الثلاثاء ٣١ آب (أغسطس) ٢٠٠٤
قصة قصيرة
بقلم إيمان الوزير

يوم عاد أبي

تعلقت عيناه بالمكان ..لا تريد مفارقته ...وفاضت منهما ذكرى على ما كان ...لكنه اليوم ضاع ..عبر الطريق يختطف من الأشجار والبيوت نظرات تائهة.. تحركها ذكريات شاخت في نفسه...أعوام مضت كأنها لم تكن ...بالأمس كان يلعب بدراجته بين شوارع التل وهضابه ...وهنا بقايا لأريكة خشبية ..كان يجلس عليها جاره أبو أحمد ليشرب القهوة مع أبيه ...

ولكن... أين هو أبو أحمد الآن ...أتراه حياً أم ميتا ؟..و هذا منزل جارتهم أم إبراهيم ...كأن خيالها ينادي على صغارها ليأكلوا من خبز تنورها الشهي ..فيسابقهم لينال قطعة شهية... كثيرا ما أحبها من يد أم إبراهيم ..أتراها حية في مكان ما أم واراها الثرى؟

وجوه جديدة تملأ المكان ..تخبره عن تغير كل شيء إلا ذكرياته الحزينة ...تسابقت قدماه نحو ذلك البيت القابع في أحضان الكرمل ..لقد عرفه ...لم تغيره الأيام .. اقترب من الباب فلاح له صوت كصوت أبيه وكأنه يشم رائحة طعام أمه تنسل من بين جنبات الباب تستثير جوعه ..أسرع يطرق الباب بطرقات المشتاق إلى داره ...لكن ذاته تعثرت حين فتح الباب رجل غريب وقف أمامه بنظرات ثابتة ....يسأله: ماذا تريد ؟...

للحظات ... ظل صامتا يجمع ذاته المتعثرة من هذا الكيان الغريب الذي سرق منه لحظات ذكرياته ..كرر الرجل السؤال .. وكان عليه أن يجيب ..

تمالك نفسه وقال : كنت أسكن هنا .هذا بيتي ...فهل تسمح لي بزيارته ؟...شعر وكأنه يختنق ..أيستجدي رؤية منزله من غريب جاء من بعيد ..سرق كل شيء حتى لحظات الذكريات ..
أحس بسياط الواقع تجلد جوانبه ..تفجر معها ألما حاول كثيرا أن يدمله في منفاه ..

أفاق على صوت الغريب يجيبه بلكنة من يعرف العربية : أنت كنت هنا زمااااان ...حسنا سأسمح لك بإلقاء نظرة سريعة ..ولكن لا تتأخر خمس دقائق فقط !!!

شعر بكلماته كخنجر يخترق جوفه يمزق قلبه وصدره وأحشاءه في آن واحد ..لكنه تمالك القهر فنشوة لقاء الطفولة أقوى من ألم الواقع ...عبر إلى المكان .الذي رأى فيه الحياة لأول مرة ....هنا كان يجلس والده ...وهناك عند المدفأة جلست والدته تحكي قصص المساء في ليالي الشتاء الباردة ...لكن المكان لم يعد كما تركه . بصمات الغرباء شوهت كل شيء ..رائحتهم أزكمت أنفه ...وشعر برغبة في الخروج .حتى قبل أن تمضي الدقائق الخمس ..أطل من نافذة قريبة كان يحب الجلوس بجانبها فرأى ليمونة باسقة ...... إنه يعرف أوراقها .. لقد زرعها قبل رحيله بعام ..ها هي الآن أمامه ترفرف بظلالها على المكان ..أوراقها تتدلى لتلامس الأرض بحنو من يعشق الجذور ...توجه نحوها مسرعا يحاكي أوراقها ويتحسس أغصانها ..يلهث بنظراته نحوها كمن يعانق حبيباً فقده من سنين .....

ما أقسى الحقيقة حين تبقى الأشجار ويغادر زارعوها تحت وطأة الرعب.....تُراها عرفته ؟ ...نعم ...إنه يشعر بأوراقها تخاطبه وتسأله العودة ....انهمرت الدموع من عينيه ولم يعد يحتمل البقاء ... وأسرع يغادر المكان ...انطلق دون أن يلتفت إلى الوراء ولا حتى بنظرة وداع .. يحثو الأرض بخطوات رافضة ...يغمض معها عيناه ويشدد بإغماضته ..لا يريد لبؤس الواقع أن يحرق ذكرياته الباقية ...يريدها أن تبقى أن تظل في خيال أبنائه وأحفاده ...ليحملوها ... ويحفظوها ..ويرددوها..كتراتيل معبد...كأنشودة منفى إلى وطن ...حتى يعودوا إلى حيث تسكن الليمونة .


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

- كاتبة فلسطينية مقيمة في السعودية

من نفس المؤلف
فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى