الجمعة ٣٠ أيار (مايو) ٢٠٠٨
بقلم يحيى ولد أحمد الهادي

القدح

ينظر إلى الأشياء من حوله ويمد سبّابته إلى الأعلى ويحاول أن يرفع بصره بعينين غائرتين، ويهمس:

-  رضا الله ورضا والدتي هو كل ما يهمني.

يحك أنفه بسرعة، ويبتسم عن أسنان نخرها السوس، ويسأل صديقه للمرة الثالثة عن اسم الشركة التي يعمل بها، هذه المرة لم يجب عن سؤاله.

يضع يديه فوق ركبتيه وهو يضحك من جديد، لاحظ أنه لا يضحك معه هذه المرة، واسترعت انتباهه نظرة الإشفاق التي رمقه بها فتمادى في ضحكاته التي لا تجد ما يبررها.

كان المذياع يبث أغنية أجنبية من زمن التسعينات، وكان سعيدا بسماعها إلى أن اخترق صوت مؤذن النافذة الخشبية. قام بتدوير زر الصوت إلى أن انقطع صوت المذياع العتيق، وأخذ يردد بعد المؤذن، فيما كن هو يردد بعد المؤذن أخذ صديقه يفكر في الجملتين اللتين كررها أكثر من مرة: الحياة بسيطة... سوف يفتح الله عليّ.

فجأة أصبحت حياته بسيطة كما يدّعي، ربما من ذلك التعقد الذي كان يظنها عليه تولدت هذه البساطة. وربما صرة تبغه وزجاجة خمره -التي لم يخفها هذه المرة- هي ما جعلها بسيطة. كان المستقبل يتراءى له طبّيا حتى وقت قريب، وكانت هي فرحة بذلك المستقبل الذي غرسته، وتنتظر بفارغ الصبر رؤية أوراقه تزهر وتثمر.

لأن جده توفي قبل ولادته بثلاثة أشهر منحته اسمه ليحصل بذلك على معزة خاصة عندها، وكانت تناديه:الداه، كما كانت تفعل مع والدها، وكان كلما خرج من الدار تصرخ به:

-  لا اله إلا الله

فيرد:

-  محمد رسول الله

في الوقت الذي كان فيه جيرانهم يراقبون تغير سلوكه وتخلفه عن الصلاة في مسجد الحي، كانت هي لا تزال تناديه: الداه في أوقات رضاها عليه وعبد السلام في الأوقات الأخرى.

وفي اليوم الذي خرج فيه من غرفته وهو يصرخ على أولاد الجيران:

-  يا أولاد الحرام... لا تتبولوا مرة أخرى عند نافذتي

وبعد أن أرغمته على الدخول في الدار وأخذته إلى غرفته وهي تضع يدها على رأسه:

-  قل: بسم الله الرحمن الرحيم قل: بسم الله

وعندما اقشعر بدنها لتلك الرائحة التي لا تشبه رائحة أخرى شمّتها في حياتها ورأت ذلك الشيء الذي لم يخطر ببالها سوى ما هو عليه فعلا: زجاجة خمر!، وجدت أخيرا ما يبرر تغير سلوكه في الفترة الأخيرة.

بدأت بقراءة القرآن عليه، ثم البخور و"المباركة". جربت جداول الشيوخ
البيضان* والأفارقة، لم تنهكها طلباتهم الغريبة، ولا توقفت عن الدفع لهم مهما كانت المبالغ كبيرة.

ألبسته الرقى وأجبرته على الاستحمام ببولها أيام الاثنين. سافرت لتزور الأضرحة وانتظرت ثلاثة أسابيع في مدينة أطار لتحظى بمقابلة دامت عشر دقائق مع الشيخ اعل الشيخ ولد أمّمّ، فيما كان هو يسهر على خمره وتبغه، ويبكي عند سماع الأذان فيسكر وينام، يستيقظ بعد ساعات ليجد نفسه يلف سيجارة على عجل، ثم يجهز لها عدة الشاي لتصنعه هي، في صباحاتهم تلك غالبا ما تناديه بعبد السلام. فيما يحاول أن يشغل نفسه عن النظر إليها وهي تمصمص الكأس التي شرب فيها بعناية ويعد معها- في سرّه- حتى المرة السابعة، ويتذكر بمرارة: شارب الخمر والكلب لا يشرب في قدح شربا منه إلا بعد غسله سبع مرات. هذه الكلمات المنقوشة في ذاكرته بنفس الترتيب من أيام تعليمه المحضري* -كما يليق بابن الزوايا*- يجد صعوبة في تذكر ما إذا كانت حديثا نبويا أو شيئا آخر.

مستسلمة للإحباط أكتفت أخيرا بحمّام البول والقدح الذي تمزج فيه البودرة الصفراء بحليب الماعز حسب وصفة تشيرنو* حسينو العائد حديثا من السنغال.

لصعوبة ابتلاع وصفة حسينو كان عليها في البداية أن تمنع عنه مصروفه إلى يشرب القدح عن آخره، بعد ذلك كان عليها في كل مرة أن تجلب أحد أصدقائه ليساعدها في إقناعه بشرب القدح. صديق براءته نور الدين -الذي ساعدها في جعله يتقبل العلاج- فتح أعينها على اكتشاف متأخر زاد من إحباطها، حين أخبرها بثقة من أقلع عن الشرب: المشكلة ليست في الخمر وإنما في ذلك الشيء الذي يدخنه.

هي أيضا تساءلت لماذا أصبحت لسجائره تلك الرائحة.

ضغط على ذراع صديقه مرة أخرى، ولكنه هذه المرة لم يقل شيئا، أفلته، وحرك يديه فقط، ثم وقف بعد أن أطفأ سيجارته على الحائط حيث كان يجلس، كانت أخته تقف في الحوش حاملة القدح وتنتظر إشارة من صديقه لتدخل به، وكان قد لمحها قبله، فصرخ:

-  لا تدخلي علي بذلك القدح

بعد أن ارتطم الباب بالجدار كان بإمكانه رؤيتها وهي تنسحب إلى حيث جلست والدتها وهي تمسك المسبحة بيد فيما تضع يدها الأخرى فوق رأسها.

 [1]


[1البيضان: العرب الموريتانيون

المحضرة: نظام تعليمي للعلوم الدينية

الزوايا: حملة العلم

تشيرنو: الشيخ باللغة البولارية


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى