الكاتب المجيد

طانيوس أفندي عبده

، بقلم أحمد الخميسي

الكاتب المجيد طانيوس أفندي عبده (1869-1926) أديب وصحفي وروائي ومترجم لبناني ، من رعيل مثقفي التنوير الأوائل الذين حرثوا التربة لظهور الثقافة المصرية الحديثة ، أنشأ في الإسكندرية صحيفة " فصل الخطاب " ، وأصدر سلسلة الروايات القصصية فظهر منها أربعون عددا ، وأصدر جريدة الشرق اليومية ومجلة الراوي الأسبوعية ، وله مجموعة كبيرة من الروايات المؤلفة والمترجمة .

،والكاتب المجيد طانيوس أفندي عبده علاوة على كل ما سبق هو أيضا أحد الذين ألفوا نهايات مغايرة للنهايات التي وضعها شكسبير لمسرحياته . لفت نظري إلي كل ذلك الصديق الأستاذ سامح فكري في بحث له بعنوان ترجمة مآسي شكسبير . وجاءتني مع نسخة من البحث الذي طلبته صورة لغلاف الطبعة الأولى عام 1902 من ترجمة هملت التي قام بها طانيوس عبده ، وهي صورة لغلاف مدهش إلي حد كبير يلقي الضوء على الزمن وتحولاته . ففي أعلى الغلاف كتبت كلمة " رواية " وتحتها بمسافة كلمة " هملت " ، وبعد ذلك عبارة : تمثيلية ذات خمسة فصول ، تأليف شكسبير الشاعر الان! كليزي الشهير. ثم : تعريب الكاتب المجيد طانيوس أفندى عبده صاحب جريدة الشرق الغراء . وحرص الكاتب أو المطبعة على تشكيل كلمة رواية بوضع الضمة في آخر الكلمة ، ووضعها فوق تاء اسم هملت ، مما يبين مدى اهتمام الناس حينذاك باللغة . يلفت النظر أيضا التخبط في تسمية مسرحية شكسبير ، فهي في أول الغلاف " رواية " ، ولكنها في منتصفه " تمثيلية " .

ويستوقف المرء أيضا تقدير المعرب طانيوس أفندي عبده لدوره ، وتشجيعه لنفسه بنفسه بوضعه صفة " الكاتب المجيد " قبل اسمه ؟ هل كانوا يقدرون الكتاب والمترجمين إلي هذه الدرجة منذ أكثر من قرن ؟ أم على العكس أن الثقافة التي لم تكن تلقى احتراما بحيث أنها كانت مضطرة لتعويض ذلك النقص بالتضخيم من ذاتها أمام القراء وإسباغ الألقاب الفخمة على المشتغلين بها؟ على أية حال فإن الترجمة التي قام بها في حينه طانيوس أفندي عبده قد أثارت مشكلة هامة ، تتعلق بصلب دور الترجمة . أعني : ارتباط الترجمة على نحو مباشر باحتياجات المجتمع الثقافية والاجتماعية ، بل وضرورة تطويعها لتلك الاحتياجات . وقد! تناول سامح فكري في بحثه تلك المشكلة ، حين أشار إلي أن طانيوس عبده قام بترجمة مسرحية هملت عام 1897 لتقديمها على المسرح ، وطبعها عام 1902 . ولكنه كان مضطرا عند عرض المسرحية على تعديل نهايتها بحيث يواصل هاملت حياته ليرتقي العرش ، لكي تصون المسرحية للجمهور مفهومه عن العدالة التي ينبغي أن تنزل عقابها بالمجرم وتنصف المظلوم ! وهكذا يمكن القول باطمئنان أن طانيوس أفندي عبده وضع وبعبارة أدق ألف نهاية مغايرة تماما لما كتبه شكسبير . ووصف د . محمد يوسف نجم هذه الترجمة بأنها تشويه، ومسخ للعمل ، كما نفى عنها الكثيرون صفة الترجمة واعتبروا أن التأريخ لترجمة هاملت لا يبدأ إلا بعد ذلك ، من عند خليل مطران ، هناك حيث تتطابق الترجمة مع النص . وإذا تجاوزنا مؤقتا عن التعديل ، والتصرف ، الذي قام به طانيوس عبده ، فإن السؤال الحقيقي الذي تطرحه تلك القصة هو : هل ينبغي لنا أن نحترم النص بحد ذاته ؟ أم احتياجات المجتمع ؟ .

بهذا الصدد يطرح سامح فكري منهج القراءة الاجتماعية الثقافية للترجمة ، أي الموازنة – كما يقول سامح فكري - بين النص الأصلي بوصفه نتاجا لعملية اجتماعية ثقافية محددة من جهة ، وبوصفه نتاجا لتفاعل المترجم مع نسق التصورات والاستعدادات المحيطة بالمترجم من جهة أخرى . وهكذا يتجاوز سامح فكري موضوع الانطلاق من مطابقة الترجمة للنص الأصلي إلي قراءة أخرى للترجمة باعتبارها تلك العملية التي تتفاعل مع ظروف محددة ، في زمان ومكان معين ، لتؤدي دورا محددا . وإذن ليست هناك ترجمة بشكل مطلق . هناك فقط الترجمة التي يحتاجها المجتمع في لحظة معينة ، ولهذا السبب كان طانيوس أفندي عبده مضطرا لمراعاة درجة التقدم الاجتماعي عند ترجمة هاملت ، وكان مضطرا لتأليف النهاية التي يقبل بها الجمهور . لهذا السبب أيضا كانت ترجمة رفاعة رافع الطهطاوي للدستور الفرنسي في حينه تمثل ضربة لفكرة الاستبداد الفردي وتأكيدا لفصل السلطات الثلاث ، أما الآن فلم يعد لمثل تلك الترجمة من قيمة ، بعد أن تجاوزتها الأحداث وحركة التطور .

قضية الكاتب المجيد طانيوس أفندي عبده ، تلقي الضوء على جذر مشكلة الترجمة كلها في مصر . فالأساس في كل أعمال الترجمة هو النظر إلي احتياجات المجتمع ، ودرجة تطوره ، وما يناسبه الآن . هل نحن مجتمع يسعى إلي التصنيع والعلوم والقبض على ناصية التكنولوجيا ؟ ومن ثم نكون في أمس الحاجة للترجمات العلمية ؟ هل نحن مجتمع يسعى إلي الديمقراطية فنكون في أمس الحاجة إلي ترجمات الكتب السياسية ؟

هل نحن مجتمع يسعى إلي تطوير التعليم في مختلف مراحله فنكون بحاجة إلي ترجمة مختلف الكتب المبسطة للأولاد ؟ هل نحن مجتمع يسعى لمكافحة السلفية والخرافة والنظرة الرجعية للمرأة فنكون بحاجة إلي كتب كثيرة في هذا المجال ؟ . وباختصار شديد فإن الترجمة – رغم أنها تتسع للكثير – إلا أنها ينبغي أن تصبح مرتبطة بسؤال آخر رئيسي : من نحن ؟ ما الذي نريده ؟ كيف نتصور مجتمعنا اليوم ، وغدا ؟ وكيف نريد له أن يصبح ؟ . الترجمة باختصار شديد مرتبطة في خطوطها العامة! بمشروع للنهضة ، ومن دون ذلك المشروع تصبح الترجمة مطابقة للنص ، وممتازة ، من غير أن تسد حاجات المجتمع في تكوينه الأعم ، أو أنها تغدو في أفضل الأحوال مثل جداول الماء الصغيرة المتفرقة التي لا تصب في نهر واحد كبير . وما من أحد يكره جداول الماء لمجرد أنها صغيرة ، لكن لا يسع أحد القول بأن تلك الجداول تروى عطش المجتمع .


أحمد الخميسي

- دكتوراة في الأدب الروسي عضو المجلس الاستشاري لديوان العرب

من نفس المؤلف