احتفالية (ديوان العرب) في ضيافة (أدب ونقد) الرصاصة الأخيرة مجازر الاحتلال الصهيوني في غزة ٢٠١٤

الصفحة الأساسية > أقلام الديوان > رثاء الأب عند الشعراء المُحــدثين

رثاء الأب عند الشعراء المُحــدثين

٥ شباط (فبراير) ٢٠٠٨بقلم فاروق مواسي

عودة إلى القديم

الرثاء الذي قاله الشعراء العرب على مدى العصور يجاري الدموع التي سالت، وغالبًا ما قيل للتكسب والتزلف من أرباب الجاه والسلطان، حتى وُصف الشاعر العباسي بأنه (مدّاحة نواحة).

ومن الغريب أن الشعر الذي قيل في الأهل قليل جدًا، وربما يكون ما وصلنا منه هو الذي جعلني أحكم بنوع من اليقين أن النتف الشعرية الرثائية كانت تعميمًا تصلح لكل شخصية، وتفتقد الحس العميق والهوية الشخصية للراثي والمرثيّ. ففي رثاء الزوجة (الزوج) عرفنا جريرًا في بضعة أبيـات يستهلها بأن الحياء يحول دون استعباره وزيارة قبر حبيبته. أما غريمه الفرزدق فلا يملك في رثاء زوجته سوى أبيــات جرير نفسها يرددها. وفي حماسة أبي تمام نقرأ مقطوعة لشاعر مغمور هو مويلك المزموم يرثي زوجه أم العلاء (الحماسة 1 ص 402)

وفي رثاء الزوج وجدت رثاء لعاتكة بنت زيد بن نفيل، ولأم قيس الضبية، ولأسماء بنت أبي بكر في أبيـات قليلة باهتة المعنى.

ونجد نماذج في رثاء الأخ لدى المهلهل ودريد بن الصمة والخنساء. وفي نهاية حماسة البحتري فصل في مراثي النساء. كما نجد فصلاً آخر في نهاية ديوان الخنساء فيه شعر لبعض شواعر العرب المغمورات ممن تحدثن عن السجايا والشيم، كما تجلت في المرثيّــيـن. وفي حماسة أبي تمام نقرأ لنهار بن توسعة وابن عمار الأسدي والعتبي وطريف العبسي.

وتظل هذه القصائد معدودة إزاء الكثرة الكاثرة من شعر الرثاء، بالإضافة إلى أنها لشعراء مغمورين.

وفي رثاء الابن قرأنا أشعارالسلكة – أم السليك، وقصائد ابن الرومي (وهي قمة في الوجدان)، وابن عبد ربه وعبد الله بن الأهثم وأبي صخر الهذلي وغيرها.

ونادرة هي القصائد في رثاء الابنة أو الأخت أو الأم ، نذكر منها قصيدتي المعري في رثاء أمه (سقط الزند ص 39-46) وبضعة أبيـات لأبي فراس في رثاء أخته، وليس السبب يعود لكونها أنثى – كما يخيل للبعض، فـإن حظ الأب ليس بأفضل.

ففي رثاء الأب وقعت على بيتين لامرأة ترثي أباها، وهي تؤكد أنه لا يساوي أباها أحد
(الحماسة لأبي تمام 1 ص 452)، كما وردت أبيـــات متفرقة لهند بنت عتبة (زوج أبي سفيان) في رثاء والدها الذي قتل يوم بدر (الأغاني ج 4 ص 212 – 214). وفي نفس الفترة رثت قُـتيلة بنة النضر بن الحارث أباها، وعاتبت الرسول  لأنه قتله بعد أسره في بدر.
وسأسوق مثلاً على رثاء الأب من أروى بنت الحباب، حيث رثت والدها في ثلاثة أبيـــات:

قل للأرامل واليتامى قد ثوى
فلتبك أعينها لفقد حباب
 
أودى ابن كل مخاطر بتلاده
وبنفسه بقيا على الأحساب
 
الراكبين من الأمور صدورها
 
لا يركبون معاقد الأذناب

ويبدو أن الشعر الذي قيل في رثاء الأب في معظمه وارد من نساء، فبالإضافة إلى من ذكرت تروى أبيـات قليلة لعمرة بنت الخنساء، وآمنه بنت عيينة، وكذلك أشعار بنات عبد المطلب قبيل وفاة أبيهن... (راجع القصائد في ملحق ديوان الخنساء)

غير أن قصيدة المعري في رثاء والده (سقط الزند ص 13) كانت من القصائد النادرة، فأبوه:

مضى طاهر الجثمان والنفس والكرى
 
وسهد المنى والجيب والذيل والردن

كما يتحلى أبوه بالوقار والحجى والجرأة والسماحة، ثم ما يلبث المعري أن يقف أمام الموت والدنيا، ويعرض آراءه وأفكاره، وينتــقل إلى العاطفة، فيتمنى لو أن أباه موارى في جفنه،فأبوه (لؤلؤة المجد)....... وتصل القصيدة ذروتها الوجدانية:

فهل أنت إن ناديت رمسك سامع
 
نداء ابنك المفجوع بل عبدك القن
وأحمل فيك الحزن حيًا فـإن أمت
 
وألقك لم أسلك طريقا إلى الحزن
وبعدك لا يهوى الفؤاد مسرة
 
وإن خان في وصل السرور فلا يهنى.

وبرغم هذه القصيدة المعبرة فـإن القصائد التي قيلت في رثاء الأب هي قليلة، أو مغمورة، وهي لا تقول الكثير.

وما ذكرته من نماذج اهتديت إليها لا يدعى الحصر رغم كل اجتهاد، فثمة نماذج أخرى لا أرى أنها تغير من أفق التوقع.

في الشعر المعاصر:

وقبل أن ألج الموضوع لا بد من التأكــيد على أن الشعر المعاصر بوظيفته الاجتماعية انتبه إلى قيم جديدة، فأُفرِدت ولأول مرة كتب تناولت رثاء الزوجة منها (من وحي المرأة) لعبد الرحمن صدقي و (أنات حائرة) لعزيز أباظة، بالإضافة إلى قصيدة البارودي الدالية في رثاء زوجــه.... وقس على ذلك أشعارًا ترددت هنا وهناك في رثاء الابنة (المازني) والأم
(شوقي).

وسأقف تخصيصًا على رثاء الأب كعينة من خلالها أتوصل إلى أن الشعر المعاصر- وبالأدق الشعر الحديث – هو الذي استطاع التعبير عن عاطفة الشعر بجدارة، هو البؤرة التي تستقبل الأشعة وتفرقها.

سأقف أولاً على قصيدتين لأحمد شوقي وأحمد زكي أبي شادي حتى أصل إلى أدونيس ونزار قباني وصلاح عبد الصبور متركزًا على قصيدة سميح القاسم كنموذج حي ومتفاعل ومعبر، عن المشاعر الذاتية والإنسانية معا.

رثى أحمد شوقي أباه عليًا سنة 1897، وكأنه مسوق إلى قول لم يعتد عليه الشعراء، فيبدأ قصيدته:

سألوني لمَ لم أرث أبي
ورثاء الأب دين أي دين
أيها اللوام ما أظلمكم
أين لي العقل الذي يسعد أين ؟

(القصيدة في الجزء الثالث من الشوقيات ص 154 _156)

ثم ما يلبث شوقي أن يؤكد بدهيات – أن كل الناس يموتون وحتى الرسول مات:

يا أبي ما أنت ذا أول
كل نفس للمنايا فرض عين
هلكت قلبك ناس وقرى
ونعى الناعون خير الثقلين
غاية المرء وإن طال المدى
آخذٌ يأخذه بالأصغرين

ونحن نكاد لا نجد عاطفة للشاعر بأحاسيس منفعلة، فهو يتحدث عن قوة الموت، وأن الطبيب يعود خائبًا بخفي حنين، وأن الموت ينفذ الجو على عقبانه، ويلاقي الليث ويحط الفرخ من أيكته.

ونجد في ثنايا القصيدة ما يحوي لنا بالعلاقة معه:

وتمشينا يدي في يده
من رآنا قال عنا (أخوين)
طالما قمنا إلى مائدة
كانت الكسرة فيها كسرتين

غير أن هذه العلاقة تكتسب طابعًا صوفيًا على المستوى الشكلي على غرار قول الحلاج:

أنا من أهوى ومن أهوى أنا
نحن روحان حللنا بدنا
فإذا أبصرتني أبصرته
وإذا أبصرته أبصرتنا

فيقول شوقي:

أنا من مات ومن مات أنا
لقي الموت كلانا مرتين
 
وفي ختام القصيدة:
 
وإذا مت وأودعت الثرى
أتلقى حفرة أم حفرتين ؟

وبالإجمال فـإن هذه القصيدة لا تنقل لنا (العدوى) العاطفية على حد تعبير الشعراء الرومانتيين.

ويبدأ أحمد زكي أبو شادي (1892- 1955) قصيدته في رثاء والده محمد أبي شادي بك، وكان صحافيًا ورئيس نقابة المحامين، وعضوًا في مجلس النواب وقد توفي سنة 1925.

يبدأ الشاعر قصيدته:

أرثيك والحب الصميم رثائي
(انظر الشفق الباكي لأبي شادي ص 133 – 14)

ويعدد الشاعر الفضائل التي تحلى بها والده ثم ما يلبث أن يكرر (لهفي على..........)

فيتلهف على جوده، وحدته لصون العدل وقلمه المصلح وأدبه المفكر وخلقه وعمله وظرفه ووده الكريم وشممه وشيمه التي لا يستطيع إحصاءها.

وبالإجمال فـإن في هذين النموذجين من شوقي وأبي شادي شيئًا مشتركًا، وهو الوضوح والمباشرة والتقريرية في تكرار عبارات الأسى واللهفة عند كليمها، وإذا كان شوقي قد عكس طريقته في كتابة الشعر من معارضة وحكمة وخطابة واستطراد، فـإن أبا شادي قد رثى والده بتفصيل عبارة وبناء متماثل، وهو يعكس على الأقل شخصية نموذجية من شخصيات مطالع هذا القرن أكثر من كونه والدًا له معه أكثر من وشيجة.

فإذا انتقلنا إلى نماذج من شعر " الحداثة " فـإننا نطالع قصيدة أدونيس (الموت)، وهي مؤلفة من ثلاث مراثٍ نشرها في مجموعته الأولى (قصائد أولى) (1947 – 1955) ففي المرثية الأولى (ص 116) يبدأ قصيدته بالإشارة إلى أن أباه تركه وهو واثق من مستقبله المفتوح، وإلى أن حياة الشاعر مع والده كانت سهلة فقد كان:

(أبي غد يخطر في بيتنا شمسا

وفوق البيت يعلو سحاب)

ويؤكد لنا الشاعر (أحبه) ثلاث مرات... في المرة الأولى " أعظما "، وفي الثانية " سؤالا عصيًا دفين....وجبهة ملفوفة بالتراب " وفي الثالثة " وأحبه صدرًا رميمًا وطين "،
ثم يعود في المرثية الثانية (ص 117) ليؤكد أن الأب كان قد شد بصدر الشاعر للسماوات، وحمله الماضي وخلى صدى منه ينادي للمستقبل (وفي هذا عود لمعاني المرثية الأولى)، ثم
يخاطب لهب النار الذي ضمه قائلا لها إنها مقدسة لم يفن فيها:

" هي كالشمس تأفل
عن أجفاننا وهي وراء الشمس لم تأفل"

وهذه القصيدة غارقة بالفكر والذهنية، ونحن نتساءل فيها: لماذا قرن بين والده والنار المطهرة ؟ أكان ذلك بتأثير البوذية أم أن في عقيدته بعض الإشارات الخاصة أن فكرة الشمس تعود في المرثيــتين الأولى والثانية، وأن الشمس لها دلالة رمزية كذلك.

أما المرثية الثالثة (ص 118) فهي سطران معبران فيهما تمازج استعارات وسببية مبالغ فيها، لكنها مترابطة ومتعانقة والبيتان هما:

" على بيتنا كان يشهق صمت ويبكي سكون
لان أبي مات أجدب حقل وماتت سنونو "

وفي تقديري أن البلاغة متأتية بسبب مخالفتــه لسُنة الطبيعة، ومن حق الشاعر أن يرى زوال الصيف والخيرات في لحظات حزنه العميق. غير أننا نلاحظ في المرثيــتــين الأوليين نوعًا من التحدي للقوة الإلهية ففي الأولى:

" أحبه أعظمًا في القبر تستعصي على الخالقـــين "

وفي الثانية: " ترمد الزند الذي طالما شد بصدري للسماوات "،

ثم بنوع من المفارقة للآية " يا نار كوني بردًا وسلامًا " يقول أدونيس:

" يا لهب النار الذي ضمه
 
لا تك بردًا ولا ترفرف سلام
ففي صدره النار التي كُـوّرت
 
أرضـًا عبدناها وصيغت أنام "

إذن فأبوه فوق طاقة البشر، فمنه الأرض التي عبدناها، وصيغ منها البشر، ومهما حاولنا القبض على معاني أدونيس فـإنها سرعان ما تتسرب منا...... لكن القصائد الثلاث تلتقي في رؤية وجدانية ذات صبغة تأملية. لقد رأى أدونيس في موت أبيه علاقة إيجابية، فصاغ معاني ولم يصغ عاطفة.

* * * *

وقصيدة نزار قباني في رثاء أبيه (انظر مجموعته (قصائد) الطبعة الثامنة ص 157 – 161) تبهر القارئ بلغتها ووزنها وطاقتها الموسيقية ونحت كلماتها، لكنها أسوة بأشعار نزار في كثير من قصائده تشع للحظة وتتوهج آنيــًا بشكل لا يوازي أي إشعاع، ولكن دون أن تترك أثرًا كبيرًا، أو حكاية وراءها حكاية، أو نفسية ممزقة.... فنزار قباني لا يصدق موت أبيه، لأن السبب أنه ما زال فيه " روائح رب وذكرى نبي "، فركنه وأشياؤه تتوالد " تفتق عن ألف غصن صبي "، وكأنه لم يذهب.

والمبالغة تأخذ دورًا بارزًا في القصيدة فبقاياه " بقايا النسور على الملعب "، وحينما يمر على الزوايا " يمر معشب "، والأب ما زال حيا يسامره، و " الدوالي الحبالى توالد من ثغره الطيب "، والأب له كروم بذاكرة الصيف وبذاكرة الكواكب، وعيناه ملجأ للنجوم " فهل يذكر الشرق عيني أبي ؟ " وأبوه "معنى من الأرحب الأرحب ". وبعد هذا الإغراق في المبالغات التي عبرت عن شاعرية وصفية أكثر من كونها إحساسًا منقولا - يصل بنا الشاعر إلى أنه هو وأبوه متماثلان:

" حملتك في صحو عيني حتى
تهيأ للناس أني أبي
 
أشيلك حتى بنبرة صوتي
فكيف ذهبت ولا زلت بي ؟ "

وهنا نجد الصدق في تساؤله العميق على بساطته والوحي بتلقائيــته، والبعيد عن تقريرية شوقي في المعنى نفسه.

إن نزارًا متأكد من عودة أبيه، فهو كالمسيح المنتظر..... هو تموز:

" فتحنا لتموز أبوابنا
ففي الصيف لابد يأتي أبي "

وبالإجمال فـإن هذه القصيدة فيها تشبيهات من مقلع رخامي صقيل. فيها تقديس للأب في أداء مشحون بالمبالغة. ولعل قوله واصفًا بقاياه - " بقايا النسور على الملعب " ما يشي بذلك بصورة جلية.

أما صلاح عبد الصبور (1931 – 1981) فرثاؤه لأبيه كان على شكل قصة (انظر ديوانه الناس في بلادي ص 23)، ونحن نتعرف إلى سبب موت أبيه في تضاعف القصيدة، ونتقرّى في تجميع جزيئات القصيدة مصرعَ أبيه في (صخر الجبل)، وكانت الذؤبان تعوي والرياح.... وقد أتيَ به إلى الميدان " مشجوج الجبين " حمله أشخاص (لعلهم عمال جنود)
في وصف درامي:

" وبأقدام تجر الأحذية
وتدق الأرض في وقع منقـــر
طرقوا الباب علي..."

يصف الشاعر الجو عندما أتاه نعي أبيه، فيجعله ملائمًا للحدث ولنفسية الحزن الذي أطبق عليه:

" كان فجرا موغلا في وحشته
مطر يهمي وبرد وضباب
قطة تصرخ من حول المطر
وكلاب تتعاوى "

ويقف الشاعر موقفًا جديدًا أمام الموت، ويصفه بالبحر الكبير، وبالدرب المضلل، والقدر الذي لا يخطئ، والسكون..... ثم ينتقل وكأنه فطن إلى عمق ماساته - إلى تساؤلات عن سبب غيبة الأب، فيبدأ كل سؤال: " ما الذي.....؟ " " لمَ....؟ " في تكرار بدايةANAPHORE
يثير كوامن الحزن.

وإزاء لإغراق في وصف الأب عند نزار فـإننا نجد صفات الأب هنا بصورة إيحائية، فهو محبوب من مجتمعه، ورفاق قبلوه خاشعين، وهو عطوف على أولاده يداعبهم ويناغي تارة رأسي وطورًا منكبي، وهو عنوان العائلة، وهم كالقطيع غاب راعيه وطالت رحلته، وهو قوي البنية.... وأبي يثني ذراعه كهر قل، وهو فقير، وجلسنا نأكل الخبز المقدود.

ومن ملامح الواقعية في القصيدة أنه يذكر والده في مواقف بعينها:

" جنت الريح على نافذتي
وفي مسائي فتذكرت أبي
وشكت أمي من علتها
ذات فجر، فتذكرت أبي
عض الكلب أخي...
وهو في الحقل يقود الماشية
فبكينا
حين نادى
يا أبي !!! "

وإذا كان شوقي وقباني قد اعتبرا أنفسهما جزءًا من الأب وصورة له فـإن عبد الصبور يعبر عن ذلك بطريقة أخرى وبواقعية تصويرية:

" ثم جمعت حياتي
وهي بعض من أبي "

ويصف عبد الصبور جو القتامــة من بعد أبيه، فهو يراه بين الضباب:

" ونرى طلعته بين الضباب
وأرى الموت فـــاعوي يا أبي "

ولفظة (أعوي) و " صرير الباب " في "صوت كئيب " فيها تماثل وهذه القتامة، وتتميز قصيدة عبد الصبور (القصصية) بالإضافة إلى شعبيتها وصدق تجربتها بالتكرار الذي تردد على الكثير من مقاطعها، وخاصة ما يتعلق بالنعي أو بالجو المتلبد الذي صاحب النعي، وفي قوله المعبر (إنه مات) تكرار يلائم المضمون.....وهو نابع من الشك أن الموت فعلاً قد وقع....وحالة الذهول ساقته إلى التكرار غير المفتعل والمعبر عن إنسانية مرهفة.

* * *

وتقع قصيدة سميح القاسم في ستة مساقات (انظر GRATA NON PERSONA ص 42 – 48) تارة يكتب شعر التفعيلة، وطورًا يلتزم الشعر العمودي، وفي هذا التراوح توزيع لآهاته، وتنفيس عن لواعج ذاتية مضطربة.ففي المساق الأول يبدأ القول:

" كبرت
وصرت
من الأهل في منزل الحزن "

يفضي لنا الشاعر بسرائره فقد تغيرت ملامحه، وصوته ترهل، وضاقت خطاه..هرم.. وغام وصاحب تغير ملامحه تغير في طبائع الأشياء – فقد العشب من نضارته، وتلون الصبح بالصفرة والورد بالغبرة، وقد تغيرت ملامح الأفق والشمس.

وفي المساق الثاني يلجأ إلى البحر الخفيف بقافية مقيدة:

كان قبري فكيف أصبح قبرك
 
وهو سري أم أنه كان سرك
 
يا أبي والدي أبوي ويابا
 
فيك وحدت والردى فيك أشرك

ولا يخفى أن البيت الأول يلامس بيت شوقي الذي ورد سابقًا، لكن الأصوات المجسمة لنداء الأب وبكل نغمة ولغة تضفي جوًا مأساويًا، كما تتميز هذه المفارقة الحادة بين التوحيد والشرك على عمق الصورة النابعة من عقيدة التوحيد الدرزية – (سري، وحّدت).
إن الشاعر يشتهي أن يسمع نداء أبيه العذب (يا ابني !) ليجبه (أمرك)..... وهو أسوة بنزار وعبد الصبور لا يصدق بأنه غاب عنه:

" غبت عني ! هل غبت عني ؟ هذا
 
طيفك الحي بيننا يتحرك
 
لم تزل تملأ العبــاءة بيتي
 
من ترى يملأ العباءة غيرك

وبالطبع فـإن الشاعرين رمزا من ورائها إلى هيبة الأب وديمومته.

وفي المساق الثالث يقول إن وجه أبيه السمح " قصارى الرضا"، وإن همسة الطيبة غاية الرزق، والشاعر يكرر طريقة الأب في تحية الصباح، وتشبّع الابن بجو الأبوية – يبوس يديه...يلثم ردن عباءته المعشبة (تعبير نزاري).....يملأ روحه برائحة البن والتربة الطينية....يملأ قلبه بحكمته السمحة المرعبة.....

يعود الشاعر ليؤكد أن أباه حي مثل جبل حيدر المتاخم لقريته (الرامة)، بل هو أحلى وأكبر وأعلى وأنضر.

وفي المساق الرابع يتوقف لدى زيتونة في قطعة أرض تابعة له، ويخلع عليها طاقة إنسانية مستقاة من شعور سميح بدوره، فالزيتونة تهب الوجود لأمة العرب، ونشرت على الآفاق خضرتها، وتفجرت نورًا مدى الحقب... عرفت الزيتونة (وهي رمز بارز في التراث الفلسطيني) هذا الأب، فعند زيارة الشاعر لها تعاجله بالسؤال، أو هو يعاجلها (أين أبي ؟) وكأن الزيتونة والأب صنوان.

وفي المساق الخامس يحدثنا عن عواطفه إزاء " جسر روحه "، يقول له:

" ساعتك الأوميغا استسلمت للزمان
قلبك في جسدي موضعه
أتفتح أبواب حزني
وتغمض عينيك عني
أبي لا تدعني ! "

ويحس الشاعر بطفولته وهو يتلهف إلى لمسة من يدي والده، وهو يتشوق إليه، ويكرر " أبي لا تدعني !!".

وفي المساق السادس يقول لنا إنه لم يَضع (يعلق) صور والده على الجدار، لأنه لا يعرف كيف يلاقي نظره.... وضحكة قلب الشاعر انتهت، وأصبحت دمعة فوق تراب دثر والده:
يا أبي ما زلت في منزلنا

ماثلا لم ننس حتى نذكرك

ومرة أخرى يعود الشاعر ليركز على كونه طفلاً، وهي (الموتيف) في القصيدة:

" كم تماديت وكم باركتني
 
غافرا من قبل أن استغفرك
 
طفلك المتعب مشتاق فمن
 
يا أبي، عن موعدي قد أخرك

وقصيدة سميح تشي عن وصف ذاتي لشخصيتــه هو، فالأب صديقه، وفارسه، وإمامه، وهو يجد في هذه الشخصية انعكاسًا لطموحاته الوطنية الأصـيلة. ولعل من الجدير أن أذكر أن الشاعر يربط باسم والده (جبل حيدر) و (خلة القصب).... وعند شرح معنى اللفظين يلجأ إلى شاعرية التعبير مستمدة من واقعة الذي وصفه:

*جبل حيدر الذي يحمل الرامة على زنديه مثل طفلة ترفض النوم.

• خلة القصب – قطعة أرض تنبت زيتونًا وأجيالاً وتاريخًا.

وأخيرًا، إن في هذه الوقفة عند قصيدة القاسم دليلاً على الزخم في المشاعر والحيوية، وفيها تاكيدًا على أن الشعر الفلسطيني لم يكن في موقع ريادي بفضل القضية ومعاناتها فقط، بل لأن الطاقة الشعرية هي التي أهلت بعض شعرائنا للدخول في محراب الشعر الرفيع.

ولا بد من التأكيد من خلا ل متابعة قصائد المحدثين أن هذا الشعر عبر عن عواطفنا الإنسانية بعمق وشفافية، وبمضامين مصوغة بحيوية وألفة، فإذا ترجمت هذه القصائد لأية لغة فـإنها لا تفقد حلاوتها وطلاوتها.... وفي ذلك نموذج على تناول موضوعات كثيرة قصر فيها الشعر القديم وجلّى فيها الشعر الحديث، وفي ذلك عبرة لمن بقي في مكانه يرفض حداثة الشعر والتجديد في صياغته.

الرد على هذا المقال

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

نلفت انتباه زوارنا الكرام الى اننا لن ننشر:
- أى مداخلات تتهجم على اشخاص لا دخل لهم بموضوع المقال وتستخدم ألفاظاً غير لائقة.
- أي مداخلة غير مكتوبة باللغة العربية الفصحى.

من أنت؟
مشاركتك
  • لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.