الثلاثاء ١١ أيلول (سبتمبر) ٢٠٠٧
بقلم أنطوان أبرط

هاتف

أدار مفتاح الباب،فتحه، فصدر منه صوت خشن، صدى. توقف لبرهة في العتمة، صمت كمن تردد في الدخول،دخل،أغلق الباب، أضاء الغرفة، راح بصره يجول في خرائبها، حيث الفوضى تعم المكان،جلس على الأريكة المجاورة المتهرئة،كانت ملامحه توحي بالشقاء والتعاسة وبدا غير مهتم بأناقته كانت ذقنه طويلة وشعره أشعت. أدار صوت المذياع قريبا منه فتناهى إليه صوت المذيع وهويصرخ : إن الثورة سوف تبذل.. اقفل المذياع، داهمته نوبة طويلة من السعال كاد بسببها أن يتقيا، بصق.

عاد الصمت يغمر المكان ثم راحت عيناه تجولان فيه مرة أخرى، بغتة انتبه إلى الهاتف الموضوع على الطاولة في زاوية الغرفة، كأنه رآه لأول مرة، اتجه نحوه، جلس على الكرسي المجاور، نظر إليه، كمن تردد بالقيام بفعل ما، رفع سماعة الهاتف ثم أدار القرص...

- ليلى..! هذه أنت ياليلى.. كيف حالك؟ وكيف هم الأولاد؟ صدقيني، اشتقت لكم كثيرا. أنا اعرف انك غاضبة مني ولا تريدين رؤيتي.. طيب..ماذا تريدين أن افعل.. هه؟! لقد حاولت المستحيل.. هذا أنا.. أنت تعلمين ذلك قبل أن نتزوج..هل تذكرين؟! قلت لي أعيش معك على الحصيرة..المهم أن أكون معك..إيه..هل تذكرين ليلة زواجنا؟ كان أجمل يوم في حياتي.... كم كنت جميلة وأنت في ثياب العرس.. اذكر والدتك لم تكن موافقة على الزواج، كنت اسمعها تقول لك :ما لك وله رجال فقير وعلى قد حالو، وأسمعك تردين : سعيد يحبني وأنا أحبه، ثم أن الفقر ليس عيبا...هل نسيت؟!..كم كنا سعداء في تلك الأيام إلى أن اكتشفنا مرض ابننا سليمان.

خمسة عشرة سنة وأنا أحاول عن طريق المشفى الوطني لإجراء عملية جراحية لصمام قلبه، دون جدوى، وكلما كنت أراجعهم، كانوا يقولون لي :عمليته مكلفة، ثم أن هناك من حالته اخطر من حالة ابنك، عد إلينا فيما بعد.
بعنا فوقنا وتحتنا واستدنا حتى استطعنا أن نجري العملية في مشفى خاص،لكن سليمان توفي فيما بعد...هذا قدرنا
نعم، إرادة الله.....

تقولين لي دبر لك شغله ثانية..معاشك قليل، ولم يعد يكفي....طيب ماذا تريدين أن اشتغل..هه؟!!
ومع ذلك اشتغلت على عربة لبيع الخضروات – كما تتذكرين – لكن البلدية صادرت العربة والخضروات، قالوا لي يجب أن تدفع كي تسترجعها، وحاولت، وبشرفي لأول مرة أحاول أن أدفع، لكنهم قالوا أن المبلغ قليل، يخرب بيتكم...خمسمائة ليرة مبلغ قليل!!...طيب ماذا افعل إذا كان هذا كل المبلغ الذي لدي؟!..

ثم اشتغلت في محل لتصليح المدافئ وبوابير الكاز..وماشي الحال..لكنك بدأت تلحين علي كي اترك العمل.. وكنت تقولين غسيلك في كفة وغسيلي أنا والأولاد في كفة، كلك شحوار يازلمة، رائحتك مازوت يا سعيد. حتى تركت العمل بسببك.. نعم بسببك؟!! وقمت بأعمال أخرى كثيرة – كما تعرفين- ولكنني لم أوفق..

أنا أعرف أن المعاش لايكفي..لا وفوق كل هذا أجار البيت. تقولين لي سوف نرمى إلى الشارع، علينا تأخير خمسة أشهر وأنت لا تفعل شيئا،يعني ماذا افعل إذا كان صاحب البيت ابن حرام، يكتب على باب بنايته
(الملك لله)، وعند بداية كل سنة يرفع الآجار، وكلما يراني يقول : الجار أهم من الإيجار، بس والله ياجاري ما بقى توفي معي..هه..قال عقد سياحي قال، ابن الحرام، ذهبت معظم نقودي في بضعة حيطان عفنة ترشح منها الرطوبة..

..وفوق كل هذه المصائب، تأخذين الأولاد وتذهبين وتطلبين الطلاق، لا يا ليلى..لا.. بعد هالعمر؟..نسيت العشرة يا ليلى؟..نسيت الخبز والملح؟!
ليلى !..هل تريدينني أن أننحر؟!!...لا تصدقين؟!!..والله بعملها!!

ليلى !.. اشتقت للأولاد... آه لوتعرفين كم اشتقت لهم، إنهم أولادي مثلما هم أولادك، أولادنا يا ليلى، أرجوك، دعيني أرهم.. ورحمة سليمان.. أرجوك... ليلى...ليلى....

انسلت سماعة الهاتف من بين أصابعه ببطء شديد، فيما كان الصوت المتكرر المنبعث من السماعة يردد
-  رقمكم مفصول لأسباب مالية.
-  رقمكم مفصول لأسباب مالية.


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

الدكتور أنطوان: كاتب سوري

من نفس المؤلف
فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى