عبد الرحمن الخميسي ١٩٢٠ الى ١٩٨٧

لم أعزف ألحاني ، لكني دافعت عن قيثارتي "

ولد الشاعر المصري عبد الرحمن الخميسي في الثالث عشر من نوفمبر عام 1920 بمدينة بورسعيد ، ثم انتقل وهو صبي إلي المنصورة حيث والده ، وهناك قضى طفولته وصباه .

بدأ كتابة الشعر مبكرا وهو تلميذ في السادسة عشرة وأخذ ينشر قصائده في مجلتي " الرسالة " و" الثقافة " المرموقتين حينذاك . وجاب الخميسي قرى مصر مع مسرح شعبي ، كان يشارك في وضع نصوصه وأغانيه.

عام 1936 عشية الحرب العالمية الثانية نزح الخميسي إلي القاهرة دون أن يكمل تعليمه ، وفي القاهرة نشأت علاقته بشاعر القطرين الكبير خليل مطران ، وظل الخميسي يردد أن مطران كان أول من علمه الشعر . في القاهرة عاش الخميسي في ظروف شاقة انخرط خلالها في حياة الفئات الشعبية الفقيرة ، واشتغل مدرسا ، وعاملا في محل بقالة ، ومحصل بطاقات في الترام ، ومصححا في مطبعة ، بينما كان يشق طريقه نحو الصحافة ويكتب الأغاني والتمثيليات للإذاعة .

وبدأت الحركة الأدبية تعرفه شاعرا رومانسيا في إطار مدرسة " أبوللو " التي كان من روادها الشاعر إبراهيم ناجي وعلى زكي أبو شادي ومحمود حسن إسماعيل وعلى محمود طه وغيرهم من رواد المدرسة الرومانسية في الشعر العربي . ترك الخميسي سبعة دواوين شعرية هي : أشواق إنسان عام 1958، و" دموع ونيران " عام 1962 ، و " ديوان الخميسي " عام 1967 ، ثم " ديوان الحب " 1969 ، و " إني أرفض " عام 1973 ، ثم " تاج الملكة تيتي شيرى " عام 1979 ، وأخيرا " مصر الحب والثورة " 1980 . واستطاع الخميسي أن ينتقل في الكثير من شعره من الوجدان الخاص إلي الوجدان العام ، ومن الشعر الغنائي حيث يتحدث عن تجارب إنسانية فردية إلي التجارب الإنسانية العامة كالشوق إلي الحرية والكفاح في سبيلها وغير ذلك .

قال عنه الناقد د . لويس عوض : " إن قصيدة " في الليل " وهي من محصول سنة 1938 أيام كان عبد الرحمن الخميسي فتى في الثامنة عشرة من عمره .. أعدها من أروع ما نظم الشعراء في العربية في نجوى الليل " . وقال عنه الناقد د . محمد مندور : " إنه شاعر غنائي في كفاحه وموضوعيته ، ولا يمكن أن يختفي مزاجه الغنائي الحار وحماسه المتقد ، ولون روحه المتميز في أية قصيدة من قصائده . فالخميسي شاعر وجداني في كل شعره ، سواء أكان الوجدان ذاتيا أم جماعيا أم قوميا . ومع ذلك فإنني أعترف بإخلاص أن الخميسي قد بلغ بشعره حد السحر كلما تحدث عن ذاته وأشواقه . ألا حيا الله تلك العبقرية الصادقة التي وهبها الله للشاعر فتعزى بها واعتز عن كافة محن الحياة " .

وكان الخميسي ظاهرة فنية وثقافية فريدة بتعدد مواهبه : فهو شاعر ، وقصاص ، وصحفي ، وممثل ، ومكتشف نجوم فهو أول من قدم يوسف إدريس للقارئ العربي ، والنجمة سعاد حسني للشاشة ، وكان موسيقيا ، وترك ثلاث أوبرات موسيقية ، وأربعة أفلام من تأليفه وإخراجه ، وعدة كتب في النقد الأدبي ، وترجم قصائد كبار الشعراء مثل كيتس ، ووردزورث ، ومختارات من القصص العالمية ، وأنشأ فرقة مسرحية خاصة به كتب ومثل وأخرج نصوصها . ترجمت أعماله إلي العديد من اللغات العالمية كالفرنسية والأسبانية والروسية . وتحمل عبء انتمائه إلي صفوف معارضة اتفاقية كامبد ديفيد ، فتغرب في عواصم عربية وعالمية إلي أن وافته المنية في الأول من أبريل 1987 ودفن في بلده المنصورة . جعلته ظروف حياته الشاقة يقول ذات يوم عبارته التي صارت شعارا لجيل كامل : " لم أعزف ألحاني لكني دافعت عن قيثارتي " ! عند وفاته كتب يوس! ف إدريس يصفه قائلا : " كان الخميسي قويا عملاقا مقاتلا إلى ألف عام ، وكان فمه مفتوحا على آخره ، مستعدا لابتلاع الحياة كلها بكل ما فيها من طعام وشراب وجمال .. ابتلعته الغربة وإلي أربعة أركان الكرة الأرضية مضي يتسلمه ركن ليرفضه ركن ، وهو قوي مقاتل وطني عنيد ، هذا الشاعر .. المخترع .. الموسيقي .. الذي قهر من قهرنا جميعا ، ومن بطط بحذائه الغليظ ثقافتنا وإنسانيتنا .. ".

نماذج من شعره :

(1)

من الغربة

" كسروا يراعي ولكني

حفرت على جدران مصر أناشيدي بأظفاري

دمي هنالك مكتوب ،

وإن طمسوا حروفه ..

أج في الظلماء كالنار ..

وحيث هم صلبونا ..

كلما بزغت شمس

رأي الناس فيها لون أشعاري " .

(2)

قصيدة " ثورة "

ماذا تريد الزعزع النكباء

من راسخ أكتافه شماء ؟

تتكسرالأحداث تحت يمينه

وتميد من صرخاته الغبراء

ويمزق الظلمات عن فجر له

فيه حياة عذبة ورجاء ؟

ويدك بالإيمان كل كريهة

وتمل من أوصاله الأدواء

ويبيت ينفث قلبه في شدوه

فلذا تهيم بصوغها الشعراء

في كفه قدر كنين ترتمي

من حوله الأهوال والأرزاء

وعلى يديه من الصراع دماء

و بناظريه تمــرد وإبــــــاء

وبأصغــريه ثــورة هــوجاء

تنهار في تيارها الـبـرحــاء

الشوك يا كم داسه مستهزئا

ومشى تزمجر فوقه الأنواء

والنار يعبرها فتسكن روحه

لكــنــهـا في روحـه أنــــداء

والصعب تمحقه خطاه ولا تني

تجتازه .. مـا مـسـها إعـيــــاء

مـاذا تريد الزعزع الـنـكـبــاء

من راسخ أكــتـافــه شــمـاء ؟

سأردها مدحــورة مجنـونـــة

تعوي فتعول حولها الأجواء

وأعيش كالبركان أقذف من فمي

حمما .. تموت بنــارها الأعداء

إني خلقت لكي أعيش وينحني

من حولي الإصباح والإمساء !

تتجدد الرغبات في نـفـسي

كما تتجدد الأكوان والأحياء

أنا ذلك الجبار لا تعـنــو لـــه

إلا المصائب والمنى القعساء

الباب تقرعه رياح ملـمــة !

ماذا تريد الزعزع النكباء ؟

(3)

مقاطع من قصيدة " في الليل "

أيها الليل .. ليتني كنت نجما

عائما في مياهك الزرقاء ..

أقطع الظلمة الأتية لهفان ..

إلي مخدع الحبيب النائي

ثم أضفي عليه مني خيوطا

تحتويه في ضمة رعنـاء ..

لأروي بقبلة منه نفسي

تطلق الروح من أسى وعناء

وأحلي بسحر عينيه ذاتي

ثم أزهى على نجوم السماء

غير أني يا حسرتا آدمي ..

قيدتني أرضيتي في بنائي !

أيها الليل ليتني كنت عصفورا

طليقا مع السنى والهواء

كنت نقرت فوق نافذة المحبوب

أدعوه لاستماع غنائي ..

ليغني معي .. ويحكم قيدي

بين كفيه راضيا بشقائي

غير أني يا حسرتا آدمي

قيدتني أرضيتي في بنائي!

أيها الليل ليت أني نسيم

سابح في حديقة زهراء

أجمع العطر من ثغور الأقاحي

والرياحين في مدى أحنائي

ثم أمضي إلي حبيبي عليلا

أسكر البدر مهجتي بالضياء

أحمل الطيب في فؤادي إليه

وأفري حياله أحشائي

لأكون الأنفاس في رئتيه

ولأحظى في صدره بفنائي !

غير أني يا حسرتا آدمي

قيدتني أرضيتي في بنائي .