العلمي الوطنية والإقليمية والدولية في مجال التكنولوجيات المتقدمة.

6) توفير التقنيات التربوية المتطورة لتيسير عملية التعليم وزيادة فعاليته، ولاسيما الوسائل السمعية البصرية والحاسوب والقنوات الفضائية والوسائط المتعددة وشبكات المعلومات، وماشابه ذلك.

إن الاستراتيجيات التربوية والتعليمية سيكون لها أبعاد مستقبلية أكيدة لأن مدرسة المستقبل لن تكون مثل مدرسة اليوم، ولن تكون المصدر الوحيد أو الأساس للتعلم، وكما تقدمت المعدات والأجهزة، فمن المرتقب أن تتطور نوعية المواد والبرمجيات، لتكون أدوات تعليمية ناجعة في البيت والبيئة، فضلاً عن استخدامها في المدرسة.

- الإعلام كأهم وسائط التوصيل المعلوماتي:

لجأت المجتمعات المتقدمة إلى إيصال المعلومة للأطفال بأقصر طريق وذلك في استخدامها برامج التلفاز لتأدية هذا الغرض، نظراً لارتباط معظم الأطفال في سن معينة بمشاهدة التلفاز، وتلك الحقيقة تدعو للاستفادة منها وتطويرها لهدف التوعية الوطنية والإثراء الفكري والثقافي، فالأطفال لديهم قدرة كبيرة على استيعاب المفاهيم المرئية والمسموعة على نحو أسهل بكثير من القراءة والتخيل.

لذلك يعتقد الموجهون النفسيون التعليميون أنه ينبغي للوسائل التوجيهية أن تتخذ أدوات ووسائط جديدة تجذب انتباه الأطفال وتشدهم إلى تلقي المعلومة بشكل محبب بالصوت والصورة.
لقد اخترق الإعلام الغربي الموجه كافة الحواجز الجغرافية والسياسية والثقافية كلها لمجتمعنا وفي مقدمته ثقافة أطفالنا، في حين بقي الإعلام العربي متميزاً بالتشتت بين التغريب والتشريق، بين الأصالة والتبعية، تسيطر عليه نزعة الطرح الاستهلاكي للمتلقي وجذب أكبر نسبة من الناس نحوه دون النظر لنوعية مادة الجذب، محاولاً إثبات وجوده على الساحة بغض النظر عن تحقيق رسالته إلى الجماهير العربية في التركيز على المضامين وتعميق الفكر.

وقد أستثني بعض أجهزة الإعلام العربية من مرئية ومسموعة ومقروءة من تلك الخطيئة، فهناك أجهزة إعلامية تحاول جاهدة التركيز على الجانب القومي والوطني الذي يخدم حاضر الأمة ومستقبلها، ولكنها تبقى وحدها جزءاً من كل في الفضاء المطلق.

نحو استراتيجية معلوماتية

إن بناء شخصية الإنسان العربي من طفولته وطنياً وقومياً، علمياً وأخلاقياً، في عصر المعلومات يوجب علينا الاعتماد على بنية بيئية أساسية لتوصيل المعلومات ، وتلك هي البيئة التكنولوجية المتقدمة التي تحتاج لنخب من الكفاءات القادرة على الأداء الأمثل بمهارة إخلاص لإعداد مناهجها.

إن التحدي الذي يواجهنا كأمة اليوم بما تضم من حكومات وقيادات، وعلى المدى المنظور، يتطلب إيجاد الطرق والوسائل اللازمة لتسخير التكنولوجيا للقيام بتوصيل المعلومات المركزة إلى الطبقات كلها ، وليكن التركيز على قطاع الناشئة، لكي يتم التغيير حتمياً لمجتمعنا العربي ولمكانة أمتنا مما سينعكس على الآخرين بالتفاعل مع واقعنا الجديد المأمول.

ولابد للتنمية الوطنية على كل الأصعدة من خلفية فلسفية وسياسية تضع استراتيجية عمل مستقبلي تتوافق مع القيم والمبادئ القومية والدينية للأمة المستلهمة من قيم الحاضر وكنوز التاريخ والتراث، مع مراجعة الحاضر والتطلع إلى المستقبل، نحو عالم أفضل من حيث نوعية الحياة الاجتماعية المطلوبة والموقع الدولي المناسب.

ومن المفترض في تلك الاستراتيجية أن توفر خصائص تلبي حاجات الإنسان العربي الحديث لنموه الشخصي والاجتماعي والوطني والاقتصادي، تمده بمحفزات الفكر والعمل لتحسين نوعية الحياة العامة التي يمارسها، بتوافق مع حاجاته ومتطلبات المجتمع وطرح بعض الإمكانات التطويرية في التوجيه الرسمي القائم على قناعات تستمد من الأهداف السامية للأمة.
ونعود إلى التعليم التقليدي الذي ما زال في الغالب يجري في معظم البلاد العربية معزولاً عن المكان وعن الزمان، وكأن المعرفة جامدة للحفظ في الذاكرة دون أن تمس بشكل مباشر قضايا المجتمع ومشكلاته، وهذا مما لا يخدم الجيل في مقبلات الأيام، في حين أن المطلوب في عالم اليوم أن يرتقي التعليم في تلك البقاع إلى وضع تفاعلي مع ممارسة الحياة اليومية ما أمكن ذلك، بحيث تتكامل المعرفة مع الفعل ومع التصرف مؤدية إلى الخبرة وتكامل المعرفة ليكون الفرد مستعداً للإفادة منها نظرياً وعملياً.
وقد يكون علاج مناهج التعليم في البقاع المتخلفة في أن يتم توحيد المناهج الدراسية العربية وأن يتم تعميم تطبيقها في الأقطار العربية كلها دون استثناء.

وفي عالم كهذا لايحق للنظام التربوي أن يتجاهل مسؤولياته تجاه إبراز أهمية الوحدة العربية، بوصفها طريقاً لتحقيق أمن الأمة ونهضتها، خصوصاً في عصر التكتلات الكبرى وأهوال العولمة، وصراع الحضارات، وأخطار الاستراتيجية الاستعمارية الصهيونية.

التوصيات

التأكيد على ضرورة وضع استراتيجية تربوية تعليمية عربية وتطبيقها في أقرب وقت.

إقامة أقسام للبحث والتطوير المعلوماتي في الجامعات تؤدي خدماتها للإدارات الحكومية والمجتمع والفرد ابتداءً من مرحلة الطفولة.

الاهتمام بالعامل البشري لكونه الأهم في الصناعة المعلوماتية، فدون الإنسان الماهر المدرب لن تنجح أية محاولات للتطوير.
التركيز على الشخصية القومية ونبذ الشخصية القطرية، التي يسعى الخارجون على الانتماء القومي إلى فرضها بشتى الوسائل.

وضع آليات ومناهج كفيلة بنشر الثقافة والرعاية الفكرية والنفسية للأطفال فتية وفتيات وخاصة في مرحلة الفتوة، وتعزيز النمو المتكامل لهم من خلال تعاون الأسرة والمدرسة وأجهزة الدولة الاجتماعية والإعلامية.

إقامة ملتقيات الطفولة - وهيئات أصدقاء الطفولة … لتدعيم أواصر العلم والتعارف بين اليافعين العرب وتشجيع إقامة المعسكرات والمؤتمرات والتبادل الثقافي.