الغريب واللامعقول عند ألبير كامـو

، بقلم سامر عبد الله

ولادته: 1913- 1960

ولد ألبير كامو في مدينة الذرعان في 7 نوفمبر للعام 1913في الجزائر إبان الإحتلال الفرنسي لعائلة من المستوطنين الفرنسيين. كانت والدته تعود لأصول أسبانية، وتوفى والده في الحرب العالمية الأولى.

كاتب ومؤلف وفيلسوف فرنسي وواحد من اكبر نجوم التيار الوجودي الى جانب (جان بول سارتر).

عاش ألبير كامو في ظروف تنمطت بين الفقر والعوز،الشيء الذي دفعه للاشتغال باعمال يدوية بسيطة خلال دراسته،
في عام 1949م عادت اليه اثار مرض السل التي التقطها في وقت سابق وتم عزله في مصح لمدة عامين

وفي العام 1950 نال اجازة الفلسفة وقدم في العام التالي بحثه المعروف
عن (الافلاطونية الجديدة)
حائز على جائزة نوبل في الاداب عام 1957 فهو يعتبر أصغر كاتب نال جائزة نوبل بعد (روديارد كبلنغ) ليس من اجل كتابه (السقطة) الذي صدر في السنة السابقة، بل من اجل سلسلة مقالات كتبها وانتقد فيها عقوبة الاعدام. كما أنه أصغر من توفي من كل الحائزين على جائزة نوبل،
في 4 يونيو للعام 1960 بحادث سيارة.

وكان قد علق في أوائل حياته الادبية: أن أكثر موت عبثي تخيله هو الموت بحادث سيارة.

وهنا نذكر أهم اعماله:

الغريب...عام 1942في بوردو

اسطورة سيزيف....عام 1942

حالة حصار...1948

التمرد....1951

من الجانب الفلسفي:

عند انتقاله إلى بوردو، ألتقى بالفيلسوف (جان بول سارتر) الذي كتب مسرحية الذباب اثناء الافتتاح، ونشأت بينهما صداقة عميقة نتيجة تشابه الأفكار بينهما وإعجاب كل منهما بالآخر الذي كان قبل اللقاء بسنوات وذلك من خلال قراءة كل منهما كتابات الآخر.

ومع نهاية الحرب، ظل كامو رئيسا لتحرير جريدة الكفاح، إلى أن تجردت كليا من الهدف النضالي و أصبحت بالمقابل جريدة تجارية، فتركها عام 1947م، وصار مقربا أكثر من دائرة سارتر و صار أهم أعضاء حاشية سارتر في جادة السان جرمان. كما انه قام بجولة في الولايات المتحدة

و قدم عدة محاضرات عن الوجودية. ورغم انه صنف الى جانب اليسار السياسي الا أن انتقاداته المتكررة للستالينية أكسبته عداء الشيوعيين، وعزلته لاحقا حتى عن سارتر.

إن أهم انجازات كامو الفلسفية هي فكرة العبث أو الا معقول:الفكرة الناتجة عن حاجتنا إلى الوضوح و المعني في عالم ملئ بظروف لا تقدم لا الوضوح و لا المعنى.و هي الفكرة التي أبدع في تقديمها في أسطورة سيزيف، و في الكثير من أعماله الأدبية. البعض يرى أن كامو لم يكن وجوديا بقدر ما كان عبثيا.

في عقد الخمسينات من القرن العشرين تفرغ كامو للعمل الإنساني. في عام 1952، استقال من منصبه في منظمة اليونسكو احتجاجا على قبول الأمم المتحدة لقبول عضوية أسبانيا و هي تحت حكم الجنرال فرانكو. كما أن انتماؤه لليسار لم يمنعه من انتقاد السوفييت للطريقة التي قمعت فيها انتفاضة العمال في برلين الشرقية عام 1953. كذلك انتقد نفس الأمر في المجر في عام1956.

أحداث الرواية:

ينطلق كامو بنا في هذه الرواية الجديدة من حيث انتهت "أسطورة سيزيف" بشكل رتيب يعرض مسلسل ما مضى بحركات يومية ميكانيكية فقد شعر مورسو "أحد أفراد الرواية" أن وعيه جاف،ممل، ومضجر لذا كان يردد "إن الأمور عندي سواء".

هو هكذا رتيب كثيرا يلازمه اللاوعي من (أكل، وشرب، وغيره... مما نفعله ويتوجب يوميا ً.

وغير هذه الأحداث من فقدان أمه التي بات يسهر كل ليلة الى جانبها دون أن يتملكه شعور الحزن أو الأسى المعتاد ويرشف قهوته بكل هدوء،ونرى من جهة ثانية حبه لماري الذي لم ينفع في إخراجه من هذا الجمود والخمول.

وبالمحصلة يحكم على مورسو بالإعدام لقتله عربي وما كان ذلك الا محصلة لأحداث الشاطئ،وأحداث كثيرة توالت على مدار الرواية،
لكن العبث واللامبالاة يبقى جوهر الرواية ولبها.

أسلوب الرواية:

تنقسم الرواية الى جزئيين متساويين،يكمن الأول في إدراكه لعنصر الزمن،تلك الفترة التي يتحقق بها مورسو أن وجوده ليس له أي معنى رغم أنه يجاوب مع الإحساس بالفعل، لكن سرعان ما يغيب هذا الإدراك بعد قتله للعربي ويفقد الزمن أي معنى له.

تتصف الأجزاء الستة الأولى من الرواية بالحدث الرتيب اليومي مثل النهار والليل والنجوم والسماء..

كتب (ألبير كامو) بضمير المتكلم(أنا)ولهذا فإن وجهة النظر في عملية السرد الروائي وجهة فردية ذاتية،فهو يشير الى ثقته بنفسه الكاتبة وإلمامه بدرجة عالية من المعرفة وينحى باتجاه تنوير القارئ والإسهام في فهم الأحداث وتراتبية الانتقالات فهما ًصحيحا ًوكاملا.ً

وهنا يتقن كامو حين يعلم بأن الضمير (أنا)هو الأقرب الى الفهم،إن لم يكن اقرب الى القبول فهذا النوع يضفي على النص نوعا من الغرابة وبذلك يرتفع بالرواية كلها بأن يجعل موضوعها أقل تجريدا ًوأكثر إقناعا ًفي لغة إنسانية تعجّ بالوضوح.

هذا النوع من السرد يكون بعيدا عن التدرج الزماني والتحليل المنطقي، فطورا ًيظهره على أنه غريب اجتماعيا ًوطورا ًيظهره على أنه غريب فكريا ًوميتافيزيقيا ً، لذلك يتجنب أسلوب التحليل والتعليل والتفسير..فيما يظهر تفككا بسيطا ًفي بناء الجمل ليبين عن قصد أن العالم بكامله عبثي ولا معنى له.

إن امتداد الرواية بين الماضي والحاضر يعطي أحداث الرواية صفة الاستمرارية من ساعة وقوعها حتى ساعة سردها على لسان بطلها.
تنتمي رواية الغريب الى الطور العدمي لأن كامو يصور فيها الخواء الإنساني بريشة سوداء،فهو مثل فولتير يصل بالسخرية من عبث العالم الى حدود المأساة، محتفظا بالوضوح والنظام الى جانب التصميم على إعطاء فلسفة يسودها الاقتناع بوجود التشويش واللامعقول شكلا معقولا ومنظما ً..
رغم أن رواية "الغريب " مقتضبة، وموضوعة في أسلوب إنشائي بسيط يبدو أنها ثمرة لعملية نضوج بطيئة.

فدفاتر كامو تظهر العاطفة الغريبة بين الولد وأمه وخصوصا هو بعد السنين التي قضاها في البؤس،

نشرت رواية "الغريب" دار غاليمار سنة1942 فلم تـُفهم كما يجب ويشهد على ذلك صبر المؤلف، الذي كتب "أن المبدأ الأخلاقي الضئيل لا يزال يعيث فسادا،فيا للتعساء الذين يظنون النفي تخيلا فيما هو اختيار".
وواقعيا ًيمكن القول بأن رأي جان بول سارتر عن رواية الغريب أثقب رأي ابدي في الكتاب منذ تاريخ صدوره،حيث قال:

"ما من عبارة غير مفيدة، ما من عبارة الا واستعيدت فيما بعد، وألقيت على بساط المناقشة،وعندما نغلق الكتاب ندرك ؟أنه لم يكن في الإمكان أن يبدأ بصورة أخرى،وان ينتهي نهاية أخرى."

إن رواية الغريب مطابقة تماما لسنن الأدب المتعارفة،قصة نظام وضعت بمناسبة غير المعقول وضد غير المعقول.


سامر عبد الله

صحافي سوري

من نفس المؤلف