سينمائية القصيدة

، بقلم محمد عبد الحليم غنيم

القصيدة الشعرية تفريغ للمحتوي الخارجي الذي يحيط بالإنسان سواء كان هذا الذى يحيط بالإنسان من بيئات مختلفة أو ثقافات وأنماط فكرية وحضارات وديانات وتراث اجتماعي أو إنساني.
كما أن القصيدة ترجمة لكل المعايشات الإنسانية التي يعيشها الإنسان مؤثرا فيها ومتأثرا بها في مجالات عدّة ، كالحب والغربة والزمن والمكان

والقصيدة هي البذرة الأولي التي سبقت كل الأعمال الأدبية من نثر وقصة وأقصوصة

وكانت اللقاءات الشعرية بمثابة المرآة لأي مجتمع بعد المحاورات الفلسفية التي سبقت كتابة القصيدة، إلا انه كانت هناك بعد المحاولات الشعرية التي سجلها الفراعنة على معابدهم وكانت الصور الشعرية بمثابة التجسيد الكامل لحالة المجتمعات القديمة.
فالشعر له السبق

وتطورت القصيدة الشعرية إلي الملاحم التى نقلت بعد ذلك على خشبة المسرح قبل ان يتم اختراع آلة التصوير التى ساعدت بعد ذلك على نقل الشخوص من علي خشبة المسرح إلى أفاق أوسع لتصوير النهر والبحر والثلج والجبال والكهوف والبيوت والحركة والحوار
ومن هنا تم نقل الملاحم الشعرية إلى صورة، وكذلك قصص البطولة وما يدور في الأروقة والقصور وتحولت بعض القصائد الشعرية من المسرح إلى السينما.

وإذا كان الشعر هو أحد مفردات الأدب الأولي فقد كان له السبق في إحياء كل المجالات الأدبية التي تحولت بعد ذلك إلي السينما
فشعر المأساة والملهاة وشعر الحماسة والملحمة أصبحوا بعد ذلك من أدبيات السينما في بداية نشأتها

وبعد ظهور الرواية أصبحت هي الأساس في العمل السينمائي، وتعدد نوع العمل الأدبي بدءاً من الأدب الاجتماعي والتاريخي والثقافي الكوميدي والخيال العلمي وأفلام الآكشن والجنس وما إلي ذلك مما نشاهده الأن علي شاشات العرض

وكذلك قصص المافيا وتجار المخدرات والقصص الواقعية التي تتحدث عن جرائم القتل والاغتصاب و الاغتيالات وواقع الشعوب والحروب الدامية.بمعني ان السينما انعكاس لحركة الإنسان الواقعية
هذا الزخم السهل قد أبتعد بالسينما عن أهم غايتها بعد أن طغت الواقعية العنيفة والخيال العلمي الدامي فوق شاشاتها البيضاء، ولذلك ابتعدت السينما عن الأدب الرومانسي والشعري، وإذا عدنا إلي الوراء فأننا نجد أن اغلب الأفلام الجيدة هي الأفلام الاستعراضية والغنائية التي لغتها في المقام الأول الشعر

وإذا اعتبرنا أن الحياة فيلم كبير نضحك على بعض فصوله ونبكي علي الآخر ونتأمل في فصل أخر ونرفض فصلا فأننا ننظر بعين الاعتبار إلي مفردات هذا الفلم خاصة من الناحية الأدبية والبرجماتية، فنرى أننا ملنا في هذا الزمن إلي فصل ممل وخطير جعل الإنسان مشدوداً، متوتراً، لاهثَ الأنفاس دون ان يجنح الى الهدوء والتأمل والحب ولا نعرف سببا لذلك

وإذا اعتبرنا ان السينما متهمه بأنها تروج بضاعة من أجل الكسب فهذا شأنها، أما إذا كان هناك أناس ينظرون الى دور السينما في تحقيق التوازن للمشاهد بين شده وجذبه فأنها مطالبة أيضا بتحقيق توازنه النفسي والأخلاقي

والقصيدة قد تساهم في ذلك إذا ما عادت السينما إليها من جديد وذلك لخلق لغة شاعرية في الحوار وفي الصور السينمائية وفي الموسيقي
وما لغة الطير إلا زقزقة ، ولغة الورد الهمس، ولغة الشجر الوشوشة والحفيف، ولغة الماء الخرير، وكلها لغات شعرية هامسة تساعد الإنسان علي استعادة توازنه النفسي والسلوكي.

محمد غنيم

أديب وشاعر إيطالي من أصل مصري

www.ghonim.com


محمد عبد الحليم غنيم

- دكتوراة في الادب العربي الحديث

من نفس المؤلف