احتفالية (ديوان العرب) في ضيافة (أدب ونقد) الرصاصة الأخيرة مجازر الاحتلال الصهيوني في غزة ٢٠١٤

الصفحة الأساسية > المكتبة > قسم الدراسات والأبحاث > الدكتور ميخائيل إبراهيم الأسعد - سوريا > مشكلات الطفولة والمراهقة > مشكلات الطفولة والمراهقة - القسم الرابع

مشكلات الطفولة والمراهقة - القسم الرابع

النمو العضوي والعقلي في مرحلة ما قبل المدرسة

١ أيار (مايو) ٢٠٠١بقلم ميخائيل إبراهيم الأسعد

يختلف النمو العضوي والعقلي في مرحلة ما قبل المدرسة، التي تمتد بين السنتين الثانية والخامسة، اختلافاً كبيراً عنه في مرحلة الرضاعة. فليس في النمو العضوي لابن ما قبل المدرسة ما يوازي تلك القفزات النمائية الخاصة بالطفل وهو يجلس أو يقف أو يمشي للمرة الأولى. لا ننوي من هذا أن نقول بتوقف النمو الحركي في فترة ما قبل المدرسة، بل بتدرجه وتنوعه، وارتباطه بأنماط خاصة من التجربة والتمرين تغاير تجارب مرحلة الرضاعة. ويخالف النمو العقلي نسق النمو العضوي فيتغير في مرحلة ما قبل المدرسة بصورة أكثر وأوسع من تغيره في مرحلة الرضاعة. كما تتعرض مقومات التفكير المتمثلة بظواهر التعلم، والإدراك، والتفكير، والتذكر، وتكوّن المفاهيم اللغوية للكثير من التنميق والتدقيق.

النمو العضوي

يكون النمو في الطول والوزن أقل سرعة خلال فترة ما قبل المدرسة، منه في مرحلة الرضاعة، لكن ضربي النمو المذكورين يستمران في الزيادة بنسبة أسرع من نسبة تزايدهما في فترة الطفولة المتوسطة. يبلغ طول الطفل في نهاية السنة الثانية حوالي نصف طوله النهائي كراشد بالغ، فيكون للطفل الكثير الحركة الذي يبلغ طوله 80سم حظ في آن يزيد طوله على 180سم عند رشده. ويزداد طول الطفل بمعدل 17سم في السنة وذلك قبل السنة الثانية، في حين لا يزيد معدل الزيادة السنوية بين السنتين الثانية والخامسة على 7سم في العام. وتبطؤ زيادة الوزن أو تتوقف لفترة عندما يكون الطفل الكثير الحركة ثقيل الجسم، الأمر الذي قد يجعله يغدو طويلاً نحيلاً دون أن يكتسب أي وزن خلال جانب من فترة ما قبل المدرسة.

تعد سيطرة الولد على أعضاء طرح النفايات وفق التواضعات الاجتماعية من أكثر أنواع النمو الحركي أهمية. المألوف أن يسبق ضبط الامعاء وتدريبها نظيره في المثانة، إذ أن من السهل على الأطفال التحكم في أمعائهم قبل تمكنهم من التحكم في مثانتهم، خاصة أثناء الليل. يميل أغلب الطفال للاستجابة للتدرب على التحكم في الأمعاء والمثانة حوالي السنة الثالثة، على الرغم من قيام فروق فردية ترجع الى نضج العضلات التي تتحكم بعضوي الغائط والبول ، والى جنس الولد، واتجاهات الوالدين منه. والغالب أن تسبق البنات الصبيان في السيطرة والتحكم بحركة طرد النفايات. ويميل الصبيان، خلافاً للبنات، لأن يطيلوا فترة تبليل فراشهم، على الرغم من احتمال تعرض الفئتين خلال مرحلة ما قبل المدرسة لحوادث طارئة تذهب مؤقتاً بمهارات السيرة والتحكم.

يدرب العديد من البنات وبعض الصبيان أنفسهم بطريق إخبار أهليهم عن وقت شعورهم بالحاجة الى الخروج للحمام، ويتوقف العمر الذي يتدرب فيه الصغير على التحكم بعضلاته على زمن مباردة الأهل له، وتشددهم في متابعته، وذلك بحمل طفلهم الى الحمام في فترات منتظمة أو كلما أحسوا بحاجته لفعل ذلك. ولا بد أن يعاني الأطفال، الذين يستمرون بتبليل فراشهم أو توسيخ ثيابهم حتى الطفول المتوسطة، من تأخر نمو الجهاز العضلي ومن مشاكل عاطفية، أو من الاثنين معاً.

إن على أهل هؤلاء استشارة المختصين من أطباء ونفسيين لمعرفة المشكلات العاطفية المسؤول عن عجز الصغار عن السيطرة على عضلاتهم ومساعدتهم على حلها.

يتجلى نمو طفل ما قبل المدرسة في جوانب أخرى ايضاً. إذ يستطيع جميع الأطفال إطعام أنفسهم في نهاية السنة الثانية واستخدام الشوكة والسكين بدرجة من الكفاءة. أما إستخدام السكين في القطع ودهن الخبزة بالزبدة فيتأخر لعدد من السنوات. ويتمكن ابن الثالثة من خلع ملابسه، كما يتمكن ابن الرابعة من لبس ثيابه بنفسه جزئياً وذلك بتبكيل أزراره. ولما كان استخدام الشوكة والسكين والملعقة يتم بتواضع اجتماعي محدد، وجب ألا يبدأ به إلا بعد أن يكون الطفل قد امتلك القدرة الحركية الملائمة، وذلك حوالي السنة السادسة أو السابعة.

تعد فعاليات الأرجحة والتسلق وقذف الكرة أهم الإنجازات الحركية لفترة ما قبل المدرسة. يستطيع معظم أبناء الثالثة اجتياز خط مستقيم، غير أن التوازن في اجتياز الدائرة يتأخر سنوات عن ذلك التاريخ. ولا يقوى الأطفال على الوقوف على قدم واحدة إلا في السنة الخامسة. تتفوق البنات على الصبيان في الفعالية المذكورة إذ يستطعن احتمال الوقوف على قدم واحدة لفترة أطول من الصبيان. ويبدي نشاط الأطفال في التوازن على اللوح الخشبي تقدماً عادياً خلال النمو. وتقتصر قدرة أبناء الثانية على مجرد الوقوف على اللوح، خلافاً لأبناء الثالثة فإنهم يمشون على اللوح الخشبي بمناوبة القدمين، أما أبناء الرابعة والنصف فإنهم يمشون عليه بسرعة ودونما تردد.

يتضمن التسلق تقدماً نمائياً عادياً يشمل عوامل حركية وأخرى عاطفية. إن أهم المشكلات العاطفية المرتبطة بتسلق السلالم والأشجار هي الخوف من السقوط. يظهر التسلق في زحف الرضيع الصاعد للسلم، وما أن يبدأ الطفل بالمشي حتى يحاول تسلق السلالم دون أن يناوب قدميه، تبدأ مناوبة القدمين في السنة الرابعة والنصف. والغالب إلا يحاول الأطفال نزول السلالم بمفردهم. ولا يختلف تقدم الأطفال في قذف الأشياء عن تطورهم في تسلق السلالم.

يعكس اللعب نضج المهارات الحركية لدى أطفال ما قبل المدرسة. إذ يحاول الصغار في الملعب، تسلق المنحدرات الصغيرة وهبوطها، والجلوس على الأراجيح وترك أنفسهم لأن يدفعوا. إن بإمكان أطفال ما قبل المدرسة استخدام عدد متباين من وسائل اللعب المكشوف مثل مقافز الغابة، والزحافات وغيرها. ويشيع ركوب الدراجات الثلاثية العجلات بين أبناء الثالثة الذين يستطيعون تنسيق توجيه المقود وتحريك المدوس، أما ركوب الدراجة المزدوجة العجلات فيتأخر حتى نهاية الخامسة تقريباً.

يستطيع أطفال ما قبل المدرسة، في مجال اللعب بالأدوات الصغيرة إمساك الفراشي، ودهن الخطوط والدوائر، وقطع الورق والصاقه، والتلوين بالرصاص. وما أن يقوى هؤلاء على استخدام القلم حتى يمارسوا عمليات الرسم التلقائي الذي يبدي تقدماً سنياً مضطرداً. يبدأ الرسم بالخربشة البسيطة، ويمر بمرحلة الخربشة التقليدية التي يمكن وصفها بالتالي: "يضع ابن الرابعة ثلاث بقع من الصباغ على الورقة ويصيح بالراشد "تعال أنظر عصفور الغابة الوشحي الكبير". يرسم الأطفال الأشياء التي ترمز الى الحوادث والأشياء الأخرى والأفكار. قد يكون الرسم أحياناً، حافلة كبيرة حمراء، وأحياناً أخرى أم الطفل.

ثم تأتي مرحلة الخربشة الموجهة حيث يطلق الأطفال خربشاته الموجهة المرغوبة سواء أكانت عمودية أم دائرية. تتمثل أغلب رسوم أبناء الرابعة حتى السابعة بتخطيط قبلي يحاولون فيه تمثيل شيء يرونه. والعادة أن يبدأ الطفل برسم الرأس ثم العين والأنف والفم دون أن يتقيد، بالضرورة، بالأماكن العادية لتلك الأعضاء. ويحاول الصغار في المرحلة التخطيطية التي تظهر في السنة الخامسة تمثيل كل الشكل البشري، الذي يهو أنفسهم أو أمهم أو أبوهم. وعلى الأهل، لتشجيع نمو تلك المهارات الحركية، توفير الأقلام والأصباغ والمكان الملائم، والقماش. وعليهم أيضاً الامتناع عن سؤال الولد رسم ما يريدون رسمه هم، والالحاح على سؤاله ماذا رسم.

لا بد من الإشارة الى استخدام فعاليات لعب طفل ما قبل المدرسة لأغراض اجتماعية عملية، وذلك شأن كل المهارات المكتسبة في تلك المرحلة. تهدف فعالية طفل ما قبل المدرسة، إضافة الى عرض نشاطية الرضيع المتمثلة بتنمية المهارات الآلية والتناسق الحركي، الى تحقيق هدف أعم يتمثل بالبعد الاجتماعي الموجه صوب تحقيق التفاعل والتبادلي التكيفي. يمكن للعب أن يكون كل شيء أو بعضه، أي للتسلية، أو للتعبير عن الذات، أو لتحقيق التكيف الاجتماعي.

على الرغم من اتفاق علماء النفس حول التفاصيل الوصفية للنمو الحركي كما تظهر في الفعالية الذاتية للفرد، والحركة واللعب، فإنهم يختلفون في الرأي بصدد كيفية اكتساب الفرد لأنماط الفعل تلك. يدعي بعض الباحثين أن الأولاد ينمون أنماط الحركة الماهرة بمعونة فعالية فرز المعلومات فيكتسب الطفل حركة ما، مثل التوازن فوق اللوح الخشبي بالمحاولة وتصحيحها، في إطار التلقيم الذي يتلقاه عبر قدميه. تغدو المهارات في المرحلة الأخيرة، تبعاً لهذه النظرة، أكثر اقتصادية وأقل تنوعاً من مهارات المرحلة الأولى. غير أن باحثين آخرين يؤكدون أن أكتساب أنماط الفعل الماهر يرجع الى المهمة الحركية ذاتها رجوعه الى ظاهرة فرز المعلومات فيجعل الطفل من استجابة معيارية يقيمها مثيراً محدداً، يعمد الى تعديله لتمثل المواقف الجديدة. فقد يجرب الطفل على لوح التوازن خطوات مشيه ذاتها، التي اعتادت في مشيته العادية على الأرض لكنه يزيد من سيطرته وتوجيهه استجابة للمثيرات الجديدة في الموقف الجديد. تقترح نظرية المعيار المقام أن الطفل يقيم تخطيطات معيارية لمختلف أنماط المهارات الحركية وأن المهارات الجديدة تكتسب بتعديل المهارات القديمة.

وهناك نظرية ثالثة تقرن فعل اكتساب المهارات بالنمو الإدراكي عامة، واللغوي خاصة. فقد وصف الباحثون في إحدى الدراسات ثلاثة اتجاهات للنمو اللغوي للطفل هي التعقد والتنوع والحمل الوظيفي. هكذا يتعقد النمو اللغوي من الناحية التصنيفية بحيث يعد الطفل الجمال والبغال والغنم حيوانات. ويتضمن كلام الطفل الكثير من المقاطع التي تتمثل بوجود أشباه جمل فرعية في الجملة. وبزيادة العمر يحدث تنوع في الدور الوظيفي للحديث إذ تخدم الجملة الواحدة أكثر من وظيفة في العبارة الواحدة. ولقد صمم الباحثون العاباً تساعد على اختيار الأصناف، والمقاطع، وتنوع الدور وعرضوها على أطفال من مختلف الأعمار، فوجدوا، في المهمة التي أبدعوها، أن اللعب مشى بذات الاتجاه الملاحظ في تطور اللغة، مما سمح لهم بالقول إن النمو الحركي يتبع خط النمو اللغوي للطفل نفسه، أو العكس.

من المفيد التأكيد على أن النظريات الثلاث لا تتعارض فيما بينها، بل، وعلى النقيض من ذلك، تتكامل بصورة ما. إلا أن تلكرالنظريات لم تكتمل بعد، وما زال يعوزها أن تجمع الكثير من البيانات الداعمة أو المعارضة. وكل ما تقوله النظريات، في هذه المرحلة، هو أن المهارات الحركية انجاز معقد ينمو بصورة تدريجية، وأنه يتبع الخطوط العامة نفسها التي يتبعها اكتساب الأفكار المنطقية واللغة.

النمو العقلي

يكون النمو العقلي لطفل مرحلة ما قبل المدرسة جلياً شأن النمو العضوي والحركي خلال الرضاعة. ينمي الأولاد في تلك الفترة ما يدعى بالذكاء العام، وتقسيه الروائز المعيرة المشابهة لأدوات روز الأطفال الكبار والراشدين. تتكون في هذه المرحلة العمليات المعرفية المتنوعة كالإدراك والذاكرة والتعلم وحل المشكلات واللغة. ويتسع إدراك الطفل للعالم ويتعمق بسبب اشتداد حدة قوته العقلية إذا ما قورن الأمر بذكاء الرضيع. إننا سنتناول فيما تبقى من الفصل التغيرات الخارقة للقوى العقلية.

تقويم الذكاء

صممت روائز الذكاء في الأصل، لأطفال ما قبل المدرسة وأطفال المدرسة، فعكست أنماط القابليات التي يبديها هؤلاء الأطفال في التكيف للمواقف الجديدة. تضمنت بعض الروائز الفرعية في مقياس ستانفورد بينه بعض القابليات التي يتوقع أن يمتلكها الأطفال بين السنتين الثانية والخامسة. تهدف تلك الروائز الى قياس التناسق الحركي الإدراكي، فيسأل الأولاد في اللوح ذي الثقوب الثلاثة وضع مربع ومثلث ودائرة كل في ثقبه المناسب. ويسألون ، في رائز آخر، بناء قلعة من المكعبات، وتتطلب الروائز أخرى التعرف على صور الأشياء العامة. ويدفع رائز رابع، بعد فترة من الانتظار، الأولاد لإيجاد شيء خبىء تحت واحد من ثلاثة أشياء، الأمر الذي يجعله أداة لاختبار قدرة الصغار على التذكر.

افترض بينه، لدى تصحيحه رائزه للذكاء، أن الشخص يمكن أن يعد متوسطاً أن استطاع أداء ما يستطيع أبناء سنه أداءه. وهكذا صمم الرائز أصلاً ليكون مقياساً نفسياً ولم يصمم ليكون مقياساً عضوياً. توضع بنود الرائز في مستويات خاصة من العمر طبقاً لعدد الأولاد في العينة التعييرية الذين أصابوا إجابة كل بند. ففي رائز بينه استطاع خمسون بالمائة من أبناء الثانية إصابة إجابة اللوحة ذات الثقوب الثلاثة وعجز أبناء السنة الأولى عن إصابة إجابة اللوحة المذكورة، خلافاً لأبناء الثانية الذين حققوا إصابة كاملة للمشكلة، مما دفع الباحث لعد الرائز معياراً للسنة الثانية.

هناك، على العموم، ستة روائز لكل مستوى سني، والإجابة عن أي منها تكسب الطفل شهرين من المقابل الزمني. يبدأ الفاحص عادة بمستوى سني دون المستوى الذي يعتقد أن الطفل سيصيب إجابة كل بنوده وهذا ما يسمى بالعمر الأساسي. يعطي ابن الرابعة مثلاً كل روائز مستوى السنة الثالثة. فإن أصاب إجابة كل بند من ذاك الرائز أعطي آلياً مقابلاً سنياً لكل السنوات السابقة. ويستمر الروز حتى يفشل الطفل في كل بنود الرائز لعمر معين، وهو ما يسمى بالعمر السقف. وتتكون نقطة الطفل من نقطة العمر الأساسي مضافاً إليها عدد الأشهر المكتسبة بعدها. تشكل النقطة الكلية المكتسبة العمر العقلي للطفل.

لم يرق العمر العقلي الذي وضعه بينه للإشارة الى المستوى العقلي للمبحوث، الباحثين الآخرين فطلبوا أداة قياس يمكن التعبير فيها عن ذكاء الطفل في إطار الآخرين. فقدم عالم النفس الألماني شتاينر مفهوم معامل الذكاء الذي حدد بالآتي:

معامل الذكاء = العمر العقلي (ع ع)

العمر الزمني (ع ز ) × 100

هب، للإيضاح، أن طفلاً بعمر زمني قدره أربع سنوات وشهران قد حصل على عمر عقلي بلغ خمس سنوات، فيكون معامل ذكائه:

م ذ = 5 × 12 60

4 × 12 + 2 × 100 = 50 ×100=120

ويبلغ معامل ذكاء طفل بعمر زمني قدره 7 سنوات و6 أشهر وبعمر عقلي قدره 5 سنوات و3 أشهر.

م ذ = 63

90 × 100 = 70

إن متوسط معامل الذكاء الاحصائي للسكان في هذا النوع من القياس هو المائة. وتغدو النقط فوق المتوسط وتحته أقل تكراراً بمدى ابتعادها عن المتوسط (أسعد، 81).

عمد فكسلر الى إيجاد طريقة لقياس الذكاء تختلف جذرياً عن منهج بينه وذلك بالتخلي كلياً عن مفهوم العمر العقلي واستخدام مقياس نقطي للذكاء. وخلافاً لبينه الذي ينقط الشخص بالأشهر والسنين، يعمد فكسلر الى قياس مبحوثه بالنقط الخام ثم يحولها لمعاملات ذكاء. تعطي روائز فكسلر للراشدين والأطفال بمن فيهم أطفال ما قبل المدرسة ثلاثة معاملات ذكاء: الأول لفظي والثاني عملي والثالث كلي.

يمكن لأمثلة من رائز فكسلر الحديث لأطفال ما قبل المدرسة أن تساعد على إيضاح القابليات التي تختبرها المقاييس العملية والنظرية. يقوم أحد الروائز النوعية على المعلومات العامة ويشمل أسئلة مثل كم أذنا لك؟ وماذا يعيش في الماء؟ ويتكون رائز لفظي آخر من المفردات التي يسأل الطفل عن تعريفها. يبدأ الرائز بكلمة حذاء وسكين، ثم ينتقل الى المفردات الأكثر صعوبة مثل مجهر ومقامر. ويسأل أحد الروائز العملية الأطفال عن المقوم الناقص لشيء مألوف مثل سن مشط مكسورة. ويتطلب رائز عملي ثان تصميم شكل باستخدام المكعبات. تجدر الإشارة هنا الى أنه على الرغم من استخدام روائز بينه وفكسلر بنوداً وإجراءات روز وطرائق تنقيط متباينة فإنها تترابط فيما بينها بمقدار 00.75 وهذا أمر يدل على أن الرائزين يقيسان قدرة عامة أو ذكاء عاماً إضافة لقياسهما قابليات خاصة تتطلبها مختلف بنود الروائز العقلية. وإن نحن سألنا عن السبب الذي يجعل روز أطفال المدرسة وما قبلها أكثر صدقاً وثباتاً من روز الرضع، وجدنا أن صغار الأطفال، وخلافاً للرضع، يمتلكون قابليات لفظية تسهل استجابتهم للتعليمات وإجابتهم عن البنود. ثم أن أولئك الأولاد أكثر اجتماعية وأقدر اتصالاً وأقل تركزاً حول اهتماماتهم الخاصة من أندادهم الرضع. لكن روز الطفال يتطلب مهارة خارقة لأن على هؤلاء أن يشعروا بالراحة والرضى من الراشد كي يتمكنوا من إنجاز ما يطلب إليهم. وقد أشارت إحدى الدراسات الى العلاقة بين شعور الطفل بالراحة وبين إنجازه في الرائز. أكد الباحثون بأن واقعة فقر إنجاز الأطفال المحبطين في روائز الذكاء يرجع لعوامل دافعية مثبطة وليس لانخفاض القدرة العقلية. تشمل تلك العوامل الشك بالراشد الغريب وعدم الرغبة في أن يبدو المرء مصيباً لمجرد الصواب، وركون المفحوص للرضى بمستويات تحصيل دنيا.

لا بد من الإشارة الى أنه لا يصح الاعتماد على معامل الذكاء وحده في تقويم الناشئة. من المؤكد أنا لذكاء المرتفع، على الرغم من فائدته الكبرى في المدرسة والحياة، وبالنسبة لكافة مراحل النمو، غير كاف بحد ذاته ولا يضمن النجاح. فقد يكون معامل الذكاء مرتفعاً مع أن صاحبه فقير في السلوك الاجتماعي والخلقي وفي الكثير من المهارات وأنماط الفعل الضرورية لمواجهة متطلبات الحياة. تؤكد بعض الدراسات أن معامل الذكاء المرتفع لا يضمن مهارة الانجاز الكاملة. ولا شك أن العمل المدرسي يتطلب أكثر من معامل ذكاء مرتفع من أجل التكيف المناسب.
من جهة ثانية تعرضت مقاييس الذكاء ونظرية القدرات العقلية بمجملها لهجوم عنيف من قبل بعض علماء النفس الذين تحدوا معنى روائز الذكاء وقيمتها، يدّعي هؤلاء أن روائز الذكاء لا تقيس الذكاء الأصلي بل تقيس مجموعة محدودة من الكفاءات التي تتعلمها الطبقة المتوسطة. وتشمل تلك الكفاءات المهارات اللفظية والاتجاه من التحصيل، وأساليب إجابة الرائز وغيرها. وبما أن تلك المهارات تكون مكتسبة وليست جزءاً من المعطى الأصلي للطفل، فإن ابن الطبقة المتوسطة والعليا يكون في وضع محاباة وتحيز خلافاً لوضع ابن الطبقة الدنيا الذي يتصف وضعه إبان الروز العقلي بالتحيز الظالم. وهذا ما يفسر السبب الذي يجعل أبناء الطبقة المتوسطة يحصلون بالنظام على نقط أرفع من نظيرتها لدى أبناء الطبقات الدنيا.

تؤيد دراسات الأغناء التربوي التي أجرتها السلطات التربوية في مدينة نيويورك وجهة النظر السابقة تأكيداً مطلقاً. تبين في هذا الصدد أن المعايير العمرية والانحرافات الفردية عن هذه المعايير تتحدد بالروائز التي ترتبط بنتائجها بدرجة هائلة بالوسط الاجتماعي الذي ينشأ فيه الأطفال، وبما يتوفر لهم من عوامل التعليم والتعلم. ومن هنا فإن لأبناء الطبقات العليا في روائز الذكاء فرصاً أكبر للنجاح من أبناء الطبقات الدنيا وخاصة منهم أبناء الأقليات العرقية. تشير الدراسات المذكورة الى أن معامل الذكاء الذي يصف، بدرجة ما، القابليات الفردية للطفل يظل دائماً موضع شك. فقد يخفق الطفل على سبيل المثال، في حل مسألة من المسائل أو بند من بنود الاختيار لا لأنه متخلف بالفعل، بل لأنه لم يكتسب ببساطة خبرة أو معرفة بهذه الناحية (أسعد، 1967). بالإضافة الى ذلك تعول روائز الذكاء على الإنتاج النهائي للنشاط العقلي دون أن تعير اهتماماً لكيفية تشكل هذا النشاط وصيرورته. فليس المهم أن تحدد إنجاز الطفل في جانب محدد فحسب، كما هو الحال عند استخدام الروائز العقلية، بل المهم تتبع مسار النمو من أجل تحقيق التحكم الأمثل بعملية النمو وهكذا فإن تقديرات الأطفال عن طريق روائز الذكاء يجب أن تدعم بمعلومات تأتي من مصادر أخرى وذلك لاعتبارات علمية وعملية.

النمو الإدراكي

يشمل النمو الإدراكي العمليات التي بوساطتها اكتساب المعلومات التي تصلنا عبر الحواس. ويتحدد النمو الإدراكي بالمخطط الإدراكي العام الذي يتأسس أثناء سنوات ما قبل المدرسة وينمو على النحو التالي: يميل إدراك الطفل الصغير لأن يمسك بالملامح الغالبة في المثير ويتشبت عليها. ويتحرر إدراك الطفل من اتكاليته المبكرة على الملامح الغالبة في المثير مع تدرجه في السن ونضج قدراته المكونة، بحيث يستطيع استشفاف تركيبات المثير وتنظيمها ككل. يظهر هذا التغير في الوقت نفسه الذي ينمي فيه الأطفال عدداً من المهارات الحركية.

يتجلى النمو الإدراكي للطفل في واقعة تفضيله لمجموعات المثير المعقدة، وفي ازدياد قدرته على التعامل معها ومجابهتها. ومن المتفق عليه أن يمثل التعقيد والجدة اثنين من مميزات المثير التي تجر سلوك الاستطلاع من جانب الطفل. يمكن لنا أن نتوقع، طبقاً لهذا، أن يصير الطفل أكثر تنبهاً للمثيرات المعقدة وأميل لتفضيلها على سواها بتدرجه في السن وازدياد قدرته على فهم تلك المثيرات. وهذا ما يحدث بالفعل. فعندما تعرض على الأطفال مجموعة من الأشكال المتزايدة في التعقيد ويطلب اليهم رسمها من الذاكرة، يميل كبار الأطفال الى اكتشاف الشكل الأكثر تعقيداً، وذي الجوانب المتعددة، وتفضيله على سواه وذلك خلافاً للأطفال الصغار.
والظاهرة الإدراكية الأخرى التي تواكب نمو القدرة الإدراكية للطفل، هي التعميم عبر الأنماط الحسية. تتجلى تلك الظاهرة بمقارنة ما عاناه الطفل في حاسة ماء، بما عاناه في حاسة أخرى. يسأل الطفل ، مثلاً، أن يمسك وهو مغمض العينين شكلاً ما ثم يتعرف عليه بعد تمثيله أمام بصره. أكدت الدراسات أن التعميم عبر الأنماط الحسية ينمو مع تصاعد الناشئ في العمر. ففي إحدى الدراسات سئل أبناء الرابعة والخامسة رسم نغم موسيقي سمعي عرض عليهم فعجز الصغار عن عزل السلاسل الزمنية عن المكانية. وما أن بلغ الأطفال السنة السابعة من العمر حتى أجادوا التمثيل المكاني للسلاسل الزمنية دون أن يحاولوا تقليد الملامح العضوية للصوت.

من جهة ثانية، تشير الدراسات، في مجال تعميم النمط الحسي، الى أن الإدراك لا ينمو في عزلة عن الظواهر النفسية الأخرى مثل الدافعية وسواها، بل أنه ينمو متفاعلاً مع تلك الظواهر. وللدلالة على ذلك، هب أنك طلبت الى أبناء الرابعة حتى الثامنة رسم صور سانتا كلود، دورياً قبل عطلة الميلاد وبعد أسبوعين منه، فإنك ستلاحظ أن صور القديس المذكور تكبر كلما قرب الميلاد وتصغر بإشراف العطلة على الانتهاء.

يرتبط النمو الإدراكي بنظيره اللغوي، فيساعد ترداد أبناء الرابعة لأسماء الأشكالعلى تذكر تلك الأشكال أكثر مما لو سمعوا شخصاً آخر يردد تلك الأسماء. ثم إن سماع الآخر يردد أسماء الأشياء يساعد الأطفال على تذكر الأشياء أكثر مما لو لم يسمعوا أسماءها قط. ولقد تبين أن للغة أهميتها في مساعدة أبناء الرابعة على التمييز الإدراكي لعجزهم عن التركيز الانتقائي في تلك السن. فاللغة تساعد الأطفال على انتقاء الجوانب الهامة من مثير معقد، وإهمال الجوانب الثانوية من ذاك المثير. من الواجب هنا أن نلاحظ أن تأنيب الوالدين للصبي والمتمثل بقولهم: "أنظر ما تفعل" يجب أن يتخصص حتى يصبح مجدياً. ومن الأفضل للوالد في هذه الحالة أن يقول للولد: "راقب حافة كأسك عندما تصب العصير".

الذاكرة

الى أية درجة من الصحة والجودة يستطيع الأطفال تذكر ما يسمعون أو يرون؟ ليس هذا بالسؤال السهل، إذ يتوقف الأمر على طبيعة المادة المتذكرة أهي لفظية أم تصويرية، وعلى ما يقصده السؤال من تذكر طويل المدى أم قصيره، وعلى المستوى النمائي للطفل، وخاصة في القدرات الإدراكية . من الأفضل إذا كان على الطفل أن يتذكر شيئاً ما، عرض ذلك الشيء أو اسمه، أو الشيء واسمه على الطفل. لا بد هنا من التساؤل عن طبيعة النشاط التذكري للطفل، فقد تكون ذاكرته بصرية أو سمعية أو سمعية بصرية أو من بعض أنماط حسية أخرى. وعلى العموم، يميل أطفال ما قبل المدرسة الى تذكر صور الأشياء بشكل أفضل بكثير من تذكرهم لأسمائها. لقد تذكر أبناء الرابعة في إحدى الدراسات 93% من الأشكال الستة عشر التي عرضت عليهم ولم يتذكروا سوى 71% من بنود لفظية عرضت عليهم بالشروط التجريبية ذاتها. غير أن من الضروري أن نلاحظ أن المبحوثين كانوا يحاولون تسمية الأشياء التي عرضت عليهم، الأمر الذي قد يدفعنا الى الشك بتعاون الشيء مع اسمه على مساعدة الصغار على التذكر.

كانت مواد التجارب المذكورة صور ومفردات لا رابط بينها. فماذا يحدث لو عقدت المادة المطلوب تذكرها؟ وهل يستطيع الصغار تذكر الأفكار المترابطة في مادة نثرية أكثر من تذكرهم نظيرتها المفككة في نفس المادة؟ إن النتيجة واضحة. يستطيع أطفال ما قبل المدرسة تذكر الأفكار ذات السياق المترابط بمعان خصبة أكثر من قدرتهم على تذكر أفكار تعجز معانيها عن إقامة سياق ترابطي متماسك. يشبه تذكر الصغار، بهذا المعنى، تذكر الأطفال الكبار والراشدين، ويبقى الفارق بين الفئتين في عجز الصغار عن تذكر قدر مماثل للأطفال الكبار والراشدين.

لا يملك الصغار في تذكرهم لقوائم المفردات، والنثر، وسلاسل الصور، أساليب تذكرية ملائمة. الغالب أن يربط كبار الأطفال والراشدين العناصر الفردية لمتذكر ما بصنف أعم منه، إلا أنه تعوز أطفال ما قبل المدرسة مهارات التصنيف الفرز والتعميم. فقد يصنفون كلباً وقطاً معاً ويهملون البقرة والبغل لأن الكلب والقط يعضان، والبغل يحمل والبقرة تعطي الحليب. وتكتمل القدرة التصنيفية للأولاد بحلول عامهم السابع فيذكرون الأشياء في إطار أصنافها الأكثر عمومية. ولا يعني هذا إن القدرة التصنيفية تنمو بصورة مفاجئة بل إن لها جذورها النمائية التدريجية المتمثلة بمناورات بدائية للأولاد الأصغر من السابعة. فلقد لوحظ ان ابن الثالثة يستخدم مخططات مكانية وزمانية ولفظية أكثر من ابن الثانية. لذلك، إذا ما سئل أبناء الثالثة والثانية أين خبأت اللعبة؟ مال أبناء الثالثة للالتفات صوب المكان الذي خبئت فيه اللعبة أكثر من ميل أبناء الثانية له ذلك بصدد الذاكرة القصيرة المدى فماذا بشأنا لذاكرة الطويلة المدى؟

يروي بياجه واينهلدر نتائج مثيرة للدهشة بصدد التذكر الطويل المدى. فقد أنكر الباحثان أن التذكر يكون نسخاً عن المعاناة أو خزن بسيط واستعادة للمخزون من الطبيعة نفسها. إن التذكر، برأي بياجه ورفيقه، فعالية نشيطة تخضع معها المعاناة الأولية لتحولات عديدة عميقة قبل أن تسترجعها. وما يتذكره الطفل لا يشابه الأصل المختزن. وفي الواقع لم تكن نتائج بياجه واينهلدر بجديدة إذ سبق لبارتليت وفرويد أن أوضحا أن المخزون المتذكر يتعرض للعديد من التحولات التلقائية. لقد أبان بارتليت أن القصص المتذكرة تتنمق أو تنشحذ في بعض الجوانب، وتستوي أو تتغير في جوانب أخرى فيعدو الجبل هضبة، وخمسة الأيام والنصف أسبوعاً. لاحظ فرويد بدوره أن الكثير مما تذكره مرضاه لم يخرج عن كونه تخيلات مصطنعة أو مشاهد بناها اللاشعور لإخفاء الحوادث المؤلمة أو تمويهها. وكل ما فعله بياجه وفيقه هو إضافة البعد النمائي لفكرة "بارتليت" وفرويد. فقد أظهر الباحثان، في سلسلة من الدراسات، أن تذكر الأطفال للأشياء الكمية يتغير تلقائياً مع نمو القابليات العقلية اللازمة لفهم العلاقات الكمية. عرض على أولاد الرابعة والخامسة والسادسة في إحدى الدراسات، مجموعة من ثماني عصي شكلت سلسلة بحجوم مرقمة. رتبت العصي من الأصغر للأكبر وسئل الأولاد أولاً نسخ السلسلة ثم سئلوا رسمها من الذاكرة، وذلك مباشرة بعد رؤيتها، وبعد أسبوع أو ستة أشهر من رؤيتهم لها. صعب على أبناء الرابعة نسخ السلسلة وتذكرها بشكل دقيق، وغالباً ما كانوا يرسمون زوجاً من العصي تكبر إحداها الأخرى. خلافاً لأبناء الخامسة والسادسة فقد كانوا أكثر دقة وأعطوا نسخاً مطابقة للسلسلة. المذهل أن يبدي أبناء الرابعة تحسناً واضحاً في رسمهم السلسلة بعد ستة أشهر من رؤيتها على رسمهم لها بعد رؤيتها مباشرة وذلك على الرغم من أنهم لم يسألوا رسم السلسلة ين التاريخين. وقد خلص بياجه واينهلدر الى القول بأن التحولات قد حدثت نتيجة لنمو القدرة الإدراكية لترتيب عصي من حجوم مختلفة. ولقد دعم باحثون آخرون نتائج بياجه وزميله.

قدم بياجه واينهلدر دليلاً جديداً على أن التذكر ظاهرة نشطة. وليس ضرورياً في ضوء نتائج بياجه، الإنسياق مع رأي فرويد وبارتليت، القائل بأن للذاكرة خاصة تشويهية، إذ أن التذكر يتحسن مع الزمن. والمبدأ نفسه لا ينطبق على حوادث الطفولة المبكرة إذ لا يتذكرها الراشد إلا نادراً جداً. ولا يشمل "هذا النادر" سوى حادث أو حادثين جزئيين مفككين وغائمين. يرجع السبب في ذلك الى غموض مفهومي الزمان والمكان عند الطفل. فالذكريات تخزن في إطاريها الزمني والمكاني كما يتمثل الأمر في سؤالنا اين كنت ليلة..؟ ومفاهيم الصغار عن المكان والزمان في غاية الغموض إذ أنهم يعجزون عن إقامة إطار منهجي يمسك الذكريات. وهذا ما يجعلهم، عندما يصبحون راشدين، عاجزين عن تذكر حوادث طفولتهم المبكرة.

تعلم التفريق

يعدّ تعلم الطفل التعرف على هويات الأشياء المدركة وتمييزها بعضها من بعض أساسياً للنمو العقلي له، إذ يشكل التمييز بين خواص الأشياء الخطوة الأولى في تعلم المفاهيم التي تعرف بأنها استجابات عامة لمثيرات متباينة. سبق إن أشرنا الى بعض جوانب التفريق في مناقشتنا للإدراك، وسوف نركز الشرح هنا على الجوانب التعليمية للتفريق.

تبين الدراسات أن تغيراً كيفياً في تعلم التفريق يحدث بين عمري الرابعة والسادسة . وفي إحدى التجارب على التحويل العكسي والتحويل الزائد البعد درب المبحوثون في المرحلة الأولى على التفريق عبر بعد واحد فقط كاللون وعلى إهمال الفروق في البعد الآخر، أي الشكل. كان المبحوثون بعد أن يجيدوا التفريق بتعزيز الإجابة الصحيحة وعدم تعزيز الإجابة الخاطئة يتعرضون لإحدى مشكلات التفريق. وفي المرحلة الثانية من التجربة عدلت الشروط، وكان على المبحوثين التفريق عبر بعدي اللون والشكل على السواء. فأصبح اللون الأبيض (الذي كان من قبل خاطئاً) صواباً واللون الأسود (الذي كان من قبل صواباً) خاطئاً، وجعل البعد الآخر، وهو الشكل الذي كان من قبل زائداً، منتمياً. أظهرت التجربة أن مصاعب صغار الأطفال والحيوانات في التحويل العكسي أكثر من نظيرتها في التحويل الزائد البعد، خلافاً لكبار الأطفال والراشدين الذين استسهلوا التحويل العكسي على التحويل الزائد البعد. يرجع السبب في ذلك، كما يرى الباحثون، الى أن التعلم التفريقي يعني بالنسبة للأطفال الصغار، تعلم شيء ما حول مثير ما، إما بالنسبة لكبار الأطفال والراشدين، فإنه يعني تعلم مفهوم أو استجابة وسيطة. فيتعلم الصغار إن (أسود) صواب وأن (أبيض) خطأ، أما الكبار فيعدون (اللون) على ميلهم للإستجابة (للأسود)، خلافاً للكبار والراشدين الذين ليس عليهم أن يغيروا استجابتهم (للون) لكونه البعد الملائم. يحدث نقيض ذلك في التحويل الزائد البعد، فليس على الصغار تغيير استجابتهم السلبية (للأبيض) إذ إن ثمة بعداً آخر قد أضيف، إلا أن الكبار الراشدين يضطرون للاعتراف بأن البعد الإيجابي السابق قد تحول الآن سلبياً وبالعكس.

يستلزم التعلم التفريقي بالنسبة لكبار الأطفال والراشدين، إذن، تعلم مفهوم أو استجابة وسيطة (اللون والشكل في المثال السابق) وذلك بخلاف صغار الأطفال الذين يتعلمون "تفريق هذا الشيء عن ذاك بتأثير هذا المثير أو ذاك". ليس من الضروري أن تكون الإستجابة الوسيطة التي تدل على إنجاز كبار الأطفال والراشدين لفظية دائماً. يؤكد بياحه أن تخلف صغار الأطفال في التفريق قد يرجع الى نقص في القدرة على استخدام الوسيط، أو الى النقص التوليدي. ففي موقف معين قد يعجز الفرد عن إداء الإجابة لعدم معرفته بمفهوم ما وهو نقص في القدرة على التوسط، وفي موقف آخر قد يعجز الفرد عن إداء الإجابة لعدم ربطه للمفهوم بغيره من المفاهيم، أي أن الطفل لا يفكر بالكلمة من حيث صلتها بالتعريف وهذا هو النقص التوليدي. في دراسة أخرى تسمى "تغيير الوضع"، درب الأطفال على الاستجابة لأكثر من مثيرين، مثل الدائرة الأكبر في زوج من الدوائر. وفي مرحلة الاختبار عوضت الدائرة الأصغر من الزوج الأصلي بدائرة أخرى أكبر من الاثنتين الأساسيتين فما هي الدائرة التي اختارها الطفل في هذه الحالة الدائرة الأصلية أم الدائرة الأكبر؟. وبصورة أدق، هل تعلم الطفل الاستجابة خلال تعلم التفريق لمثير محدد أو للعلاقة بين المثيرات.

تتوقف الإجابة عن هذا السؤال جزئياً على المسافة بين المثير الذي استخدم في الأصل لتدريب الطفل والمثير المستخدم لاختباره. يقيم صغار الأطفال اختيارات علائقية عندما يكون المثير المقدم حديثاً، أي الدائرة، أكبر كثيراً من المثير الأصلي. لكن، عندما لا يكون المثير المذكور أكبر كثيراً من المثير الأصلي فإنهم يختارون المثير الأصلي ولا يعودون يستجيبون على أساس علائقي. يبدو، إذن، أنه في حالة تحويل توضعي كبير، تقوم الحاجة الى وسيط رمزي مشابه لنظيره في التحول العكسي. من الممكن التأكيد أن في مقدور أبناء الثالثة أداء اختيارات ذات فروق ضخمة أن هم دربوا على الاستجابة اللفظية للعلاقات ليس كافياً. والوسيط اللفظي يستدعي أكثر من مجرد القدرة على قول الكلمة أو تردادها ويتطلب غالباً قدرة توليدية تعوز أبناء ما قبل المدرسة.

سلوك المحافظة

اتخذ بياجه منهجاً نمائياً لدراسة التعلم الإنساني، فحاول تتبع نمو التفكير لدى الأطفال من الرضاعة للمراهقة. يعتقد بياجه أن الطفل يتعرف على العالم من حوله بالإخضاع التصاعدي للإدراك لسلطان العقل، وهو ما يميز سير العلم عموماً. فليست كروية الأرض بأمر واضح في ذاته، بل لا بد من استنتاجها من بعض الإمارات مثل ظلال الأرض على القمر واختفاء المراكب عبر الأفق. ولقد استغرقت البشرية آلاف السنين للتغلب على انطباعاتها الإدراكية بصدد انبساطية الأرض ودوران الشمس حولها.

ولمعرفة ما يخضع من عالم الطفل للإدراك وما يخضع منه للمنطق، صمم بياجه بعض مهمات المحافظة حيث يجابه الطفل بموقف تتعارض فيه الأحكام الإدراكية والمنطقية. تعاون بياجه مع رفاقه لتصميم مهام حفظ متباينة لعدد من المفاهيم تشمل العدد، والمكان، والزمان، والكمية، والحركة، والسرعة. وعلى العموم، لم يبد أغلب اطفال ما دون السابعة أي ميل لسلوك المحافظة في أي من المجالات السابقة. ويعتقد الباحث أن أطفال ما قبل المدرسة تعوزهم القدرة العقلية أي قدرات التفكير، للتغلب على الأوهام التي تتجسد في الإدراك. وبعبارة أخرى، فإن ما يسيطر على تفكير الطفل في المرحلة الأولى من نموه هو معطيات الإدراك الحسي التي لا تدع له فرصة تأويلها أو التفكير فيها. لذلك فإن الطفل يدرك الموجودات كما تبدو له ظاهراً. ولكي يصل الطفل الى أحكام صحيحة على الأشياء المدركة لا بد له من أن يصل الى مفهوم المحافظة أو الثبات، ذلك المفهوم الذي يسمح له بإدراك الموجودات على أساس من التصنيف والتنظيم والفهم لخصائص الأشياء والكميات. كررت تجارب بياجه في أرجاء مختلفة من العالم وأعطت نتائج مذهلة. من طرف آخر ادّعى بغض الباحثين أن لصغار الأطفال قدرة أكثر مما عترف لهم به بياجه.

ثمة مشكلتان جذبتا الانتباه خاصة وهما: الاستدلال التحويلي ومفهوم الطفل الصغير عن العدد. يعرض بياجه على الأطفال ابريقين مليئين بنفس القدر من عصير البرتقال، الى جانب ابريق ثالث فارغ طويل وضيق. ويسأل الطفل عما إذا احتوى الابريقان الأولان نفس القدر من الشراب. وما أن يقتنع الطفل بتساوي الشراب في الإبريقين، حتى يعمد الباحث الى صب أحد الإبريقين في الإبريق الرفيع الطويل ويسأل الطفل إذا كان الإبريق الثالث يضم نفس كمية الشراب التي يضمها الإبريق الأول. يتوهم الطفل أن في الإبريق الثالث شراباً أكثر مما في الأول. وعلى الطفل، للتغلب على وهمه، أن يستخدم المنطق ويؤكد تساوي الكميتين. وهكذا تعطي إجابة الطفل المتمثلة بتساوي الكمية دليلاً على أن الطفل قد تطور واكتسب مفهوم الثبات. أما الإجابة المتمثلة بزيادة إحدى الكميتين على الأخرى فتدل على تباطؤ نمو الطفل في مفهوم الثبات (بيرد، 1976).

الاستدلالات التحويلية

افرض أنك أريت طفلاً عصوين من طولين مختلفين، وأن العصا الأولى كانت أكبر من الثانية، وأنك سألته أي العصوين أطول من الأخرى. ثم افرض أنك أريت الطفل عصوين الأولى من الزوج السابق والأخرى جديدة، وسألته أيهما أطول. أخيراً هب أنك سألت الطفل دون أن تسمح له بمقارنة العصي مباشرة، أي العصوين أطول من الأخرى، الأولى أم الثالثة. تكون العصار الأولى أكبر من الثانية والثانية أكبر من الثالثة، فإن خلص الطفل الى التأكيد بأن الأولى أكبر من الثالثة يقال أنه أجرى استدلالاً تحويلياً. ادعى بياجه أن صغار الأطفال دون الخامسة أو السادسة لا يقيمون استدلالات تحويلية. ودعم باحثون آخرون، ومن مشارب معارضة لمشرب بياجه، رأي الأخير. إلا أنه وفي السنوات العشر الماضية أكد باحثون آخرون أن أبناء الثالثة أو الرابعة يستطيعون أيضاً إجراء الاستدلالات التحويلية وأنهم أكثر كفاءة في الإدراكية المنطقية مما تصوره بياجه.

يأتي الدليل بصدد الأحكام التحويلية لأطفال ما قبل المدرسة من دراسات درب فيها الأطفال على مقارنة الأزواج المختلفة من العصي قبل استدلالهم. علّم الأطفال في إحدى الدراسات أن آ أكبر من ب، وب أكبر من جـ، وجـ أكبر من د، ود أكبر من هـ، وذلك باستخدام عدد من العصي بألوان مختلفة. وكانت أطوال العصي كالآتي

آ =7سم، ب=6سم، جـ=5سم، د=4سم، هـ=3سم.

وكانت الألوان بالتتالي أزرق، أحمر ، أصفر، أبيض. استخدمت في الدراسة قطعة من الخشب مثقوبة بأعماق متباينة، بحيث لا ترتفع أي من العصوين المثبتتين باللوحة عن 1.5 سم. وسئل الأولاد عن أي العصوين أطول من الأخرى وذلك عندما تكونان مثبتتين الى اللوحة ثم عرض عليهم الطول الفعلي للعصوين بإزاحتهما من اللوحة. هكذا تعلم الصغار التعرف على مختلف الأطوال بوساطة اللون، كما تعلموا تلك المقارنات بسهولة. وطلب الى الأولاد في الروز مقارنة العصا "ب" بالعصا "د" عندما كانتا في اللوحة. فأصاب أكثر من 75% من أبناء الرابعة الإجابة. أكد باحثون آخرون تلك النتائج. أيمكن لصغار الأطفال أن يسلموا أنفسهم للتدرب على إقامة الاستدلالات التحويلية؟ أنه لمن الممكن أن يكون الأطفال خلال التدريب قد أفرطوا في تعلم حجوم العصي التي ربط كل منها بلون معين، أو يمكن أن يكونوا قد أقاموا صوراً عقلية للعصي أثناء التدريب ومن ثم راجعوا الصور العقلية في رؤوسهم عندما سئلوا مقارنة "ب" و "د". إن كان الأمر كذلك، فمن الأرجح ألا يكون الصغار قد صنفوا الإجابة الصحيحة بوساطة التفكير التحويلي بل بوساطة التخيل العقلي. وهكذا، يبقى من غير الواضح ما إذا كان بإمكان أطفال ما قبل المدرسة التدرب على إقامة الاستدلالات التحويلية، إلا أنه لا يمكن لأغلب صغار الأطفال استخدام مثل تلك الاستدلالات بصورة تلقائية.

ثبات العدد

هدف بياجه في واحدة من تجاربه الى دراسة مفهوم الطفل عن العدد وثباته. عرض على الطفل صف من ستة أقراص بلاستيكية وسئل أن يأخذ العدد نفسه من كومة من الأقراص بجانبه، وأن يقيم صفا مماثلاً. تميزت الاستجابة بتصاعد نمائي عادي مرتبط بالسن. لقد قلد أبناء الرابعة التوضع المكاني للعناصر المصفوفة وتجاهلوا الطول، فطال صفهم وتضمن عدداً كبيراً من الأقراص، أو قلدوا الطول وتجاهلوا التوضع المكاني أحياناً، أي أنهم فضلوا عدداً كبيراً من الأقراص. أما أبناء الخامسة والسادسة فقد قلدوا المثال آخذين بعين الاعتبار طول الخط والتوضع المكاني.

يعتقد بياجه أن الطفل يملك إحساساً حقيقياً بالعدد، فقط أن هو تغلب على الوهم الإدراكي للعدد وذلك بمعونة التفكير المنطقي. ويرى الباحث أن التفكير المنطقي ينمو لدى الطفل بفضل استيعاب الأفعال العقلية، هذه الأفعال التي تتشكل في إطار منظومة متكاملة كما هو الحال في العمليات الحسابية التي تتميز بعكسيتها. فالمجموع
6 + 6 = 12 يعكس بالتالي الى 12 – 6 = 6 والضرب والقسمة شأن الجمع والطرح، يخضعان للعكس أيضاً. تسمح "عكسية" العمليات العقلية للطفل بالرجوع الى نقطة البدء في تجربة الثبات فيعرف بأن تحولات بعثرة الأقراص تقبل العكس، بحيث يبقى عدد الأقراص كما هو.

تحدث بعض الدراسات تفسيرات بياجه لنمو العدد. استخدم الباحث، هنا، إجراء يختلف عن نظيره لدى بياجه، فلم يمثل أي تحول للأولاد، وانقص عدد العناصر المستخدمة، كما جعله مختلفاً أحياناً. غير أن إعادة التجربة بإضافة الفئات الضابطة الملائمة، لم يوصل الى نتائج مشابهة. ثم أن فئة ثالثة من الباحثين أكدت أن الاطفال الصغار لا يفهمون العبارت "نفس" "أكثر" بالطريقة ذاتها التي يفهمها أبناء الرابعة أو الخامسة. الواضح، إذن، أن تجارب الثبات ما زالت تعاني الكثير من المشكلات الطرائقية.

يرجع بعض الخلاف حول ما إذا كان لصغار الاطفال مفهوم واضح عن العدد الى الفشل في الاعتراف بوجود مستويات مختلفة من المفاهيم . لابناء الثالثة والرابعة مفهوم إجمالي للعدد بحيث يحكمون على العدد أو الكم في إطار "الجمع" الإدراكي وليس في إطار التوحيد الإدراكي. يعرض أبناء الرابعة والنصف حتى الخامسة والنصف في المرحلة التالية مفهوماً أكثر وضوحاص للعدد بحيث يبدأون بإدراك وجود صيغة ما للوحدة التركيبية. أما في المرحلة الثالثة التي تمتد بين الخامسة والنصف والسادسة والنصف فيستخدم الاطفال مفهوماً صحيحاً للعدد بحيث يقيمون بسرعة ودون خطأ مطابقة متناظرة. يمتلك أطفال المرحلة الأخيرة مفهوماً تركيبياً توحيدياً للعدد، لأن تقديرهم للعدد يتوقف على عد العناصر الفردية. ويبدي الأطفال بصدد نمو مفهوم "الصنف" نمطاً نمائياً يماثل نمط نمو العدد. فإذا أعطي الصغار أشكالاً هندسية ملونة مثل الدائرة والمثلث والقوس والمستطيل وسئلوا تصنيفها على أساس تماثلها، فإنهم يقيمون مجموعة خطية، أي أنهم يقيمون أشياء مثل المنازل ولا يصنفون أشياءهم على أساس خواصها. وفي مرحلة ثانية مقابلة للمرحلة التبصيرية في نمو العدد، يجمعون أشياءهم في إطار الشكل، غير أنهم يتذبذبون بعض الشيء فيجمعون خمسة مثلثات ومستطيل. أما في المرحلة الأخيرة فيرتب الصغار أشياءهم بحسب الشكل واللون.

نمو اللغة

يكون نمو اللغة في مرحلة ما قبل المدرسة مذهلاص، إذ ينتقل الطفل من لعثمة كلمة واحدة خلال السنة الأولى من الحياة الى البناء اللفظي الكامل في السنة الرابعة أو الخامسة. وتتضارب الآرءا حول طبيعة الانقلاب اللغوي المذكور وآليات حدوثه، غير ان الباحثين جميعاً يتفقون على أن الدراسات النمائية التي تتعلق بكيفية اكتساب الطفل للغة وكيفية استخدامها، إنما تشكل المنهج الملائم لفحص نمو اللغة. لذلك فإن أكثر الأبحاث تستخدم دراسات طولانية مع عدد من الصغار بهدف تتبع نمو اللغة. سوف نحاول هنا مراجعة بعض جوانب النمو اللغوي خلال سنوات ما قبل المدرسة، إضافة لعرض بعض النظريات التي تحاول تفسير ذلك النمو.

اكتساب اللغة

يعد طول اللفظة اللغوية أهم أبعاد النمو اللغوي الذي حظي بأكبر قسط من اهتمام الباحثين. تطول لفظة الطفل بازدياد سنه، وتعد العبارة المكونة من كلمتين مثل "ماما اشرب"، تحسناً ملحوظاً في فعالية الاتصال، إذ يستطيع ثنائيو العبارة اختيار أي تركيب من فاعل وفعل أو مفعول به. غير أن وحدة الفاعل والفعل تبقى أكثر التراكيب شيوعاً. ويزداد تباين البنى اللغوية بتقدم أبناء الثالثة والرابعة الى التجميع المركب من أربع كلمات. فيستخدم بعضهم أنفسهم وكلاء لأداء الشيء و الفعل وتتخذ جملهم صيغة أنا أقذف الكرة، أنا أريد الحلوى. وتعترف فئة ثانية من الاطفال بوجود آخر يفعل أويريد فتتخذ جملهم صيغ بابا يريد ، أو ماما تغير الشراشف. تقوم، إذن، فروق واضحة متميزة في كيفية اكتساب الاطفال للغة، وخاصة في الفترة التي يطول فيها التركيب وتتعدد مفرداته وتتنوع بناه. ثم إن مفردات اللغة ذاتها تتسع موزعة بين مفردات نشطة وأخرى خاملة مختزنة. وعلى الرغم من صعوبة تقدير حجم لغة الطفل، فإن بعض الباحثين يقدرون عدد المفردات الخاملة المختزنة لابناء الرابعة بعدة آلاف مفردة. ويقل عدد المفردات النشطة المستخدمة عن هذا العدد كثيراً. وليس لاكتساب مختلف أنواع المفردات صيغة موحدة، إذ تكتسب بعض المفردات أبكر من غيرها وتكتسب فئة ثانية بصورة أسهل من بقية المفردات. تركز الدراسات اللغوية في الوقت الحاضر اهتمامها في كيفية اكتساب نوع محدد من المفردات وخاصة منها المضادات "أكثر" و "أقل". وجد أن الصغار يفهمون كلمة أكثر دون أن يميزوها من كلمة أقل. إلا أن تلك النتائج لم تتأكد في كل الدراسات.

درس أيضاً مفهوم الزمن لدى الطفل، وبدا أن للطفل مفاهيم دقيقة حول الزمان والمكان، وينعكس فهمه لتلاحقات الزمن في لغته، فيبدأ فهم كلمة "قبل" و "بعد" خلال فترة ما قبل المدرسة، على الرغم من فهمه "لقبل" أبكر من فهمه "لبعد". إلا أن بعض الاطفال يخلطون المفهومين ويعدونهما مترادفين. والطريف أن يفهم الأطفال "أمس" أكثر من "غد". وليس لابناء الثالثة والرابعة مصاعب في فهم الحروف المحددة وغير المحددة فهم يستخدمونها بصورة جيدة.

النظريات التي تفسر النمو اللغوي

برز عدد من النظريات المتباينة لايضاح نمو القابليات اللغوية لدى الأطفال. تستطيع أي من تلك النظريات الاسهام بقدر ما في إيضاح النمو اللغوي وفهمه، دون أن تبلغ أي منها درجة من الشمولية بحيث تستطيع إيضاح كل جوانب النمو اللغوي.

تشير إحدى النظريات الى أن النمو اللغوي يعكس نضجاً في البنى اللغوية التي هي على درجة من الفطرية، وذلك بسبب عموميتها لدى كل أفراد الجنس البشري. مقدر للأطفال، طبقاً لهذه النظرية، أن يتكلموا لغة تحددها البيئة الاجتماعية للطفل. يستخدم الطفل، لتعلم لغته، اللغة، لا الملامح العامة للغة ومجموعة فرضيات تمكنه من تعلم الجوانب الفريدة في لغته. يولد الطفل، برأي تلك النظرية، ومعه بعض القدرات اللغوية. وقد دعممت بعض الدراسات المقارنة هذه النظرة.

يقف في الطرف الثاني أولئك الباحثون الذين يعتقدون بأن اللغة تكتسب كلياً بالتعلم. ويرجع ما يتعلمه الطفل الى تطويع ما يسمعه من الآخرين. فالسلوك اللغوي، شأن كل أنواع السلوك، يتعلم بضرب من التعزيز. أكدت نتائج أكثر الدراسات أن مفردات الطفل تزداد بازدياد استعداد الراشد للتحدث اليه. وتؤكد النظرية الثالثة في النمو اللغوي أهمية نشاط الطفل في تعلم اللغة. يرى أصحاب هذه النظرية أن النمو اللغوي مماثل للنمو المعرفي الإدراكي. فيتعلم الطفل المفردات والبنى الصرفية للتعبير مع تعلمه الاكتشاف النشط لمحيطه. وكما سبق أن أشرنا، يعرف الطفل أن الأشياء توجد، وتختفي، وتظهر. وهي تجربة يجب أن تخضع للترميز اللغوي. فتعلم الإسم يشير الى وجود الشيء وعبارة "كل شيء ولى" تشير الى اختفاء الشيء وعبارة "المزيد من الحلوى" تشر الى ظهور الشيء من جديد.

