الأربعاء ٢٣ تموز (يوليو) ٢٠٠٨
بقلم علاء الدين حسو

العنين

كاد يرفض لولا لهجة الشرطي الآمرة..ندم لمروره من أمام المخفر، ولكن ما يدريه؟

شرطي، طلب منه الوقوف، تفاجأ بإمرأة تُجبر على الصعود بواسطة رجلين ضخمين حصراها كفكي كماشة.

-  كرم الأسود.. أمر الشرطي

تطلّع السائق بالشرطي، واختلس نظرة عبر مرآته للخلف. وكاد يقول له بأنه يرفض الذهاب ليلاً إلى ذلك الحيّ، السائقون يهربون من ذلك الحيّ نهاراً.. وحتى تتخيّل الحيّ، تذكّرْ أفلام المخدرات والعصابات..

توسلت المرأة:

-  أرجوك خذني إلى المخفر؟.. آه

اضطرب السائق، كانت الصفعات كطلقات رصاص تتوالى على جسد المرأة، واكتفى بالنظر إلى الشرطي، المخفر، مرآة السيارة، الشارع المقفر..

-  أسرع.. أمر الشرطي ثانية..

رفع رجله عن الفرام، وضغط على دعسة البنزين، فاخترقت سيارة (سكودا) العمومي شارع المخفر باتجاه حي كرم الأسود...

تألم وهو يسمع أنين المرأة ورجائها:
-  أرجوك خذني إلى المخفر، سيقتلونني..
-  أخرسي يا قح... أخرسي..

وتوالت الصفعات كالرصاص ثانية..

الشرطي اكتفى بالتدخين، مراقباً الشوارع الفارغة من الناس، والمستأنسة بأضواء بعض السيارات القادمة بسرعة مقلقة، أو ببطء مقلق..فأحس السائق برغبة في التدخين، وقبل أن يخرج علبته ناوله الشرطي سيجارة وعند إشعالها سمع المرأة:

-  ( أبوس ) أيدك،خذني للمخفر، لا تدعني لهم..
-  (ولك ) حاجة، أخرسي..

أحس ببرودة تلسع رقبته، وحين نظر إلى الخلف عبر المرآة..أدرك أنه بقايا مخاط المرأة الذي تطاير أثر صفعة قوية. كاد يتوقف لولا التقاء عينيه بعيونهم كأنهم بنادق، فعاد ينظر أمامه، ويمص الدخان دون أن يرفع السيجارة عن فمه..رجلان ضخمان في عقدهما الثالث.شوارب ضخمة وأنف بارز، أكتاف عريضة، يأكلانه أكلا..وحتى الشرطي شك بأنه هو الأخر يخافهما..

خطر في باله العودة إلى المخفر، ولكنه تذكّر بأنه آخذهم من أمام المخفر..

-  ماذا سيفعل ؟ ما يجب عليه أن يفعل؟

لا يجرؤ على السؤال، لا يقدر المساعدة، أحس أنه عاجز، عنين، فهو لا يقدر على الانتصاب ونصرة المرأة، وسلى نفسه بأنها قد تكون عاهرة، وحين نظر إليها، وحسب خبرته ليست من ذلك الصنف. ولا يمكن أن تكون هاربة من بيتها، فعمرها لا يناسب الهروب، مثلما شكلها لا يناسب الدعر..سمراء،غليظة الشفاه،واسعة العينين، ولكنها كبيرة الصدر، قد تكون أم لرضيع.

-  احترس يا رجل.

صرخ الشرطي، فانتبه السائق إلى أنه وصل إلى بداية الحيّ.. إذاً لحظات وينتهي الكابوس، ويتخلص من البلوى.. وحين اتجه نحو الحيّ وجد شارعاً قد تشعب إلى فرعين، أوقف السيارة و سأل:

-  يمين أم يسار ؟
-  من هنا.. أشار الشرطي
-  لا.. لا تذهب..صرخت المرأة..
-  أسكتوها..صرخ الشرطي

ارتجت السيارة جراء تدحرج المرأة نحو اليمين عندما يضربها الجالس يسارهاـ ونحو اليسار عندما يضربها الجالس على يمينها..فيخال لمن يرى السيارة من بعيد كمشهد فيلم سينمائي يمارس الحب في السيارة...

ترجل السائق من سيارته ودس مفتاح التشغيل في جيبه وصرخ بهم:

-  لن أخذها إلى أي مكان.

صمت الجميع، والتق نظرات الرجلين وهمس أقربهما:

-  أعطنا المفتاح وانصرف.

ترجل المساعد وتقدم بهدوء يسبقه كرشه.

-  كن عاقلاً، أعطنا المفتاح أو أوصلنا.

غرّ كرشُ المساعدَ فكرة الهرب جرياً، فأطلق لساقيه الريح، ركض المساعد خلفه، وبصوت لاهث طالب السائق بالعودة محذراً:

-  عُد، لا تجبرنا..

كان السائق يركض بكل ما أوتي من قوة، كحصان مخصي، فلم يسمع صوت الشرطي ولا لهاثه، ولكنه أحس بحركة تلقيم مسدس، ولم يمضي طويلاً حتى سمع صوتاً يشبه صوت طلقات الرصاص، فأحس بحرارة غريبة اخترقت ظهره، وشعر لأول مرة بخفة طير، وأن ذراعيه تحولا لجناحين حلّق بهما إلى السماء، وسمع صوت المرأة وقد اقتربت منه تشكره على هديته، تلك الهدية التي مكنتها السياحة في الفضاء..


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى