إعادة بناء المدن الفلسطينية روائيا

، بقلم أحمد أبو مطر

الحضور المدينى – نسبة الى المدينة – فى الرواية العربية، لم يعد بحاجة الى مزيد من التنظير بغرض الإثبات، بعد أن أصبح مؤكدا من واقع تحولات النصوص الروائية ذاتها، والعديد من الدراسات التاريخية والنقدية، أن نشأة الرواية العربية، كانت من خضم لحظات تاريخية، رفضت الإبقاء على القديم (الماضى)، متطلعة الى مستقبل مختلف، بدأ الآخرون ولوجه فى كافة المجالات قبلنا بسنوات عديدة، عبر صدمة صاعقة، بدأنا الإطلاع على بعض تفاصيلها من خلال الحملة الفرنسية على مصر، وتصاعدت هذه الصدمة عبر الإتصال بهذا الآخر فى بلاده ذاتها، التى جاءت منها تلك الحملة، وعبّرت عن ذلك كتابات الأولين أمثال رفاعة الطهطاوى (1801 – 1873)، أى أن فن الرواية مرتبط بهذه التحولات الطارئة، ولا مفر من التأقلم معها، واللحاق بها، وهى فى الغالب تحولات طبقة إجتماعية، تعيش فى وسط إجتماعى مختلف متطور، بدأنا نطلق عليه إسم (المدينة)، تمييزا له عن وسط إجتماعى آخر، أقل تحضراً، وأكثر هامشية وتخلفا، يمكن أن نطلق عليه (الريف) فى أقطار عربية، و(البادية) فى أقطار عربية آخرى .. هذه التحولات عبرت عنها العديد من الروايات العربية، ليس أولها ثلاثية نجيب محفوظ، وليس آخرها خماسية عبد الرحمن منيف.

تعاملت غالبية الروايات العربية مع (المدينة) عبر رصد تحولاتها الهادفة الى خرجها من آفاق ماضٍ، لم تعد الطبقة المتشكلة حديثاً (الطبقة الوسطى)، ترغب الإستمرار فى العيش ضمن نسيج مجتمعه، متطلعة الى آفاق مستقبلية، تليق بطموحاتها، وتنسجم مع تحولات وتطورات (الآخر) الذى ترغب وتطمح الى الوصول الى بعض أو أغلب ما حققه فى حياته فى مختلف مجالاتها، ونلحظ ذلك فى تطور (المدينة) العربية من رواية الى آخرى، وفى روايات محددة، حيث ننتقل من (المدينة) الأقرب الى (القرية)، الى (المدينة) العصرية، بتشابكات علاقتها السياسية والإجتماعية والفكرية، فى طموح غير محدود الآفاق، عبر تنويعات متنوعة، أدارتها العديد من الروايات العربية، بمهارة فائقة، سواء فى الشكل أو المضمون، مما جعل الرواية هى الفن المعبر عن تطلعات المجتمع العربى، رغم الإخفاقات / الهزائم العديدة، التى وجدت تعبيراتها كذلك فى الرواية العربية، فإرتباط هذه الرواية بالمدينة، يعنى إنعكاس كافة المظاهر فيها، من إنتصارات وهزائم / نكسات، وسجن ومنفى وقمع وتعصب وتطرف ....إلخ.

الرواية الفلسطينية والمدينة

بعكس الرواية العربية ضمن ملامح تعاملها السابقة، مع (المدينة)، كان تعامل أو علاقة الرواية الفلسطينية بالمدينة، خاصة الفلسطينية، تعاملاً مختلفا، لأنها فى الغالب مدينة ليست موجودة فى الواقع الذى يعيشه الفلسطينى فعلاً، وإنما فى وجدانه ومخيلته بعد أن سُلبت تلك المدينة، عقب ما إصطلح العرب على تسميته نكبة فلسطين، التى حدثت عام 1948 ... كان من نتائج تلك النكبة ضياع أو سلب غالبية الوطن الفلسطينى التاريخى، أى ضياع عشرات القرى والمدن، وتوزع أبنائها على العديد من المنافى العربية والأجنبية، ومن بين هؤلاء الأبناء العديد ممن أصبحوا روائيين فيما بعد، فأختزنوا تلك التجربة المريرة بكل تفاصيلها وعذاباتها، وفى مرحلة لاحقة، بعد عدة عقود من حدوث تلك النكبة، بدأ أكثر من روائى فلسطينى، إعادة بناء تلك المدن الفلسطينية المسلوبة، ولكن فى أعمال روائية، بعد أن تعذر معايشتها والحصول عليـها، أو إعادتها من سالبيها بعد عدة عقود من تلك النكبة ...

الإرهاصات الأولى فى (السفينة) لجبرا إبراهيم جبرا

صدرت رواية (السفينة) لجبرا إبراهيم جبرا عام 1970 [1]، أى بعد إثنين وعشرين عاما من نكبة فلسطين، وكان جبرا كلاجئ فلسطينى، قد حطّ به المقام فى مدينة عريقة (بغداد). إثنان وعشرون عاماً، كانت فترة زمنية نسبيا ليست طويلة على حدوث نكبة فلسطين، رغم أنه قبل ثلاثة سنوات، أى فى عام 1967، تم الإستيلاء على كامل فلسطين التاريخية، بإحتلال قطاع غزة والضفة الغربية، لكنه إستيلاء مختلف، إذ وقع الإحتلال لكن السكان الفلسطينيين الشرعيين، بقوا فى مدنهم وقراهم، ما عدا نسبة قليلـة، نزحت فى بداية معارك ما سُمّى هذه المر (نكسة)، أى أنه من (نكبة) الى (نكسة)، وقعت فلسطين كلها تحت الإحتلال ....

ضمن هذه الظرف الصعبة على الفهم، كانت رواية (السفينة)، تغوص فى أرضية القضية الفلسطينية، خاصة نكبتها، ومدينتها الأم (القدس)، وفى الوقت ذاته تهرب عبر لحظات معينة، وعبر شخوص آخرين، غير الفلسطينى (وديع عساف)،الى مدن وموانى آخرى، وكأن (وديع عساف) رغم ما يبدو أنها لا (مبالاة)، يعيش الألم والجرح، خاصة عبر لهفه وشوقه الى مدينة (القدس) التى يهرب دوما نحوها، رغم فقدها لها، فى حين يهرب (عصام السلمان) من مدينة (بغداد)، رغم توفره فيها، ووجودها له ... (القدس) عند وديع عساف، أرض ودم .. ففيها فقد صديقه (فايز) مضرجا بدمائه، ولها يُصّر أن يصطحب حبيبته (مها) بعد الزواج .. كان الأمل مازال متوفرا عند جبرا إبراهيم جبرا (وديع عساف)، لذلك كانت القدس كمدينة ماتزال قائمة فى وجدانه وعقله .. ويتجول فى سفينته من ميناء الى ميناء الى القدس، وكأنها مازالت له، ويستطيع العودة اليها متى ما شاء .....رغم إستحالة ذلك فى الواقع، لكن قوة الأمل جعلت عنده – روائيا – المستحيل ممكنا..

وديع عساف كبقية شخوص السفينة، من أبناء الطبقة الوسطى التى نشأت (المدينة) الفلسطينية والعربية أصلاً بجهودها، لذلك يلاحق هذه الشخوص، الإحساس بالمسؤولية عند (وديع عساف) لعدم تمكنه من الإحتفاظ بمدينته، والإحساس بالفشل عند عصام السلمان، لعدم قدرته على صياغة مدينته بغداد كما يريد، لذلك يهرب منها عامدا، رغم توفر إمكانية عيشه فيها ... لذلك يخاطب وديع عساف قائلاً : " الأرض تهمك .. لأنك نزحت عنها مكرهاً، ألا ترى يا وديع أن حرمانك ليس جنسياً، بل "أرضيا" .. المحرمون من المرأة، لايكفون عن الحديث عنها، وأنت محروم من الأرض " [2]

وهذه الأرض عند وديع عساف، مدينة القدس ... " أتعرف القدس ؟ لعلك كنت صغيـراً، عندما إلتهم الوحش اليهودى أجمل نصف فى أجمل مدن الدنيا على الإطلاق. قيل أنها بُنيت على سبعة تلال، لست أدرى إن كانت تلالها سبعة، ولكننى ارتقيت كل ما فيها من تلال، وهبطت كل ما فيها من منحدرات، بين بيوت من حجر أبيض وحجر وردى أحمر، بيوت كالقلاع تعلو وتنخفض مع الطرق الصاعدة النازلة، كأنها جواهر منثورة على ثوب الله ". [3]

لماذا تأخر نبش الذاكرة ؟

لماذا تأخر إستعادة المدن روائيا ؟

جاء إعادة بناء المدن الفلسطينية فى الرواية، غالبا من خلال العودة المتأخرة للروائى الفلسطينى، لنبش ذاكرته، ومحاولة تذكر ما حدث عام 1948، أو ما أصطلح على تسميته (النكبة) . وقد تأخر ذلك لأسباب متعددة، أهمها عدم فقدان الأمل فى إستعادة تلك المدن، خلال المراحل السياسية / النضالية، التى أعقبت ما أطلق عليه قسطنطين زريف اسم (النكبة).

1- منذ عام 1948 وحتى عام 1965، سيطرت هموم اللجوء والتشرد، وتشتت اللاجئين الفلسطينيين فى منافٍ مختلفة، عربية وأجنبية، فسيطر على هذه المرحلة، تجرع الألم، ومحاولة النهوض من جديد، فغابت المدن الفلسطينية المسلوبة من التفكير العقلى المحدد، رغم عيشها وتواجدها الدائم فى الذاكرة والوجدان.

2- منذ عام 1965 وحتى عام 1987، كانت ذروة المقاومة المسلحة، رغم ما تخللها من سنوات إنكسار، مثل حصار بيروت عام 1982 وطرد المقاومة الفلسطينية منها ... ورغم ذلك، أعطت المقاومة الفلسطينية هذه، دفعات وجرعات من الأمل، جعلت العودة الى تلك المدن ممكنة، وربما مؤكدة، رغم قساوة وعجائبية تلك العودة، كما فى عودة (سعيد . س) الى حيفا، كما سجلت ذلك رواية غسان كنفانى (عائد الى حيفا) – 1969 .

3- فى مرحلة الإنتفاضة الأولى (1987 – 1992)، تصاعد النضال بأساليب مختلفة، فأنشغل الكل الفلسطينى بذلك، فى الوطن المحتل والمنافى، على أمل أن يكون مدخلا أو طريقا حاضراً، لإستعادة الماضى، وما ضاع فيه من أرض ومدن .. وربما هذا ما عبر عنه إلياس خورى، ويشمل المراحل الثلاث المذكورة، عنما قال : " فى الثقافة الفلسطينية سيطرت أيدولوجية اللاجئين، أى فكرة المؤقت، حتى ولو كان هذا المؤقت متحركا ومقاتلا، لكنه مؤقت ... إيدولوجية اللاجئين لم تسمح للأدب بأن يذهب الى أعماق الكارثة العينية المجسدة " [4]

ماذا حدثَ ؟ ماذا استجد ؟

كى نُفسِّر، لماذا بدأ الروائى الفلسطينى فى السنوات الأخيرة، نبش ذاكرته، وإعادة ما حدث فى النكبة، ومحاولة بناء المدن الفلسطينية المسلوبة روائيا، يبدو أنه لامفر من اللجوء الى وسائل وأسباب خارجة عن آليات العملية الإبداعية، لأنه ربما حدث تحول فى مجرى تفكير الفلسطينى، جعله يفتح عينيه على ما أغمضها عنه طوال أربعة عقـود ... فى كافة المراحل الثلاثة السابقة، من مرحلة اللجوء والتشرد الى مرحلة المقاومة، وصولا الى مرحلة الإنتفاضة، كان الأمل ما يزال يراود مخيلة الفلسطينى فى التحرير والعودة، وكان مجرد مناقشة (التحرير من النهر الى البحر)، يُعد من المحرمات .....

وفجأة بعد عام 1991، بدأ الحديث عن برامج سياسية ذات طابع تجزيئى، يأخذ الصيغة العلنية، فَتذكَّر المبدع الفلسطينى، أن هناك لحظة سابقة، قبل ثلاث سنوات، فى عام 1988، أعلن المجلس الوطنى الفلسطينى فى الجزائر، قيام دولة فلسطين ضمن حدود عام 1967، مما يعنى ضمنا الإعتراف بدولة إسرائيل ضمن هذه الحـدود، أى على حوالى ثمانين بالمائة من فلسطين التاريخية ....

وهنا راحت السكرة (سكرة العودة والتحرير)، وجاءت الفكرة (فكرة أن اللجوء المؤقت طوال أربعين عاما، سيصبح دائما، وأن المدن المسلوبة أصبح سلبها دائما) .. هنا لحظة فاصلة – لحظة نوعية، تعززت بما لحق من برامج سياسية بين الفلسطينى الذى أصبح فى غالبيته لاجئا، والذى كان (عدواً)، فإذا هو طرف من أطراف التسوية، موجود رغم أنف الجميع، ومحمى من أقوى دول العالم ... إذن ما كان مؤقتا، أصبح دائما ... وهنا فى هذه اللحظة القاطعة كحد السيف، المؤلمة كجرح نازف .. كان لابد من عودة الروائى الفلسطينى إلى المكان الذى ضاع، ولا أمل فى عودته، ليصار إلى إستعادته فى الذاكرة، ثم بنائه فى الرواية ..سمخ وبحيرة طبرية

في

" بحيرة وراء الريح " ليحى يخلف

" سمخ "، (قرية عربية على الشاطئ الجنوبى لبحيرة طبرية الى الشرق قليلا من مخرج نهر الأردن منها، وهى تبعد عن مدينة طبرية قرابة 11كم ... ولسمخ موقع هام على الشاطئ الجنوبى لبحيرة طبرية، فهى مركز مواصلات رئيسى يصل بين شرقى نهر الأردن وغربه، وبين المناطق الواقعة حول بحيرة طبرية وغور الأردن فى الجنوب) [5] . أما البحيرة (( بحيرة طبرية جزء من مجرى نهر الأردن، وقد سميت بهذا الإسم بعد بناء مدينة طبرية على ساحلها الغربى، وكانت تسمية المدينة نسبة الى الإمبراطور الرومانى تايبريوس، ويطلق على البحيرة إسم بحر الجليل أحيانا، لوقوعها فى الطرف الشرقى بإقليم الجليل ...تبلغ مساحتها 165كم مربع، وأكبر طول لها 23كم، وأعظم عرض لها 14كم . يتدرج إنخفاض سطح مياهها من 209 الى 214 مترا، دون مستوى سطح البحر المتوسط ... وتشتهر البحيرة منذ الأزمنة القديمة بكثرة أسماكها وتنوعها ... وتحف بعض القرى والمدن والمستعمرات بشواطئ البحيـرة، وأهمها مدينة طبرية وقرية سمخ ومستعمرة دجانيا)) . [6]

هكذا عَرّفت الموسوعة الفلسطينية قرية سمخ وبحيرة طبرية، وإيرادنا ذلك فى متن دراسة نقدية، ليس مجرد إسترسال جغرافى لا وظيفة له، ولكنه ضرورة معلوماتية لمعرفة موقع وملامح (المكان)،الذى سيعاد بعثه (بناؤه) روائيا ... فالرواية فى الأساس محاولة لإستعادة المكان فنيا / روائيا، بعد أن ضاع جغرافيا / ميدانياً، إعادة بعث المكان بشكل وجدانى فى عقول القراء، بعد أن إختفى عن عيونهم بسبب بُعد المكان على الأرض .لذلك نلاحظ أن الرواية تحتفى بالمكان بشكل دقيق وتفصيلى، وكأن الروائى بَنّاءاً، يعيد بناء المكان بأدق تفاصيله، ليوجد على الورق، بعد أن ضاع فى الأرض والجغرافيا ... كيف تمت إعادة بناء المدينة / الأمكنة، فى هذه الرواية :

1- إعادة إحياء مفردات الحياة الشعبية

إستطاع الكاتب بنجاح لا إفتعال فيه، أن يوظف أكبر قدر ممكن من مفردات الحياة الشعبية الفلسطينية، التى لم يعد أغلبها مستعملاً، كحجارة لبناء تفاصيل المدينة التى قصد إعادة بنائها فى الوجدان والمخيلة والعقل، بعد أن تلاشى الأمل فى العودة اليها، والعيش فيها حقيقة وواقعاً ... من هذه المفردات / الحجارة، التى كانت رائجة ومستعملة، قبل فقدان المدينة، قبل نصف قرن :

مفردات حياة يومية شعبية

الميزان الشاقولى – بابور البحر – التبغ الهيشى – ورقة الأوتونان – الباكيـة – الجـرن - الكعكبان – الخابية – علبة الباتر – الشخاتير – الكرداش – المنساس – السفرطاس – العجهال – الدماية الروزا – الشبرية – أقراص الجلّة – الغماّّرين – الخابية – المهباش – حشرة القربجة – اللجن – الجربندينة – السلحلك ....

أسماء زهور ونباتات

الحبق – العِطرة – الشومر – الخرفيش – الكرسعنة – العليق – العكوب – المّرار – الفرفحينا – الهشير – زهور الحبق – الخزامى – قرن الغزال – الورد الجورى ...

لقد حشد الروائى كل مفردات الحياة اليومية الشعبية آنذاك، قبل نصف قرن تقريبا، بعد أن تراجعت تلك المفردات من حياة الفلسطينى، لتحل محلها مفردات مثل : المخيم/ اللاجئ، وكالة الغوث، بطاقة التموين، صُرّة الملابس ...إلخ.

وقد شكّلت هذه المفردات فى البناء الروائى، حجراً أساسيا فى طريقته إعادة بناء تلك المدينة / البحيرة، التى ضاعت من جغرافية الفلسطينى الممكنة.

2- وصف بعض مظاهر الحياة آنذاك

إن إعادة بعث المفردات الشعبية السابقة، ما كان من الطبيعى أن يتم توظيفها فى وصف حياة ما بعد النكبة، لأنها مفردات إختفت، وما عادت تُستعمل، لذلك كان لابد من إستدعاء حياة المدينة والبحيرة قبل النكبة، لبعثها من جديد من خلال وصف مظاهرحياتها آنذاك، عبر إستعمال تلك المفردات .. ومن أوجه تلك الحياة غير الشائعة الآن :

- حياة كبار القرية وشيوخها صباحاً ومساءاً فى (المضافة)، حيث دقّ (الجرن) لإعداد (القهوة بهيل)، وسماع قصص الضباع والثعالب وبنات آوى، والخيول الأصيلة .

- حياة الشباب والصيادين على شواطئ بحيرة طبرية وأعماقها، حيث (اللنشات) و(الشخاتير) و(الكيك) تمخر مياه البحيرة، ومن حولها أسماك (المشط) و (البلبوط).

- مراسم غسل (بيوت الشعر) على شواطئ البحيرة، حيث تشارك النساء فى عمل جماعى، دون أن تدرى غالبيتهم لمن هذا البيت !
ومظاهر أخرى عديدة، أعاد إحياءها الكاتب، ضمن سياق حركة شخوص الرواية، موظفا كل هذه الجزيئات فى إعادة بناء المدينة / البحيرة.

تراكمية القصص والبناء الروائى

من الأمور المميزة فى هذه الرواية، الطريقة التى إعتمدها الكاتب – وهو يبحث عن وسائله لبناء المدينة / البحيرة – ليشكل منها وعبرها، ما تعورف علـى تسميتـه "البناء الروائى "، هو عدم عثور القارئ على حدث واحد يتنامى ويتطور، ويوصل الى (نهاية) كما هو فى معظم الروايات ذات الحبكة التقليدية ...لقد إمتلأت الرواية بالعديد من القصص الداخلية شبه المستقلة، إن أردت نزعها من سياقها فى الرواية، ولكن ورودها جاء عبر سياق محكم، أدى الى تراكمية قصصية، شكلت مع عناصر أخرى بناءاً روائيا فريداً، يعتمد خصوصية الأمكنة والتفاصيل الحياتية والمكونات النفسية للشخوص، وقصص خاصة بأغلب الشخصيات، تتصاعد وتيرتها، بشكل لا يملك القارئ إلا أن يلتقط أنفاسه، ليعرف ضرورة هذه القصص، وتأثيرها على مستقبل الشخوص والأمكنة، من ذلك قصة (أسد الشهباء) إبن حلب، وقصة عبد الرحمن العراقى ...

عبر هذه القصص، ينهض المكان / المدينة / البحيرة، فإذا هو حى متحرك فى النفس والوجدان، بعد أن ضاع فى (الجغرافيا)، وإعادة بنائه روائيا، هو الإمكانية الوحيدة المتاحة حالياً، أمام الإنسان الفلسطينى، لذلك يعمد الروائى الفلسطينى، لبناء مدن أخرى روائيا، بعد تعذر إعادتها جغرافيا، فى تاريخ ملتبس فضفاض، مستقبله لا يقل ضبابية وغموضا عن حاضره ...

غزة ... عبد الكريم السبعاوى

عبد الكريم السبعاوى، إبن مدينة غزة، عاش فيها حتى عام 1967. إقتلعه الإحتلال الإسرائيلى منها، فعرف أكثر من منفى، وإستقر عام 1981 فى ملبورن بأستراليا، فى آخر الدنيا كما كان يقول أجدادنا الغزازوة، هنـاك " إستولى على الشاعر (السبعاوى) هدوء المراعى، وصمتها القاتل.. أخذ يُصغى الى أصواته الداخلية . إستولت عليه تماماً تلك المدينة التى لم تفارقه "، لكنه أُجبر على مفارقتها والرحيل عنها جسدياً فقط .. كتب فى هذه الأجواء رواية (العنقاء)، ليعيد بناء هذه المدينة فى إطار روائى مدهش، يجعل كل من يقرأها – أيا كان أصله وفصله -، يشعر بالإنتماء والحب لهذه المدينة، التى كانت عبر تاريخها – وكما تؤكد الروايـة – عاصية عصيّة على الغزاة والطامعين، وهل من فراغ قول رئيسة الوزراء الإسرائيلية جولدا مائير : ((أنام كل ليلة وأحلم أن البحر سوف يبتلع غزة))

((العنقاء)) التى صدرت عام 1989، هى الجزء الأول من ثلاثية " أرض كنعان "، التى صدر جزؤها الثانى " الخل الوفى " عام 1997، وجزؤها الثالث " الغول " عام 1999، والثلاثية كما يشير اسمها، فهى تحاول إعادة بناء " أرض كنعان "، أي فلسطين التاريخية، إلا أن الجزئين الأول والثانى، يقومان بمهمة بناء مدينة ((غزة)) تحديداً، عبر تاريخ قديم، تبدأ الرواية بناءه منذ بداية الحكم العثمانى، الى إندحار نابليون بونابرت وحملته الفرنسية من غزة، عائداً أدراجه الى مصر، التى جاء غزة غازيا منها، ثم تكمل رواية (الخل الوفى)، بناء المدينة بعد سنوات من غزو نابليون..

هذه الرواية سياحة داخلية فى مدينة غزة، تنقلك من حارة التفاح الى سوق الحدادين، فسوق النحاسين فالصباغين فالحلوجية فالسروجية، وصولا الى (القيسرية) حيث سوق الصاغة، وإن فاجأك آذان صلاة الجمعة، فما عليك سوى هبوط الدرج الموصل بين القيسارية والمسجد العمرى الكبير، حيث القباب العالية والأبراج التى تبرقش رؤوس الأعمدة الضخمة الشاهقة ......

((غزة)) فى الرواية، تتعملق كما هى فى واقعها، ويُدهشك عبد الكريم السبعاوى، فلا يمكنك التصديق أنه مجرد كاتب رواية، إعتمد قليلاً على التاريخ، إنه – كما يبدو فى (العنقاء) – كاتب تاريخ غزة، والحافظ لكافة ملفات أرشيفها، فى التاريخ والبشر وشؤونهم الحياتية، من زمن الأتراك (حكم الولاة العثمانيين )، الى حملة الغازى بونابرت وما بعدها .... وهو فى طريقه هذا، يستدعى أسماء الحارات الشعبية، وطقوسها فى مختلف المناسبات، وفى اللحظة المناسبة، يظهر (جوهر)، مُستلاً ربابته، يحزّ عليها بألحان وكلمات تقطع نياط القلوب .... ولا يتفوق عليها شعبية سوى مواويل (شهوان) .. كل هذا عبر شخصيات غزّية، تتبادل البطولة مع المكان، ليس أولها الصبية (فاطمة) صاحبة الجمال والدلال، المغرمة فـى الحلـم والواقـع بذلـك (( الحصان الأبيض الذى يعدو فى السهل، ثم لا يلبث أن يطير ناشرا عرفـه كالسحابـة )) .... وليس آخر هذه الشخصيات الشيخ تاج الدين الخروبى، الذى خاصم الولاة والحكام الظالمين، فأصبح هاديا للأمة، وزارعا للخوف فى نفوس الطغاة ... إلى حد أن (الجزار باشا)، كتب له بعد سقوط غزة فى يد رجال بونابرت، وحصارهم لعكا، يطلب رضاه ومغفرته بسبب سجنه له ....

إذا إستمر الناقد يلهث وراء غواية هذه (العنقاء) . سيجد نفسه وقد أعاد كتابتها، أو لخص فصولها، فى (العنقاء) وما تلاها خاصة (الخل الوفى)، تنهض مدينة غزة من الغارات والحروب ... من المعتدين والمحتلين، لتصبح مدينة شامخة، تم بناؤها روائيا بشكل يشابه الواقع، على يد وقلم عاشق إسمه (عبد الكريم السبعاوى) .

البطولة فى الرواية لمدينة إسمها غزة، تتجمع صور هذه البطولة، من خلال حكى تاريخ على ألسنة شخصيات متنوعة، من الفلاح العادى إلى القاضى المنافق للوالى، ويقابله القاضى المجاهد الذى لا يخاف فى الحق لومة لائم ... إلى شخصيات الولاة والغزاة – المحتلين ....

صورة وأيقونة وعهد قديم

هى

مدينة (القدس) عند سحر خليفة

العديد من الروايات الفلسطينية، أشارت الى بعض المدن، كالإشارة الى مدينة نابلس فى رواية (شبابيك زينب)، ومدينة (أريحا)، فى رواية (العشاق) لرشاد أبو شاور، أو مدينتى (أريحا) و(القدس) فى رواية (نجوم أريحا) لليانـة بـدر ...إلا أنـه فـى عـام 2002، صدرت رواية مدينة القدس ... الرواية التى تتأمل ماضى هذه المدينة الباهر عربيا وإسلاميا ومسيحيا، وحاضرها الذى تتآكل منه هذه الصفات تدريجياً، فتضيع (الصورة) وتُسرق (الأيقونة)، ولا يبقى فى المشهد سوى (العهد القديم) الذى يحاول مُدّعى وكالته اليوم، إعادة كتابة تاريخ المدينة، وسيادة روايتهم عنها فقط، وعبر ذلك تضيع صورة المدينة وأيقونتها تدريجيا، مما ينذر بضياع كامل ليس بعيدا، رغم المقاومة الصلبة ... لذلك تعيد سحر خليفة إعادة بناء مدينة القدس فى هذه الروايـة، لتبقى – وهذا أضعف الإيمان – محفوظة فى معمار رواية، إذا ضاعت فى معمار الحياة والواقع .

الرواية تسعى لبناء مدينة القدس، من خلال قصة حب فاشلة /مظلومة، يهرب طرفها الأول الى القدس بحثا عن دير يأويه، وبعد سنوات يلحق بها الطرف الثانى، يبحث عنها، فيجدها ولا يجدها فى الوقت ذاته، تماما مثل مدينة القدس .. إبراهيم وجد مريم أو مارى ... ولكنه أنكرته ولم تتعرف عليه ... وكذلك هى مدينة (القدس)، فيوما وراء يوم، لا يعرفها زائرها إبن البلد، الفلسطينى، فهى تتآكل تدريجيا، وتذوب وسط تاريخ يُكتَب لها من جديد، وأهل يغادرونها طواعية وكراهية، فإن عادوا إليها زيارة أو سياحة أو صلاة، لا تعرفهم ولا يعرفونها ... وسط إختفاء طرفى قصة الحب الفاشلة، التى تسيطر على الرواية من أولها حتى آخرها، تطوف الشخوص كافة مناطق القدس وحاراتها وأبوابها ... حيث دير الأرمن بين المسجد الأقصى وكنيسة القيامة، وخان الزيت أمام الأقصى من جهة الغرب ... وساحة باب العامود، وتمثال العذراء فى الأعلى، حيث الأقواس الحجرية والقناطر، و(القدس الآن قدس أخرى بين الأطلال ...حلم يتبدد فى الحاضر والمستقبل). [7]

لن تجد فى الرواية صفحات سرد مباشر عن القدس وتاريخها وناسها الحاضرين والغائبين، وأزهارها وعصافيرها وقناطرها، كما فى رواية رشاد أبو شاور (العشاق) عن مدينة (أريحا)، أو روايته (شبابيك زينب) عن مدينة (نابلس) ..فى رواية (صورة وأيقونة وعهد قديم)، يتطلب البحث عن مدينة (القدس)، تجميع أجزاء المدينة من صفحة الى صفحة، لتجد نفسك فى نهاية الرواية، وقد قبضت على المدينة كاملة، من خلال مشهد النهاية المأسآوى، حيث (جنود العهد القديم)، يمنعون الصلاة فى المسجد الأقصى، وعلى عتباته وجدرانه، تسيل دماء الأطفال والشباب والرجال ... (فصلاة الجمعة إنقلبت الى حفلة دم) ... ومن تفاصيل هذه الحفلة، تصبح مدينة (القدس) مجرد صورة، فتضيع أيقونتها، لتُكْتَبَ سَطرّ فى (عهد قديم)، يحاولون جعله القديم / الجديد.

الروائى الفلسطينى وعلاقته بالمدينة

لقد إختلف تعامل الروائيين مع المدينة، تبعا لنظرتهم لها وعلاقتهم بها، رغم إرتباط فن الرواية بالمدينة ... وهذا يعنى أن العلاقة مع المدينة ليست دائما ودية ومنسجمة، وذلك لأن (إرتباط الرواية العربية الحديثة بالمدينة هو إرتباطها بالفضاء الذى تولدت منه، وتشكلت به، وظلت تحمل بصمات تحولاته وصراعاته فى رحلتها الطويلة). [8]

وهذا الفضاء العربى ملئ بالصراعات فى ميادين الحياة المختلفة، سياسية وإقتصادية وإجتماعية، لذلك من الطبيعى أن يكون للروائى موقف منحاز لجهة أو طبقة أو تيار ما فى خضم هذا الصراع، وهذا يؤكد إحتمال الصدام بين المدينة والروائى، أو بين الروائى وقوة ما من قوى المدينة، مما يُفَسَّر – إعتمادا على بعض الأعمال الروائية – على أنه صدام مع المدينة ذاتها، آخذين فى عين الإعتبار، أن المدينة (من السعة بحيث يعجز المرء عن الإمساك بها وتصورها، كما أنها تتغير وتتسع دائما) [9]، مما يؤدى حتما الى تغير نظرة الروائى، وطريقة تصوره لها، أو طريقة تقييم علاقتـه معها، ومع قواها الإجتماعية، وأوجه الصراع فيها ...

إذا كان التحليل السابق حول علاقة الروائى بالمدينة، ينطبق على هذه العلاقة بشكل عام، فإنه لا يتلاءم مع علاقة الروائى الفلسطينى مع المدينة، هذه العلاقة التى هى فى الغالب علاقة مع مدينة فلسطينية، ضاعت كما فى حالة العديد من المدن، أو فى طريقها للضياع كما فى حالة مدينة (القدس) .. لذلك فالعلاقة دوما علاقة حب وتمسك بهذه المدينة، وتقرب منها، رغم كل ما فيها من شخصيات سالبة، أو قوى مضطهِدة، فكل ذلك يختفى إزاء إختفاء المدينة ذاتها أو كونها فى طريق الإختفاء، وقد لاحظنا ذلك فى حالة (غزة) عند عبد الكريم السبعاوى، و(أريحا) و(نابلس) عند رشاد أبو شاور، و(القدس) عند سحر خليفة، وسمخ وطبرية عند يحي يخلف .... و(القدس) أيضا عند جبرا إبراهيم جبرا، بينما فى حالة جبرا، تختلف نظرته وعلاقته بالمدينة، عندما تكون المدينة عربية، وليست فلسطينية، كما فى حالة جميل فران مع مدينة (بغداد)، فى رواية (صيادون فى شارع ضيق).

تضيع المدينة الفلسطينية فى الجغرافيا، فيعيد الروائى الفلسطينى بناءها فى معمار الرواية، وقد ظهر هذا البناء واضحاً فى السنوات الأخيرة، بعد أن تأكد الروائى الفلسطينى أنه طوال الخمسين عاما الأخيرة، لا تعود مدن الى جغرافية أهلها، بل تضيع مدن جديدة من أيدى أهلها ... فهل يكفى فى حالة الإنسان الفلسطينى، إستعادة المدن روائياً ؟! .

ملاحظة

قدمت هذه الدراسة في مؤتمر ( الإبداع الروائي العربي ) الذي نظّمه المجلس الأعلى للثقافة المصري في القاهرة في أكتوبر من عام 2004

حواشي

[1السفينة، جبرا إبراهيم جبرا، دار النهار، بيروت، 1970.

[2السفينة، ص 88

[3السفينة، ص 17 – 18 .

[4فى كتاب (أفق التحولات فى الرواية العربية)، منشورات دار (الفنون)، مؤسسة عبد الحميد شومان، عمّان – الأردن، 1999، ص 152-153.

[5الموسوعة الفلسطينية، المجلد الثانى ص 588.

[6الموسوعة الفلسطينية، المجلد الثالث ص 102 – 106.

[7صورة وأيقونة وعهد قديم، سحر خليفة، دار الآداب، ط1،2002، ص22

[8زمن الرواية، د.جابر عصفور، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة 1999، ص43.

[9نظرية الرواية، مورس شرودر وآخرون، ترجمة د.محسن الموسوى، منشورات مكتبة التحرير، بغداد 1986، ص 103


أحمد أبو مطر

الدكتور أحمد: كاتب وأكاديمي فلسطيني

من نفس المؤلف