يتوفر في نمو الطفل اللغوي وقائع تدعم كل النظريات السابقة، ويبدو أن لكل منها جانباً من قول الحقيقة. أما الحقيقة كلها، فلا بد أن تقوم في شرح هذه النظريات في نظرية رابعة أوسع وأدق من كل ما قد اقترح.

مهارات الاتصال الدلالي

اللغة في جوهرها أداة اتصال، إذ يتمثل أهم جوانب النمو اللغوي في القابلية المتصاعدة لدى الطفل لاستخدامه اللغة للتعبير عن أفكاره. ولا يتم الاتصال المجدي إلا إذا أخذ المتحدث توقع السامع بعين الاعتبار. ثم إن فهم توقعات الآخر مهارة يجب إضافتها الى مهارة اكتساب اللغة وتسمى بمهارة الاتصال الدلالي.

كان بياجه أول من اهتم بمهارات الاتصال الدلالي، إذ لاحظ في أعماله المبكرة أن الأطفال غالباً ما يتحدثون عن بعضهم، وليس الى بعضهم، غذ تكون الكلمة لاحقاً بالفعل وليس وسيلة اتصال أو محاولة لأن تكون وسيلة اتصال. ربما قال ابن الثالثة: "أمي اشترت لي هذا الحذاء"، أو قال رفيقه: "هذا البليد لم لا يكتب جيداً؟".

دعا بياجه تلك اللغة بالقوقعية ولاحظ أنها تشكل جانباً كبيراً من لغة الصغار عندما يتحدث بعضهم الى بعض ولكنها تضعف عندما يتحدثون الى الراشد. عرف بياجه القوقعية بالعجز عن أخذ وجهة نظر الآخر أو توقعاته بعين الاعتبار في المخاطبة. توصل بياجه الى نظريته بطريق ملاحظاته الطبيعية . أكد الباحثون الذين استخدموا تجارب الاتصال الدلالي ملاحظات بياجه. عرضت على الاطفال في إحدى التجارب، أشكال هندسية وسئلوا تسميتها. فسمى الصغار الأشكال بسهولة "تفاحة"، "قط"، وكان في مقدورهم تلبية طلب الباحث إذ سماها وسألهم انتقاءها له. أيعطي هؤلاء الصغار للأشكال الهندسية أسماء ذاتية؟ لكن الأسماء ليست ذاتية بالنسبة لطفل يسمي الشيء ويتعرف عليه.

درب الصغار على إعطاء أسماء للأشياء، ورتبوا في أزواج وأجلسوا الى الطاولة بعضهم قبالة بعض بعد أن وضع حاجز بين وجهي الطفلين. أعطى كل طفل مجموعة من الأشكال الهندسية، وكان عليه أن يلتقط شكلاص ويسأل شريكه تسميته له. لم يصف أبناء الثالثة والرابعة الشكل بل أعطوه الأسم الذاتي، ولم يفهموا أن الإسم لم يكن يعني شيئاً للطفل الآخر. أما اطفال السادسة أو السابعة فكانوا يصفون الأشكال بحيث يستطيع الطفل السامع التعرف على الشيء الذي اختاره المتحدث.

وعلى الرغم من أن للأطفال بين الثالثة والخامسة مصاعب في الاتصال بالآخر عندما يمتلك وجهة نظر مغايرة، فإنهم يمتلكون ضرباً، ولو فجا، من مهارات الاتصال الدلالي. يبسّط ابن الرابعة لغته عندما يتحدث الى ابن الثانية ولا يفعل ذلك عندما يتحدث الى الراشد. ويستطيع الأطفال أحياناً إدراك فروق التوقعات بينهم وبين الآخر.

خصائص تفكير الأطفال بين الثالثة والخامسة

قد يضيع، من يدرس مستوى النمو العقلي لأبناء الثالثة فالخامسة في فهم السمات المميزة لعالم الطفل العقلي فيعده قطعاً ممزقة أو نتفاً مفككة. الواقع أن لعالم الطفل العقلي تنظيمه الفريد ومنظوماته المتميزة عن نظيرتها لدى الراشد. وليس الراشد بغريب عن هذا العالم إذ أنه كثيراً ما ينكص الى أنماط التفكير الذاتية المميزة للطفل. درس بياجه عالم التفكير لدى الطفل ووصفه بالخصائص المميزة التالية:

1- السببية الظاهرية: ووفقها يفترض الطفل أن ثمة علاقة سببية بين الأشياء التي تحدث معاً. قد يخاف الطفل ويحدث أن يختبئ خلف غطائه فيتوصل الى الاعتقاد بأن الغطاء قد حماه من الأذى. لذلك، ما أن يشعر الطفل بالخوف مرات أخرى حتى يركض يختبئ خلف الغطاء. ليست السببية الظاهرة والحال كذلك نتيجة لضرب من التفكير يعرف بالاستدلال العبري الذي يوصف بالتالي:

آ و ب تحدثان معاً

آ قائمة

لا بد أن تكون ب قائمة

يرجع الكثير من عناد الطفل الى الاستدلال العبري، فيرفض طعامه لأنه سبق أن أصابته الحمى يوم تناوله. للاستدلال العبري استطالاته لدى الراشد في التفكير الخارق فالرجل الذي يمتنع عن الذهاب الى متجره عندما يصادف في طريقه امرأة تحمل جرة فارغة، إنما يفعل ذلك بسبب تجربة طفلية في الاستدلال العبري.

2- الاحيائية: وهي نزعة تقوم على الاعتقاد بأن الأشياء الجامدة حية، ذلك لأن الطفل ينمط العالم المادي من حوله في إطار تجربته. يحس الطفل بالألم والحرارة والبرد، فيفترض أن الحجر والشجرة تتألم وتتضايق من الحر والبرد. من مظاهر التفكير الاحيائي الاعتقاد بأن المشاعر مادية بنفس المعنى الذي يكون فيه اللون مادياً. حلل الحوار التالي بين الباحث وأحمد:

الباحث: لماذا تمسك فمك يا أحمد؟
أحمد: لأن ضرسي يؤلمني.
الباحث: أيؤلمك كثيراً؟
أحمد: نعم، ألا تشعر به؟

ليس عجباً في إطار فهمنا لإدراك الطفل للعبارات "قبل" و "بعد" و "أكثر" و "أقل" أن نرى الطفل يعد الموت والحياة مترادفين. فليس الموت بالنسبة لابن الثالثة أو الرابعة غياباً للحياة، فالحياة ، في خواص كل الأشياء، بل هو ضرب من الاختفاء المادي المؤقت تأمل الحوار التالي:
- محمود: لماذا يدفنون الأموات في الأرض؟
- خالد: لا أعرف أين تعتقد أنه يجب أن يضعوهم؟
- محمود: في صندوق القمامة.
- خالد: ولماذا في صندوق القمامة؟
- محمود: طيب، يكون أسهل لهم أن يخرجوا ولا يكونون متسخين كثيراً.

أما في الطفولة المتوسطة فيفهم الصغار أن الموت توقف للحياة بالمعنى العضوي، وتكون التجربة المعرفية مفزعة تماماً.

3- الغرضية: تقوم الصيغة الثالثة لتفكير الطفل في الغرضية. يعتقد الصغار أن كل شيء في العالم صنعه الإنسان لهم. وإذن يجب أن يكون لكل شيء غرض، ويجب أن نفهم كلمة الطفل الأزلية "لماذا" في هذا الإطار. علينا بالتالي أن نوفر الإجابات الملائمة لأسئلة الطفل بحيث يفهمها الأخير، وتبقى على جانب من الحقيقة. فالشمس وجدت لتدفئتنا وتختفي الفراشات في الأعشاب كي لا تأكلها العصافير.

هدفنا من الوصف الموجز لخواص عالم الفكر لدى الطفل التأكيد بأن للطفل عالماً فكرياً كاملاً ومتكامل العناصر والصفات. وليس عقل الطفل لوحة بيضاء تملؤها التجربة بل إن الطفل يبني في كل مرحلة عالم مفاهيمه الخاص. والنمو بطبيعته تعلم من جانب الطفل لعالم المفاهيم لدى الراشد وتخل مستمر عن عالم المفاهيم الخاص أو الذاتي لدى الطفل.

الرد على هذا المقال

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

نلفت انتباه زوارنا الكرام الى اننا لن ننشر:
- أى مداخلات تتهجم على اشخاص لا دخل لهم بموضوع المقال وتستخدم ألفاظاً غير لائقة.
- أي مداخلة غير مكتوبة باللغة العربية الفصحى.

من أنت؟
مشاركتك
  • لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.