الخميس ١٧ كانون الثاني (يناير) ٢٠٠٨
بقلم يحيى ولد أحمد الهادي

زوج أحذية وجورب واحد

كما كل صباح أقف أمام بناية "آفاركو" وعلي شارع جمال عبد الناصر أمسح عربتي وأنتظر، حتى تلفح شمس الضحى وجهي ويطرأ علي حركة السير نشاطها المعهود، عندها أجر عربتي علي طول الشارع وأصيح كما لم أصح في اليوم السابق:

-  المشوي

كل زبائني من أصحاب البدلات الأنيقة والسيارات الفخمة وعمال الوزارات القريبة.

هم طبعا لا يتعاملون معي شخصيا وإنما يرسلون الفرّاشين الخاصين بهم لأخذ طلباتهم.

أصبح بإمكاني الآن معرفة الفرّاشين وتمييزهم ففراشو وزارة التهذيب مثلا تكون الكمية التي يطلبونها أقل من طلبات وزارة المالية، وطلبات عمّال البنك تكون أكبر الطلبات على الإطلاق.

وحين ينتصف النهار ويصبح الوقوف تحت الشمس الحارقة مستحيلا أستظل بأقرب شجرة، ثم ما ألبث أن أعود لمكاني حيث رؤية عربتي تكون أفضل وحيث الشمس الحارقة، والتي أخذت نصيبي منها – وزيادة – وأنا صغير يوم كنت أقضي يومي في رعي الغنم وفي المساء كنت أجلب الماء لأسرة مولاي، نعم مولاي، فقد كان جدي وجده أرقاء، إلا أننا -أنا،أبي وإخوتي- لم تمارس علينا العبودية كما يتخيل لكم، فمقابل خدمتنا لهم كانوا يوفرون لنا المأكل والمشرب، والملبس في الأعياد والأهم من هذا كله بالنسبة لي هو تحفيظي ما يقارب أحد عشر جزءا من القرءان، و ارسالى بعد ذلك إلى المدرسة، كان آبّ- كما يحب أن نناديه- يوقظني وولديه في الصباح الباكر ويوصلنا بنفسه إلى المدرسة التي كانت تبعد أربعة كيلومترات علي ما أذكر، وفي الطريق كنت ومحمود ولده الأصغر نتسلى باللكزات التي يوجهها إلي ابنه البكر حافظ عندما لا يقرأ عليه ما حفظه من القرءان بصورة جيدة، وبعد أن أكملت تعليمي في المرحلة الابتدائية والإعدادية كان علي أن أنتقل إلي نواكشوط لأكمل دراستي في الثانوية الفنية، فأرسلني إلى شقيقه ومقابل إقامتي عنده - ليس بالمعني الظاهر للكلمة- كان علي أن أنام في وقت متأخر بعد أن أصنع له الشاي واعدّ له فراش نومه، وأستيقظ في وقت مبكر لأعد له الشاي أيضا وأنظف السيارة بعد ذلك أسرع الخطي إلي الثانوية وغالبا ما لا يرضي المدرس السماح لي بالدخول لتأخري.

لم يكن حالي أحسن وأنا أعيد السنة الأخيرة من الثانوية للمرة الثانية فرسبت أيضا، بعدها قررت ترك الدراسة، وبمشورة منه عملت فرّاشا حيث يعمل، وفي نفس السنة شاركت في مسابقة الأساتذة وبالرغم من الوعود التي راح يغرقني بها لمساعدتي في
النجاح لم أجد اسمي وأنا أتطلع اللى الورقة المعلقة علي الحائط ذات ظهيرة وأنا أنظر اليها من أعلى الأكتاف.وبعد عام من العمل المتواصل في البيت وخارجه كان علي أن
أترك مكان إقامتي لأن سيدته لا تريد لبناتها- اللاتي يكبرن بسرعة- أن ينكشفن على رجل غريب، كان قبل ذلك عدة اتّهامات غير مباشرة بسرقة أي شيء يفقد في البيت.

لم يتحمل جسدي النحيل حمل الأثقال حين عملت حمّالا، ولا البرد في ليالي الحراسة الطويلة، وكنت أخرج من كل عمل بأجرة الغرفة حيث أسكن وما تبقى أشتري به بعض الأدوية.

وبقيت على هذه الحال لسنة، فقررت أخيرا أن أبحث عن مصدر رزق ثابت- كبقية خلق الله- وبالصدفة كان صاحب عربة المشوي الذي أشتري من عنده في بعض الأحيان يعرض عربته للبيع، فاشتريتها من عنده علي أن يبقي معي ليومين ليعلمني.

وبعد سنتين من العمل، أصبح بإمكاني أخيرا أن أتزوج، وانتقلت إلي سكن جديد عند ولادة ابني الأول آبّ، كان السكن الجديد مؤلف من غرفتين وحمّام غير مغطّى مشترك مع أسرة الزنوج التي تجاورنا، أب الأسرة رجل طيب يمضي يومه نزولا وصعودا من وعلى أعمدة الكهرباء، وأشك في انه باستطاعته أن ينام مع احدي زوجتيه في المساء من شدة التعب، يوقظني في الصباح وأشاركه شايه الصباحي وهو يتلو أذكاره قبل أن أنتعل زوج أحذيتي العتيق وجوربهم الواحد الذي لبسته اليوم في قدمي اليسري.

بعد أن شفيت اليمنى من الشقوق التي أصابتها، وفي صباحاتنا تلك دائما يطلب مني جاري-ممازحا- أن أبيعه زوج أحذيتي فأخبره بالقصة التي ملّ سماعها عن زوج الأحذية الذي بعمر ابني آبّ والذي اشتريته ذات شتاء من محل الألبسة المستعملة واكتشفت بعد ذلك أن فردته اليمنى تناسب تماما قدمي التي ولدت وهي أكبر من الأخرى.


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى