الأخــوات الحزينــات

قراءة في قصة نجاتي صدقي

، بقلم عادل الأسطة

يعد نجاتي صدقي من أبرز كتاب القصة القصيرة في فلسطين، قبل العام 1948 وبعده، وهكذا يمكن أن يدرس نموذجا لفن القصة القصيرة قبل العام 1948، ونموذجا أيضا لفنها في المنافي. كان صدقي كتب قصصا عديدة في فلسطين أدرج أكثرها في مجموعته الأولى "الأخوات الحزينات" 1951، وحين هاجر إلى المنافي واصل كتابة القصة، فأصدر مجموعته الثانية "الشيوعي المليونير" (1963)، ولم ينقطع بعدها عن الكتابة، فنشر قصصا قصيرة أخرى، لكنه لم يجمعها في كتاب.

وعبر صدقي في قصصه عن موضوعات متعددة متنوعة عكست تجربته الحياتية الغنية الفكرية والمعيشية، فقد عاش في فلسطين وفي أوروبا: في روسيا وإسبانيا وفرنسا، ودرس الاقتصاد في موسكو، وهناك، من خلال إجادته الروسية قرأ الأدب الروسي، وكان ثمرة هذه القراءة كتبا عن أبرز أعلام الأدب الروسي: بوشكين وغوركي وتشيخوف. وقرأ الأدب العالمي أيضا وكانت ثمرة هذه القراءة ترجمة قصص صينية وأخرى أسبانية.

وعلى الرغم من أفكاره اليسارية إلا أنه لم يكتب قصصا ذات نزعة نمطية. لقد كانت قصصه تنهل من الواقع وتصور نماذج بشرية رآها هنا وهناك، وأثرت فيه، فأدرجها في قصصه، وهكذا عكست هذه تجارب بشرية ونماذج متنوعة، من الشرق ومن الغرب، من العرب ومن اليهود.
وقصة "الأخوات الحزينات" واحدة من هذه القصص، وقد اختار عنوانها ليكون عنوانا لمجموعته الأولى. وربما ناسب هذا العنوان الحالة التي مر بها الشعب الفلسطيني في العام 1948. كتب صدقي قصته في يافا في العام 1947، ونشر مجموعته، بعد النكبة بأعوام قليلة، وكان الحزن الذي شعرت به إحدى الأخوات في العام 1947 قد عم وطغى، ليغدو شعب بأكمله شعبا حزينا. وكان ما خافت منه الأخوات قد تحقق. فقدت فلسطين وتحول أهلها إلى لاجئين، وإذا كان السارد أنهى قصته بالتالي:

" وصحوت من غفوتي فوجدت نفسي راقداً إلى جانب الجميزات الخمس، وكانت رياح الخريف تهب بشدة فتهز كل شيء، تهز الجماد والأحياء.. إلا أنها لم تقو على تلك الشجرات، فقد ظلت راسخة كالطود".

إذا كان السارد أنهى، في العام 1947، قصته بالفقرة السابقة التي تدل على إيمانه بالمستقبل، وبأن فلسطين ستبقى لأهلها، معبرا بذلك عن تفاؤله، فلا أدري ماذا سيكتب الآن، وماذا سيقول، وربما لم يبق من الشجرات أي أثر، وربما استبدلت بأشجار الحركة الصهيونية: أشجار (ثيودور هرتزل) (اليوكالبيبتوس).

ونحن، اعتمادا على معرفتنا بأفكار نجاتي صدقي، وعلى معرفتنا بقراءاته للأدب الروسي الذي غلب عليه، منذ انتصار ثورة أكتوبر 1917، التفاؤل، نعرف لماذا غلبت على قصته هذه النهاية التفاؤلية.

فما هي قصة الأخوات الحزينات؟

الأخوات الحزينات الخمس هن شجرات جميز خمس. يذهب السارد إليهن ويغفو تحتهن، ويحلم أنهن تحولن إلى أخوات خمس تقص كل واحدة منهن قصة. ولم تكن هذه هي المرة الأولى التي يذهب السارد فيها إلى ذلك المكان الذي توجد الشجرات فيه، فقد كان ذهب، من قبل، إليه. المرة الثانية التي ذهب فيها إلى هناك كانت في العام 1947، العام الذي سبق الخروج الفلسطيني الكبير، وتحول فلسطين إلى إسرائيل، وتحول الفلسطينيين إلى لاجئين. وأما المرة الأولى فكانت في العام 1932، ويذكر القاص/ السارد هذا حين يخبرنا، نحن القراء، أنه زار الشجرات قبل خمس عشرة سنة من زيارته الثانية. وهو يحدد لنا أيضا المكان. يبدأ السارد قصته بالتالي:

"إذا أتيح لك في يوم من الأيام أن تجتاز شارع الملك جورج الخامس بتل أبيب، فستجد في آخره خمس جميزات تقف في صف واحد وقد ظهر عليها الكبر في أعمار متفاوتة، تتراوح بين القرن وربع القرن".

ومن خلال مقارنتها بما حولها من أشجار تبدو لنا كئيبة وحزينة، والأشجار التي حولها زرعت حديثا. وهذا له دلالاته فيما يخص المكان الذي بدأت تطرأ عليه تغيرات تجريها اليد الصهيونية.

وهذه التغيرات لفتت أنظار السارد في زيارته الثانية، ما يدل على نشاط الحركة الصهيونية في تحويل فلسطين من أرض ذات ملامح عربية إلى أرض ذات ملامح أوروبية، وهو ما يبرز بوضوح في المقطع التالي:

"وكانت هذه الجميزات، وكان يقابلها بناء عربي قديم لا أدري أهو منزل أم مدرسة أم جامع، وكانت المنطقة منطقة بيارات عربية.. فأدرت ناظري في ذلك المكان الذي كان يعتبر أقصى طرف من أطراف يافا، فلم أجد للبناء أو للبيارات أثرا، وقد حلت محلها عمارات ومقاه، وناد لأحداث العمال اليهود".

وهذا التحولات الطارئة هي ما جعل من الشجرات/ الأخوات حزينات، أو الأصح ما جعل من سكان فلسطين، وهم يرون تهويد فلسطين، حزانى، بعد أن كانت، حين يمر بها راع في طريقه إلى يافا وهو يعزف على مزماره، أو إذا ما مرت بها قافلة من الجمال، تتمايس تيها ودلالا، وتتمايل فرحاً وسروراً في حين يكون الجو فيه هادئا، والرياح ساكنة، والفصل فصل قيظ خانق.

وستقص كل أخت/ شجرة قصة. وهناك فرق زمني بين كل شجرة وأختها. ثمة شجرة عمرها 100 عام وأخرى 80 عاما وثالثة سبعون عاما ورابعة خمسون عاما، وأما الأخيرة فكان عمرها ربع قرن، وقد ولدت في العام 1917، عام الحزن وبداية النكبة. وهذا الفرق الزمني سيمكن كل واحدة منهن من رواية قصة ما، شهدتها هي وعاشتها فلسطين، قبل العام 1917 وبعده، وهكذا نجد مقارنة بين ما كانت عليه فلسطين قبل وعد بلفور، وما بعده، هذه المقارنة هي ما قام بها السارد حين أخبرنا أنه حين جلس تحت الشجرات أخذ يقارن بين الماضي والحاضر:

"جلست عند إحدى شجرات الجميز هذه، وأسندت رأسي إلى جذعها، ورحت أقارن بين الماضي والحاضر، فأخذتني الغفوة وحلمت حلماً عجيبا".
والحلم هو تحول الشجرات الخمس إلى أخوات خمس تقص كل واحدة منهن قصة تستعيد فيها الذكريات، وهكذا نعرف صورة عما شهدته فلسطين قبل العام 1917 وبعده.

تقص الأولى عن شاب عربي جميل المحيا، التقى فتاة فرت من بيت أبيها، واختارت الشاب عريسا، وأنجبا الآلاف من القلوب.
وتقص الثانية عن جماعة من المتصوفين جاؤوا من النجف الأشرف لزيارة بيت المقدس، فضجر أحد الزوار من طول المسافة. وهنا يرد عليه احد أصدقائه، موضحا له قيمة فلسطين وأهميتها، وهكذا يشجعه ليستمروا في المسير، فما هم مقدمون عليه يستحق بذل الجهد وتحمل المشقة.

وتقص الأخت الثالثة قصة نابليون في فلسطين. جاء هذا غازيا ولما احتل يافا قتل أفراد حاميتها الأربعمائة، وأراد مواصلة السير ليفتح عكا، فشاغله خمسمائة أعرابي، وقاتلوه قتال الأبطال إلى أن تمكن منهم. والجميزة الثالثة هي جميزة الشهداء. ولم تكن مقاومة الأعراب بلا جدوى، فقد أخرت حملة نابليون، ومكنت أهل عكا وقائدها من الاستعداد المواجهة الغزاة، والانتصار عليهم وهكذا هزم، لتخفق مشروعاته الاستعمارية.

وتتردد الأخت الرابعة في القص، لأنها، فيما ستقصه، لا تفيد أخواتها ولا تعظهن. ومع ذلك يصررن. صحيح أن في كل حادثة عبرة وفائدة.. ولكن إذا لم تكن هذه ولا تلك فهناك المتعة. ولعل هذا يعكس فهم نجاتي صدقي نفسه لفن القصة: القصة تروى لأخذ عبرة أو لفائدة ما، فإذا لم تحقق هذين، فيمكن أن تروى من اجل المتعة. وهكذا تبدأ الأخت الرابعة تقص قصة محسن وفاطمة، الشابين القرويين اللذين يتزوجان، ليفرح الناس لهما.

وأما الأخت الخامسة فلم تتكلم كثيرا. لقد ولدت هذه في العام 1917، وتطلب منها أختها الكبرى أن تحدثهن عن ذكرياتها منذ أن رأت النور.

"قالت الصغرى وعيناها جاحظتان: إن حياتي مفعمة بالذكريات ... ولكن... فقاطعتها أخواتها قائلات: ليس من مجال لـ(ولكن)، هيا حديثنا عنها... اروي لنا أطرافها.. قصي علينا ما تريدينه منها".

وتتفرس الأخت الصغرى في وجوه أخواتها وتقول: "أحقا أنكن لا تعرفن شيئا من ذكرياتي؟ وهل تدرين لماذا نحن متشحات بالسواد؟ ولماذا ينعتنا الناس بالأخوات الحزينات؟"
وهنا ارتفعت أصوات الأخوات الحزينات قائلات: كفى... كفى... لا تروي لنا شيئا.. لقد أدركنا الصباح!.."

ما تراه الأخت الخامسة هو ما يراه أكثر أهل فلسطين، إن لم يكن كلهم. إن مأساة فلسطين وأهلها بدأت منذ صدر وعد بلفور المشؤوم، بلفور الذي لا يملك وأعطى أرض من يملكون إلى من لا يملكون. منذ بدأت تل أبيب تزدهر، ويافا تذوي وتموت. منذ تحول السكان العرب إلى أقلية، ومنذ هاجر أكثرهم إلى المنافي.

يعلق شمعون بلاص في كتابه "الأدب العربي في ظل الحرب ما بين 1948-1973" على هذه القصة ورؤية كاتبها قائلا:
"يعبر صدقي عن رؤية سادت الأوساط الفلسطينية والعربية عامة، مفادها أن الكيان اليهودي في فلسطين هو كارثة. وبدون أن يشير إلى ذلك صراحة يصور حيرة الجماهير العربية وإحباطها لعجزها عن منع اليهود من أقامة وطن لهم في فلسطين.

فحزن الجميزات هو تعبير ورمز للحداد الذي أعلن لذكرى الثاني من تشرين الثاني، ذكرى وعد بلفور، وفي هذا إشارة دون شك إلى تلك الرؤية الغيبية التي أطلقت على حرب 1948 اسم النكبة ( ص14، من طبعة دار المشرق 1984).


عادل الأسطة

الدكتور عادل الأسطة: كاتب فلسطيني

من نفس المؤلف